أي يسار فلسطيني؟ وعن أي وحدة نتحدث؟

 ناصر السهلي

2009-10-18


ثمة من سيتأفف من موقفي هذا حول مسألة عُقد لأجلها مؤتمر «دولي» في رام الله.. وقد تجد هذا البعض لا يتأفف كثيراً من حالة مزرية وفاضحة لما يُطلق عليه «اليسار».
حالة اليسار الفلسطيني تذكرني كما تذكر غيري بالترف الفكري الذي عام في تياراته الكثير من اليساريين الانتهازيين المتحولين إلى ذيليين للسلطة السياسية والراكبين لأمواج التحول الفكري واللحاق بركب التسمية لا غير، وهو يذكر بما هو مضحك ومبك معاً في فترة التنظير «اليساري» لغلاسنوست وبيروسترويكا الرفيق غورباتشوف.
ذات مرة كنت أزور صديقاً لي فسألني: ما شأني بمراسلات روزا لوكسمبورغ حتى أصبح يسارياً؟


اليوم، نعيش حالة مبهمة من التعريف، والتعريف ليس بمسألة هينة ولا بسيطة إذا ما رُبطت بالبرامج والتوجهات، فمن اليسار الفلسطيني الذي يُعرف نفسه على نحو ضبابي في حين هو غارق في مشروعات يرفضها النهج اليساري أصلاً. لقد أغفل «الرفاق» ( ولا أقصد هنا اليسار المنسجم مع برامجه وسياساته وجمهوره) قاعدته الشعبية وتحالفاته العربية والدولية لمصلحة تحالفات ضيقة وسلطوية.


واليوم في ظل الحديث والتنظير عن موت «القومية العربية» تذكر «الرفاق» أن «وحدة» ما يجب أن تجمع بينهم، لكن الحقيقة المرة بطعم العلقم أن حجز المقاعد في صفوف اليسار يتحول إلى مزيد من التشرذم وفقدان البوصلة الجماهيرية بالابتعاد الكلي أو الجزئي عن المصارحة والمكاشفة بعمق أزمة اليسار العربي والفلسطيني منه (مع استثناءات هنا وهناك).
أعتقد شخصياً، وأنا أتحمل مسؤولية كلماتي هذه، أن اليسار الذي كان يوماً مغناطيساً جاذباً لجمهوره صار نخبوياً ويمارس ممارسة السلفيين المتناقض معهم، تنفيراً واستعلاء. وهذه واحدة من أمراض من يدعون اليسارية.. فتحالف اليسار مع «اليسار» الصهيوني في ثمانينيات القرن الماضي كان سبباً غير مباشر في تشرذم هذا اليسار ليشهد خروجاً جماعياً وفردياً، فقفز البعض من موقع المعارض لليمين إلى المتحالف معه.

هل في الساحة الفلسطينية أزمة يسار أم أزمة يساريين؟


أعتقد أننا نعيش مرحلة أزمة أعمق من أزمة اليسار، فاليساري الذي يجد في تحالفاته مع السلطات ومشروعاتها، أينما كانت هذه السلطات «اليمينية والمتنفذة» والمنظرة لمشروعاته لا يمكنها أن تمثل الخط اليساري الذي فهمنا أن عدميته يقابلها مرضه وانتهازيته، وما أكثر الانتهازية النرجسية في حالتنا التي يستر عورتها الاحتلال، وقد أكون ظالماً أو قاسياً إن تساءلت عما يجمع بيريس وبعض الأطراف اليسارية باسم «الاشتراكية الدولية»، ولا أفهم، وهي ربما تكون مشكلتي، كيف يمكن أن تنطلي على اليساريين كذبة وجود «يسار صهيوني»، على حين في الحقيقة هناك يسار يهودي، لا يمثله فقط فكر نعوم تشومسكي بل يمتد عبر قارات الأرض، وحين يستسهل البعض على الساحة الفلسطينية أن يرى في داخل إسرائيل (من بين العرب والإسرائيليين) من يمكن أن يعطيه بعض البريق الضائع عبر تاريخ من إغفال العملية التراكمية، التي بالضرورة لم تؤد إلى تحول نوعي، فإنه ودون إذن من أحد نسأل عما يمكن أن تضيفه لقاءات مع هذا الطرف أو ذاك، وتصدر تلك اللقاءات لصحف وأدبيات هذا اليسار مع شخصيات تعلن وبكل وضوح تحالفها مع ما يسمى «اليسار الصهيوني»، على حين هي عاجزة عن التلاقي البيني على برنامج سياسي أو انتخابي طلابي فما بالك ببرامج إستراتيجية؟!....


من المحزن أن بعض اليسار الفلسطيني لم يرغب في تشخيص أزمته بشكل واقعي وحقيقي، تماماً مثلما هو محزن أن تسمع أن يوسي بيلين ما زال البعض يتوسم فيه يسارية! أو أن يعلن حزب عربي داخل إسرائيل أنه «حزب يساري» على حين لم يتخط في الصميم حالته التي عاشها منذ الخمسينيات حتى يومنا هذا في مسألة الولاء للدولة والقضاء والعدالة الصهيونية بتحالفات أجبرته على الاعتراف بأنه «حزب يهودي - عربي». وهنا من غير المفهوم كيف ليساريين يهود خارج دولة إسرائيل يرفضون الولاء لهذه الدولة، وفي ذات الوقت غير مفهوم أيضاً هذا الجمع بين الدين واليسارية، إلا لمجرد أن الانتهازية نخرت في عظم وفكر هؤلاء الممسكين بسلطاتهم الحزبية (وربما توريثها لاحقاً)، أو لأنهم لا يريدون الاعتراف بالمتغيرات التي تحدث من حولهم وهم يظنون أنهم ما زالوا وحدهم أصحاب الفكر والبرامج المدافعة عن القضية وجماهيرها.


هناك أزمة ثقة لا شك، بين الرفاق اليساريين أنفسهم، وأزمة تدعي الديمقراطية والانفتاح على حين واقع الأمر يدل على العكس، فكيف يمكن أن يتحدث هؤلاء عن وحدة وهم يفتقدون لشروط مهمة جداً على صعيد العلاقات الداخلية، والاستفراد بفتح تحالفات مع يمين يدعي اليسارية؟


أشك بأن «الرفاق» يقبلون أي نوع من النقد لتجربتهم الآنية، إذا لم نخض في التاريخية، لأنه إذ ذاك سيكون الناقد «مرتداً»، على طريقة السلفيين تماماً، وليسمح لنا من يركب الموجة أن ندعي بأنه مكشوف تماماً للعمال والفلاحين وكل البروليتاريا والمسحوقين حين يرون نوع المركبات التي يمتطيها الرفاق والبدلات الباريسية التي تستر جسدهم ظناً أنها قد تستر فضيحة التحول.




ناصر السهلي