عودة عبد ربه..!!

*عمر صبري كتمتو

أطل علينا من جديد السيد ياسرعبد ربه بتصريحاته التي تتسم بالردح أكثر منها اتساما بالسياسة. ولا غرابة في هذا الأمر اذا أن الرئيس عباس أحرص من أن يزج بنفسه أو بأي من قادة "فتح" المحترمين بمهمات غير نظيفة, خاصة في هذه المرحلة التي ينأى فيها كثير من هؤلاء القادة عن الادلاء بأي تصريح يعرضهم لغضبة الفلسطينيين والعرب جراء ما حدث في جنيف, لأن معظم الحجج التي ساقها كبيرالمفاوضين صائب عريقات, وسفير السلطة المسكين ابراهيم خريشة لتأجل تقرير غولدستون كانت حججا واهية, ضعيفة, وغير مقنعة, لا بل واتسمت بالكذب والرياء على الشعب الفلسطيني الذي تمرس في النضال والمعرفة العلمية والسياسية رغم أن بعض الكتبة يعتبرون هذا الشعب شعبا جاهلا ذلك أنه فضل حركة "حماس" على حركة "فتح" حينما ذهب قبل أربعة أعوام الى صناديق الاقتراع كي يختار ممثليه بديمقراطية شفافة تنكرت لها أميركا وأوروبا الرسمية.

لقد صمت ياسر عبد ربه دهرا ونطق كفرا وهو يتشدق بتصريحاته وكأنه قائد في دولة عظمى, وليس عضوا في لجنة تنفيذية فاقدة للشرعية, متهما "حماس" اتهامات غير صحيحة بأنها تتهرب من المصالحة وذلك باستخدام التقرير آنف الذكر وسيلة لذلك الهروب. وكي لايظن أحد أننا ندافع عن حركة "حماس" نقول: ان هذه الحركة هي أيضا تلعب لعبة غير بريئة, اذ تريد استخدام خطيئة تأجيل التقرير ليس للتهرب من المصالحة كما قال عبد ربه, بل لتسجيل مواقف متميزة عن بقية الفصائل المعارضة والتي تربطها بحماس علاقات تحالف سياسي كي تجني ثمارا أكثر تميزها عن حلفائها عندما تتحقق المصالحة.

لقد خرجت علينا حركة "حماس" بصوت عال وهي تقول: انها لن تصالح ما دام عباس في موقعه وعليه أن يستقيل, ثم خفت صوتها بعد أن استخدمت الأحذية والشتائم في قذف صوره المعلقة على ما تبقى من جدران غزة, وهذا أسلوب غيرلائق بحركة تريد أن تحرر فلسطين وتقود شعبها, ذلك لأنها تملك الكثير الكثير كي تدين أبا مازن وغيره بالحجج السياسية وبالمنطق الوطني. الا أن هذه الحركة بدأت بالتراجع عن هذا الموقف الصحيح وانتهجت نهجا آخر لتحقيق كسب سياسي يذكرنا بنبيل عمرو وفاروق القدومي اللذين انقضا على محمود عباس هجوما واتهاما لأسباب ومكاسب شخصية لا تمت الى الهدف الوطني الأسمى بصلة أو بوشيج قربى, فصمت القدومي صمت القبور بعدما حصل ما حصل في جنيف, وثمن نبيل عمرو تصريحات ياسر عبد ربه بالاعتراف بخطأ تأجيل التقرير ريثما يجد ما يمكن أن يعود عليه بالخير من هذا التثمين, اذ أن هناك تراجع واضح في موقف نبيل عمرو الذي تحول من ادانة لأبي مازن وتحميله كامل المسؤولية, الى تثمين لموقف ياسر عبد ربه وكأن ياسر عبد ربه لا ينطق بما يريده أبو مازن!

نعم ان هذا التراجع الواضح بمواقف "حماس" مثيل لمواقف القدومي وعمرو, ويدل على أنها تعيد الطرح والضرب والتقسيم كي تخرج بحصة أكبرمن المصالحة التي أراها ولاشك قادمة ما لم تضغط فصائل الممانعة على حركة "حماس" كي تتراجع عن تراجعها, فتتحول المصالحة الى برنامج عمل وطني للجميع على قاعدة الثوابت التي وضعها وأرسلها الزعيم الراحل ياسرعرفات الى فصائل المقاومة في دمشق وحصل على موافقة هذه الفصائل عليها قبل ذهابه مكرها الى كامب ديفيد.

الفارق الوحيد بين نهج حركة "حماس" الآن, من جهة, وموقف القدومي ونبيل عمرو من جهة ثانية, هو أن حركة "حماس" هي فصيل سياسي في حين أن السيدين المذكورين أصبحا أشخاصا ليس الا.

وهنا نعود للسيد ياسر عبد ربه العاشق للألقاب, والذي يخرج علينا بين الفينة والفينة بتصريحات أقل ما يقال فيها انها غير نظيفة, وهنا نسأل لماذا يقبل على نفسه أن يتحول الى بوق يبث سموما للفرقة وليس للوحدة الوطنية, ويرضى لنفسه القيام بالمهمات المخجلة؟ سؤال نأمل أن يفكر ثم يجيب عليه, وهنا لا نقصد أن يوجه اجابته لنا بل يوجهها الى نفسه ليس الا.

هناك استبيان للرأي درجت عليه دول أوروبية كثيرة, وهو عبارة عن سؤال يتعلق بشخصيات غير محبوبة, حيث توضع صور هذه الشخاصيات المعروفة في الوسط السياسي أو الاجتماعي, ثم يوضع تحت أسمائهم وصورهم السؤال التالي: من هي الشخصية الأقل شعبية بين هؤلاء السادة؟!

لو يجري مثل هذا الاستفتاء في فلسطين, ثم توضع صور جميع الشخصيات والقيادات السياسية الفلسطينية من كافة الفصائل والأحزاب دون استثناء بما فيها صورة السيد ياسر عبد ربه. لوحدث هذا... لعمري من سيكون صاحب هذه الحظوة؟!

********************************************************************
 

دبلوماسية "اسرائيل" والنرويج

بقلم: عمر صبري كتمتو

أفرزت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في النرويج في أيلول سبتمبر الماضي, فوزا غير مسبوق للحزب المناهض للأجانب والمهاجرين, والمناصر بلا حدود لاسرائيل, فقد حصد هذا الحزب واسمه "حزب التقدم" وفق التسمية الانكليزية, حصد واحدا وأربعين مقعدا من مجموع مقاعد البرلمان النرويجي المائة وتسعة وستين مقعدا. ومن الجدير بالذكر أن مجموع أعضاء مقاعد البرلمان التي احتلها مع حلفائه في الأحزاب الأخرى وصل الى ثلاثة وثمانين مقعدا مقابل تحالف أحزاب الاشتراكيين (العمال) والاشتراكيين اليساريين وحزب الوسط الذين انتصروا وشكلوا الحكومة لفوزهم بستة وثمانين مقعدا.

هذه النتيجة فتحت شهية الدبلوماسية الاسرائيلة لتنشيط عملها من أجل عادة تشكيل ما يسمى بـ(لجنة أصدقاء اسرائيل) في البرلمان النرويجي. فقد كانت هذه اللجنة موجودة وبقوة داخل البرلمان النرويجي منذ الخمسينات وحتى بداية التسعينات من القرن الماضي والتحق في عضويتها 87 عضوا من أعضاء البرلمان وكان عدد مجموع أعضائه في ذلك الوقت 157 عضوا, أما أعضاؤها فكانوا وزراء وأصحاب قرار في حكومات النرويج المتعاقبة, ويشارك في عضويتها برلمانيون من جميع الأحزاب الموجودة داخل البرلمان باستثناء الحزب الاشتراكي اليساري والذي طالبت زعيمته وزيرة المالية السيدة (كريستين هالفورسن) قبل فترة بمقاطعة البضائع الاسرائيلية. وكان يقود نشاط هذه اللجنة الحزب الديمقراطي المسيحي, الذي كان ولا يزال الصديق الوفي لاسرائيل رغم خلافه معها حول بعض القضايا ذات الصلة. لقد كان العداء لشعبنا ولمنظمة التحرير عداء قاسيا وظالما ومؤثرا, لدرجة أن هذه اللجنة استطاعت حرمان المنظمة من افتتاح مكتب لها في العاصمة أوسلو وذلك برفضهم منح السفير الفلسطيني المعين اذنا للاقامة, مما دفع الرئيس الراحل أبي عمار لنقل سفيره الفلسطيني والذي كان يحمل الجنسية النرويجية من الدنمارك الى النرويج حيث تمكن من انجاز المهمة بافتتاح مكتب المنظمة مستفيدا من الحصانة التي تمنحها له جنسيته النرويجية. وهكذا كانت البداية.

ومع تطور الحركة السياسية في النرويج وبداية الانتفاضة الأولى عام 1989 وتأثيرها القوي والسلبي على اسرائيل, ونتيجة للدماء الزكية لشهدائنا واعتقال عدد كبير من أسرانا وجدت هذه اللجنة حرجا شديدا في الاستمرار فأعلنت حل نفسها داخل البرلمان, وهكذا انتقلت النرويج من سياسة معادية الى سياسة رسمية متوازنة، في حين أن معظم النرويجيين يساندون حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة. والجدير بالذكر هو أن الحكومة النرويجية هي الحكومة الوحيدة في الغرب التي لم تقاطع حركة "حماس" وبشكل علني لا نفاق فيه.

أما اليوم فالمهمة التي تعمل عليها الدبلوماسية الاسرائيلية هي اعادة بناء هذه اللجنة, لأن بناءها يعني أنها سوف تكون داخل حكومة الظل المعارضة للحكومة النرويجية الحالية وتصبح ذات تأثيرخطير في اتخاذ أي قرار بشأن ما يجري داخل مناقشات البرلمان بخصوص الشرق الأوسط.

أما المهمة الثانية فهي محاولة اقناع سفراء الاتحاد الأوروبي المعتمدين في النرويج كي تحذو دولهم حذو اوباما بالتراجع عن اصرارها بتجميد المستوطنات كشرط رئيس لعودة المفاوضات. وكما هو معروف فالنرويج ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي. لكن هناك عقبة تقف في وجه الدبلوماسية الاسرائيلية الآن, وهذه العقبة هي تردي العلاقات بين اسرائيل والسويد اذ أن السويد هي التي ترأس الاتحاد في الوقت الحالي.

أما ماذا تفعل الديبلوماسية الفلسطينية هنا, فهذا أمر لا نشعر به ولا نراه, علما بأن العدد الضئيل للسفراء العرب هنا لم يثنهم بحق وجدارة عن القيام بمواجهة ممتازة للدبلوماسية الاسرائيلية يشكرون عليها.

* سفير فلسطيني سابق مقيم في النرويج. - omaki@online.no 

 

اكتوبر 2009