دوافع السلطة لتأجيل التقرير؟

سوسن البرغوتي

16/10/2009

مرة أخرى، من أفتى بغير علم، فقد أساء إلى نفسه، وضلل غيره، أما قد بدأت الصورة تتضح شيئاً فشيئاً، بعد نشر نسخة الكترونية عن التقرير، فالكثير من خروقات حقوق الانسان من طرف العدو، تعتمد وفق ما جاء في التقرير على ما عُرف بتكتيكات قواته المسلحة إبان الاعتداء على لبنان، بـ (النظرية الداهية)، باستخدام قوة غير متناسبة تتسبب في إحداث ضرر ودمار كبيرين للممتلكات والهياكل الأساسية المدنية، والمعاناة للسكان المدنيين، طُبقت كأفضل استراتيجية فيما يتعلق بالعمليات العسكرية بغزة- بند 62 من تقرير المجلس الحقوقي العالمي-. يجدر الإشارة إلى مدنيي المغتصبات، أنهم يُدربون على حمل السلاح للتدمير والقتل. ولعل رسائل أطفالهم على صواريخ الجيش "الاسرائيلي" لأطفال جنوب لبنان، إبان الاعتداء الهمجي على الجنوب اللبناني في العام 2006، وما خلفه من تدمير قرى ومدن في الجنوب والضاحية الجنوبية في بيروت، أوضح مثال على كيفية تنشئتهم وتعبئتهم بثقافة الحقد والإجرام.

على الرغم من كل العلل على الأصعدة كافة، سأكتفي بعرض دوافع سلطة أوسلو الخاصة، متذرعة بعيوب ونواقص التقرير، وأن الخطأ يمكن إصلاحه وما شابه من تصريحات شخصياتها، لإخفاء الاعتبارات الآتية:

أولاًًًًً- بنود تتعرض لانتهاكات سلطة محمية رام الله، وإليكم ما ورد كما هو، دون التعقيب عليه، علماً بأن ما أشير إليه بادعاءات، حقائق مثبتة، يعلمها القاصي والداني، وما زالت مستمرة:

العنف الداخلي واستهداف أنصار حماس من جانب السلطةالفلسطينية، والقيود المفروضة على حرية التعبير والتجمّع

97- وتلقت البعثة ادعاءات بحدوث انتهاكات تتصل بولايتها ارتكبتها السلطة الفلسطينية في الفترة المشمولة بالتحقيق. وهذه تشمل انتهاكات تتصل بمعاملة التابعين لحماس "المشتَبَه فيهم " من جانب الأجهزة الأمنية، بما في ذلك إلقاء القبض عليهم واحتجازهم بصورة غير مشروعة . وأفادت عدة منظمات تعمل في مجال حقوق الإنسان أن الممارسات التي تستخدمها قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية هي بمثابة ممارسة للتعذيب والمعاملة والعقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة. وقد حدث عدد من حالات الوفاة في الاحتجاز يُشتبه أن التعذيب وضروب إساءة المعاملة الأخرى قد أسهمت فيها أو ربما تسببت فيها. وقد جرى التحقيق في الشكاوى المتعلقة ﺑﻬذه الممارسات.

98- ووردت أيضًا ادعاءات تتعلق باستخدام القوة المفرطة وقمع المظاهرات من جانب أجهزة الأمن الفلسطينية وخاصة المظاهرات التي نُظِّمت دعمًا لسكان غزة أثناء العمليات العسكرية الإسرائيلية. إذ يُدَّعى أن أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية قد قامت في هذه المناسبات بإلقاء القبض على كثير من الأفراد ومنعت وسائط الإعلام من تغطية هذه الأحداث.

وتلقت البعثة أيضًا ادعاءات مفادها قيام أجهزة الأمن الفلسطينية بارتكاب مضايقات ضد الصحفيين الذين أعربوا عن آراء نقدية.

99- وقد أدى تعطيل اﻟﻤﺠلس التشريعي الفلسطيني عقب قيام إسرائيل بإلقاء القبض على العديد من أعضائه واحتجازهم إلى التقليص الفعلي للرقابة البرلمانية على الفرع التنفيذي للسلطة الفلسطينية. فقد أصدرت السلطة التنفيذية مراسيم وأنظمة تمكِّنها من مواصلة عملياﺗﻬا اليومية.

100- وتشمل الادعاءات الأخرى الإقفال التعسفي للهيئات الخيرية والجمعيات والجماعات الإسلامية الأخرى أو إلغاء وعدم تجديد التراخيص الصادرة لها، والقيام قسراً باستبدال أعضاء مجالس إدارة المدارس الإسلامية ومؤسسات أخرى، وفصل المدرسين المنتمين إلى حماس.

101- وما زالت السلطة الفلسطينية تسرِّح عدداً كبيراً من الموظفين العاملين في هيئات مدنية وعسكرية أو توقف صرف مرتباﺗﻬم بذريعة "عدم ولائهم للسلطة المشروعة" أو "عدم الحصول على موافقة أمنية " عند تعيينهم، وهو ما أصبح شرطاً مسبقاً للانخراط في الخدمة العامة . وفي الواقع، فإن هذا التدبير يستبعد أنصار حماس أو الأشخاص التابعين لها من العمل في القطاع الحكومي العام.
102- ومن رأي البعثة أن التدابير المذكورة لا تتفق مع التزامات السلطة الفلسطينية الناشئة عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعن الميثاق الأساسي الفلسطيني.

126- وفي ظل هذه الظروف، لا تستطيع البعثة اعتبار التدابير التي اتخذﺗﻬا السلطة الفلسطينية ذات معنى لغرض محاسبة مرتكبي الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي، وهي تعتقد أنه يجب بقدر أكبر من الالتزام الوفاء بالمسؤولية عن حماية حقوق الأشخاص وهي المسؤولية التي تدخل في صلب السلطات التي تتولاها السلطة الفلسطينية.

ثانياًًً- تصريح الصحفي دونالد بوسترم من دمشق، أن (السلطة الفلسطينية ومواقعها الإعلامية كانت على علم بسرقة الكيان الصهيوني لأعضاء الجرحى والشهداء الفلسطينيين، لافتاً إلى أنها لم تعمل على إظهار الموضوع وكشفه، بل تعمَّدت إهماله). فالتستر والتغطية على هذه الجريمة للاحتلال، لا تقل أهمية عن خطيئة أخرى بحق الشهداء.

ثالثاً- كل الفصائل المقاومة قصفت المغتصبات "الاسرائيلية"، للدفاع عن القطاع، لكن السؤال المطروح، ماذا لو تم بعد التحري والبحث الدقيق، واتضح أن عباس مُدان في القطاع أيضاً، وأنه القائد الأعلى لمجموعة أطلقت بدورها الصواريخ، تتبع آوامره، لتمرير أوراق سياسية، فحسب، وهو من وصف الصواريخ بـ(الكرتونية والعبثية)، ألا يضعه في موقع محاسبة مريرة مع "شريك السلام"، ولجان تقصي الحقائق؟. ثم من هي القوات الصديقة التي شاركت بالاعتداء على القطاع، أليست مشاركة في الانتهاكات أيضاً، بصرف النظر عن تلك الجهة؟.

إذن لم يقتصر تفريط وتنازل سلطة أوسلو عن الأرض الفلسطينية ومقدساتها، بل تجاوزه بانتهاك حقوق الأحياء والشهداء على حد سواء، وما تعطيل البت بالتقرير في حين إصداره، إلا فصل من سلسلة بدأت منذ اتفاقية أوسلو، ولم تنته بعد!..

لقد تقلصت معركة التحرير إلى مشاريع تمرير التسوية، وأخيراً وليس آخراً، معركة الانتخابات، وتقديم صك الغفران لعباس وسلطته، وتبرئتهما من جرائم بحق القضية الفلسطينية برمتها، بصفته (المرجعية الشرعية) ورئيس منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، مما يؤهل أي من يتبوأ هذا المنصب، التصرف في مصير الشعب الفلسطيني بالداخل والخارج.. قد لا نخطئ إذا قلنا إن هذه الترتيبات، بصدد اعتماد نظام التوريث التفريطي سواء لمن هو على مواله ومنواله نفسه، أو أقرب منهم جميعاً.

هذه السلطة (التنويرية) تحرص على تثبيت شرعية ساقطة وطنياً بكل المعايير، من خلال صناديق انتخابات، تدار عن بُعد، وبمال قذر لتضمن استمرار النهج ذاته، بمحصصات واصطفافات مدفوعة الأجر، ومناصب وزارية، ليس إلا.. ومرة أخرى بقيادة الجنرال الأمريكي كيث دايتون.

فهل الورقة المصرية التطبيعية بامتياز، وفاق أم نفاق وطني، أم شراكة تضييع ما تبقى؟!. إن جريمة اتفاقية أوسلو خطايا متراكمة، ومسامير تدق في نعش الوجود الفلسطيني.. فما من استفاقة أبداً، وهل لا يوجد في الأرض حصن للكريم عن أذى سلطة الظـُّلام والإجرام، قبل فوات الآوان؟!.