الحسابات الأميركية لمناورة الإنتخابات الفلسطينية

 شاكر الجوهري

هل يعتزم محمود عباس حقا اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية فلسطينية دون توافق وطني فلسطيني على ذلك..؟

نشك كثيرا في امكانية اقدامه على هذه الخطوة، بالرغم من إصداره مرسوما بذلك، في ضوء حقائق يجب أن لا تغيب عن وعي وذاكرة المحلل، ويمكن ايرادها تحت عنوانين رئيسين:

العنوان الأول: استحضار الظروف التي أجريت في ظلها، وفي ضوئها الإنتخابات الفلسطينية السابقة.

العنوان الثاني: استقراء ما يمكن أن يحدث في حال اجراء الإنتخابات غير التوافقية التي يلوح بها عباس.
لقد أجريت انتخابات رئاسية وتشريعة مرتين منذ قيام السلطة الفلسطينية عقب توقيع اتفاق اوسلو، وعلى نحو غير متزامن.

في عام 1994، وبعد فترة قصيرة من تأسيس السلطة الفلسطينية، التي انبثقت عن اتفاق اوسلو لسنة 1993، أجريت انتخابات رئاسية وأخرى تشريعية متزامنة، أسفرت عن فوز ياسر عرفات رئيسا للسلطة، ومجلس تشريعي بأغلبية فتحاوية، وذلك لفترة أربع سنوات لكل من الرئيس والمجلس.

بعد انتهاء ولاية الرئيس والمجلس، أخذت تنصب الضغوط الأميركية والغربية والإسرائيلية على السلطة من أجل اجراء انتخابات تشريعية دون أجراء انتخابات رئاسية، وذلك بهدف الحيلولة دون تجديد شرعية الرئيس عرفات، وتجديد شرعية المجلس التشريعي، على نحو يجعل منه ورقة ضاغطة على صلاحيات الرئيس، الذي كان قد فرض عليه ايجاد منصب رئيس للوزراء، وإسناد هذا المنصب لشخص محمود عباس.

الجهات الضاغطة كانت تعتقد، وتعمل من أجل تجسيد ضغوطها لإنتاج مجلس تشريعي تتمثل غالبيتة من نواة "الفلسطينيين الجدد"، الذين تتواصل عملية صناعتهم حتى الآن، خاصة في الأجهزة الأمنية للسلطة.

عرفات بدوره، ظل يناور ويمتنع عن اجراء انتخابات رئاسية أو تشريعية.. سواء بسواء.. ذلك أنه كان يدرك الهدف الحقيقي من اجراء الإنتخابات التشريعية دون الرئاسية، وهو كان يرفض اجراء الإنتخابات الرئاسية خشية من نتائجها، سواء أكانت حقيقية، أو مصنّعة..! كما كان يرفض اجراء الإنتخابات التشريعية لأنه كان يدرك أن الهدف منها كان ينحصر في امرين:

الأول: تقييد حركته، وتقليص صلاحياته على يد حكومة الأغلبية التشريعية المنتخبة، ما دام هو نفسه منتهي الولاية، ولم تجدد شرعيته عبر انتخابات رئاسية.

الثاني: أن تجديد شرعية الحكومة المفروضة يهدف كذلك إلى شرعنة التنازلات التي يمكن أن تقدمها للإحتلال في إطار أي حل مفروض.

للتذكير، فإن نواة التنازلات المطلوبة تمثلت مبكرا في:

1. توافقات عباس بيلين لسنة 1995، والتي تم التوصل إليها بعد وقت قصير من انتخابات 1994.
2. وثيقة جنيف التي وافق عرفات نفسه على اجراء الحوارات التي انبثقت عنها، كما وافق على توقيعها نهاية 2003، وموّل سفر وتنقلات المشاركين فيها من الجانب الفلسطيني.

الإنتخابات الأولى أجريت لضرورة تكريس قيام السلطة عبر صناديق الإقتراع، ثم التقت رغبة وإرادة رئيس السلطة السابق مع رغبات وارادات اميركا والدول الأوروبية واسرائيل على عدم اجراء انتخابات رئاسية، لحسابات مختلفة، وافترقت هذه الرغبات والإرادات بشأن اجراء انتخابات تشريعية ظل يرفضها عرفات، وظلت تطالب بها الجهات المقابلة.

لهذا، لم يصبح متاحا اجراء انتخابات رئاسية وتشريعة ثانية، إلا بعد وفاة عرفات مسموما، بتواطئ داخلي.

هنا انقبلت مواقف محمود عباس. فالرجل الذي تولى رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية قبيل دفن جثمان الرئيس الراحل، وكانت مواقفه تلتقي مع المطالبين بإجراء انتخابات تشريعية دون انتخابات رئاسية، لذات الأسباب المشار إليها سابقا، قرر بصفته رئيس المرجعية السياسية والقانونية للسلطة (منظمة التحرير) اجراء انتخابات رئاسية دون الإنتخابات التشريعية..!

سببان وقفا وراء هذا الإنقلاب في المواقف:

الأول: ثقة الرئيس الجديد في أن الذين كانوا موالين للرئيس السابق أصبحوا موالين له بشكل تلقائي، على الرغم من كم الفوارق الكبير بين شخصيتي الرجلين، وسياساتهما والتكتيكات التي يستخدمانها، بما في ذلك اعضاء المجلس التشريعي بأغلبيته الفتحاوية في حينه..!

الثاني: الخشية من عدم قدرة حركة "فتح" على الإحتفاظ بأغلبيتها في حالة انتخاب مجلس تشريعي جديد.
للتذكير، قبل عام من وفاة عرفات، وانتخاب عباس، صرح رفيق النتشة عضو المجلس الثوري للحركة، والقائد التاريخي فيها، أنه يتوقع فوز "حماس" في أية انتخابات تشريعية في حالة اجرائها.

لم يكن عباس يرغب في اجراء انتخابات تشريعية، ولذا فقد أجرى فقط انتخابات رئاسية، بالرغم من تبريراته اللاحقة لضرورة اجراء الإنتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، بعد انتهاء ولايته، التي مددها بهذا المبرر الذرائعي لمدة سنة اضافية، على نحو مخالف للقانون الأساسي للسلطة الفلسطينية.

حين أجريت الإنتخابات الرئاسية في كانون ثاني/يناير 2005، كانت ولاية المجلس التشريعي منتهية قبل ذلك بعشرية كاملة من السنين، ومع ذلك لم ير عباس من ضرورة للتزامن في اجراء الإنتخابات الرئاسية والتشريعية، لكنه تذكر ذلك حين انتهت ولايته، قبل انتهاء ولاية المجلس التشريعي، ما دام هو من قرر تأجيل اجراء الإنتخابات التشريعية التي كانت مستحقة يوم أجريت الإنتخابات الرئاسية..!

لكن عباس وجد نفسه مضطرا رغما عنه لإجراء الإنتخابات التشريعية بعد سنة من الإنتخابات الرئاسية، وذلك تحت وطأة الضغط الأميركي والأوروبي اساسا.

الدلالة الجلية على وجود هذا الضغط في حينه، تمثلت في الضغوط الأميركية التي ارغمت اسرائيل على قبول شمول القدس بالإنتخابات التشريعية، حين هدد عباس بإلغاء اجراء الإنتخابات إن رفضت اسرائيل شمول القدس بها..!

من كان عباس يهدد في ذلك الوقت..؟

لقد كان يهدد اميركا.. الجهة التي كانت تضغط لإجراء الإنتخابات التشريعية، ولذا، سارعت اميركا على ارغام اسرائيل على شمول القدس بالإنتخابات التشريعية الفلسطينية.

اميركا، لا عباس، هي التي قررت اجراء الإنتخابات التشريعية سنة 2006.. وهي التي أرغمت عباس على اجرائها.

لقد فعلت اميركا ذلك لسببين رئيسين:

الأول: ضرورة تجديد شرعية المجلس التشريعي كي لا يكون هناك أي مطعن في شرعية مصادقته على حل نهائي للقضية الفلسطينية كانت تأمل في تحقيقه مطلع ولاية جورج بوش الثانية، الذي كان قد أعلن رؤيته للحل الفلسطيني القائم على حل الدولتين.. خاصة وأن الضغوط كانت تتزايد على عباس كي يتم تهميش وتآكل وإلغاء منظمة التحرير الفلسطينية.

الثاني: ضرورة ادماج حركة "حماس" في العملية السياسية، حتى لو كان ذلك عن طريق التصويت بمعارضة اتفاق حل نهائي داخل المجلس التشريعي الفلسطيني.

للتذكير، فقد كانت التقديرات المصرية اساسا في حينه لبناء قناعة اميركية بأن حركة "حماس" مرشحة للحصول فقط على 35 بالمئة من أصوات الناخبين الفلسطينيين.

نخلص مما سبق إلى أن جميع الإنتخابات الفلسطينية السابقة أجريت بهدف تحقيق أهداف سياسية محددة، عنوانها الأبرز توفير الشرعية للتنازلات الناجمة عن الإملاءات الأميركية والإسرائيلية على السلطة الفلسطينية.

الحسابات الأميركية إذا هي التي فرضت أن تكون انتخابات 2006 توافقية، لا ديمقراطية محمود عباس..!
هل تغيرت الحسابات الأميركية الآن حيال الإستحقاق الإنتخابي الفلسطيني..؟!

الشواهد تؤكد عكس ذلك، ولنقرأ:

أولا: لقد كان الهدف الأميركي المعلن للحرب على غزة هو وقف إطلاق الصواريخ على اسرائيل، ووقف المقاومة الفلسطينية. حرب غزة كانت اميركية بامتياز، نفذت بأيد اسرائيلية. وهي حصلت على موافقة باراك اوباما الرئيس المنتخب في حينه.

وقف المقاومة بطبيعة الحال هو خطوة على طريق الإنخراط في العملية السياسية.

ثانيا: الإتصالات التي اجراها جيمي كارتر الرئيس الديمقراطي الأسبق مع خالد مشعل وقادة "حماس" الآخرين في دمشق، وغزة، التي زارها، مسرا، تارة، ومجاهرا تارة أخرى، بأنه يمثل الرئيس الأميركي الجديد، وينقل له مواقف "حماس"، ثم ينقل منه موقفه من "حماس".

ثالثا: خطاب اوباما في جامعة القاهرة الذي غازل فيه العالم الإسلامي. صحيح أن هدف ذلك الخطاب كان تنفيس كراهية المسلمين لأميركا، لكن هدف التنفيس هذا يستدعي اشراك "حماس" في العملية السياسية.

رابعا: ما تهدف إليه جهود الوساطة المصرية لمصالحة حركتي "فتح" و"حماس"، وهو ما يمكن تلخيصه في بندين رئيسين هما ادماج "حماس" في العملية السياسية، كتنظيم معارض من داخل السلطة، واقرارها بسلطة محمود عباس.
هذا تحديدا ما هدفت إليه الورقة المصرية قبل التعديل وبعده.

وهو ذات الهدف الذي كان لأجله العدوان الواسع النطاق على غزة، مردوفا بالحصار المصري المتواصل على القطاع عبر الإصرار على إغلاق معبر رفح.

إذا كان عباس حرّض على شن ذلك العدوان، وفقا للتصريحات الإسرائيلية العلنية التي لم ينفها الرئيس الفلسطيني، فإن إغلاق معبر رفح هو مواصلة للضغوط بوسائل أخرى لتحقيق ذات الأهداف.

هنا مهم قراءة أن الشروط الأميركية للموافقة على تصالح "فتح" و"حماس" لا تتعارض مع الوساطة المصرية لتحقيق هذه المصالحة، ما دام الراعي المصري يعمل على استدراج "حماس" للإنخراط في العملية السياسية، وتفويض عباس بالمفاوضات.

الملاحظة ضرورية هنا، أنه كلما مورست الضغوط على "حماس" لتقديم تنازلات، علت تصريحات قادة "حماس" بهدف وقف هذه الضغوط، بأنهم لم يعودوا يفوضون عباس بالتفاوض مع اسرائيل..!

قادة "حماس" يدركون هذه الحسابات والحقائق، ولهذا أعلن الدكتور موسى أبو مرزوق أن تلويحات عباس بإجراء انتخابات منفردة في الضفة الغربية دون غزة ليس غير محاولة ابتزاز لحركة "حماس".
وهو يضع في ذهنه لا شك:

أولا: عدم قدرة عباس على تجاوز الحسابات الأميركية.

ثانيا: إدراك واشنطن أن تأهيل "حماس" للإنخراط في العملية السياسية، يوفر ظروفا تسمح لها بمواصلة الحرب على تنظيمات السلفية الجهادية.. العنوان الأبرز للحرب الأميركية على الأصولية المتطرفة.

في هذا السياق، يمكن إدراج التصدي الحاسم لإمارة عبد اللطيف موسى. وفي هذا السياق أيضا كان دعم سلطة رام الله لهذه الإمارة الظلامية، الذي تجاوز الإعلام إلى التمويل والتسليح والتحريض، في تمرد خفي على الرغبات الأميركية، التي ترحب بموقف "حماس" من الظلاميين الحقيقيين، ولا ترحب بتوظيف هؤلاء الظلاميين ضد "حماس"، وهو ما تفعله سلطة رام الله..!

اجراء انتخابات منفردة في الضفة دون غزة، وإعلان القطاع اقليما متمردا، لا يملك عباس أن يتصرف حياله دون تصريح اميركي.. وتدرك "حماس" أن واشنطن وهي تعمل على كسب تعاطف المسلمين بمواجهة تنظيمات القاعدة، لا تستطيع أن تحاربها بذات القوة التي تستخدمها بمواجهة السلفية الجهادية، ما دامت واشنطن قررت أن تقنع نفسها بأن الموقف الأميركي من الحل الفلسطيني يمثل عامل التعبئة الأول الذي تستخدمه تنظيمات القاعدة في التحريض على اميركا، وتجنيد المقاتلين لمحاربتها في غير ساحة على امتداد العالم.

غير أنه يبدو أن اوباما أقر فعلة عباس قبيل اعلانها الجمعة، في خطوة تكتيكية ضاغطة على "حماس"، بهدف اقناعها بإعلان قبول شروط الرباعية الدولية، أو قبولها المشاركة في انتخابات توفرت كل الضمانات لتزويرها، واضعة في اعتبارها حرص "حماس" على المصلحة الوطنية الفلسطينية، وصعوبة تخليها عنها، وامكانية تراجع عباس عن قرار الإنتخابات المنفردة، متى تقرر الإدارة الأميركية ذلك..!

أوليست واشنطن هي التي سبق أن قررت عدم امكانية التوصل إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية، طالما بقي الإنقسام بين غزة والضفة..؟! وهي التي قررت حل القضية الفلسطينية على قاعدة الدولتين، باعتباره مدخلا لتهدئة مقاومة سياساتها وقواتها المعتدية في العراق وافغانستان، وللحفاظ على يهودية الدولة العبرية..؟!

يفترض أن هذه الرؤية لا تنسجم مع تلويح عباس بإعلان قطاع غزة اقليما متمردا، إلا في حالة قررت واشنطن أن تتولى قوات عربية (مصرية في المقام الأول) انهاء هذا التمرد، لتتحمل الأطراف التي تشارك في ارتكاب هذه الحماقة مسؤولية تدمير ما تبقى من الأمن القومي، ومظاهر وحدة النظام العربي، وتسهيل فرض أي حل تراه اسرائيل على سلطة عباس..!!

المراهنة تنصب على أن تغلب اميركا مصالحها كدولة أعظم، على مصالح المندفعين نحو تكريس مصالحهم الفردية القائمة على استشراء الفساد في الضفة الغربية، واستعادة سيطرتهم على قطاع غزة، لفرض فسادهم عليه من جديد..!!!

24/10/2009