26/11/2009
ألقت إحدى وكالات الانباء الأجنبية الضوء على ظاهرة ملفتة في العراق المحتل تتصل
بإقبال الشبان العراقيين على ارتياد نوادي “كمال الأجسام”، وفي التفاصيل أن هذه
النوادي تنمو كالفطر في العاصمة العراقية وبخاصة في حي الكرادة، حيث قفز عددها من
30 قبل الاحتلال إلى 300 بعد الاحتلال. ويكشف الراوي عن ميل لدى المرتادين لتأهيل
عضلات الجسم على صورة “ارنولد شوارزينيغير” الممثل الأمريكي الذي “قهر” السوفييت
سينمائياً وصار من بعد حاكما لكاليفورنيا. ويستطرد بوصف ناد يحمل اسم “ارنولد
كلاسيك” وتنتشر على جدرانه عشرات الصور للممثل ذي العضلات الفولاذية أقله على
الشاشة. ويرجح الراوي ان تكون هذه الظاهرة من أثر الفضائيات ووسائل الاتصال الحديثة
التي انتشرت في عاصمة الرشيد كالفطر. ويرى أن الشبان الباحثين عن “جسم مجدول
العضلات” سيلجأون لتحقيق غرضهم إلى تناول المنشطات الكيماوية ك “الهرمونات”
و”الستيروييد”. ويشكو الراوي الأجنبي من خلو العاصمة العراقية من دور السينما
المفتوحة وصالات المسرح من دون أن يتوقف طويلاً عند المآسي اليومية التي تسبب بها
الاحتلال وبخاصة تحطيم الدولة العراقية ومعها كافة الضوابط التي تتيح التصدي
للإرهاب والجريمة وكل أشكال الاعتداء على المجتمع العراقي وممتلكاته الوطنية.
لايدعو وصف الراوي الأجنبي للحال العراقية إلى الدهشة. ذلك بأن الرهان على الاحتلال
الأمريكي لم يكن عسكرياً فحسب، وإنما ينطوي على نشر ثقافة المحتل وبخاصة ملبسه
ومأكله وعاداته وتقاليده وطريقة حياته وإذ تتأخر هذه الثقافة في الانتشار السريع
على هامش الانتشار العسكري فهذا يقلق المحتل ويثير حفيظته، وما التركيز على سحر
“العضلات المجدولة” لشوارزينيغير إلا من باب الوعد بانتشار غيرها من الصور
الأمريكية الساحرة يستبطنها البلد المقهور.
ثمة من يعتقد أن انتشار “ثقافة الحياة” الأمريكية الجذابة ليس مشروطاً بالاحتلال
العسكري، فهي تكاد أن تكون مطلباً لكل الشعوب غير المحتلة عسكرياً في العالم العربي،
وإذا كان “شوارزينيغير” يخلب بعض الألباب في حي الكرادة الأن زملاءه ينتشرون كالفطر
في دنيا العرب، بل ربما يمانع العراقيون حتى اللحظة شطراً واسعاً من نمط الحياة
الأمريكي هو السائد من حولهم قبل الاحتلال بزمن طويل.
ليس هذا الاعتقاد خاطئاً مع الأسف الشديد، فنحن نستبطن منذ زمن طويل ثقافة الغالب
وننسخها بوصفها شرطاً للتقدم، تماماً كما كان الغربيون حتى القرن الثامن عشر يقرأون
كتب الطب العربية بلغتنا ويعتمدونها بوصفها شرطاً للخلاص من التخلف ويترجمون آثارنا
الرائعة مثل ألف ليلة وليلة بوصفها قمة التعبير الأدبي، إلى غير ذلك من عناصر
تقدمنا الآفلة، مع فارق كبير نلمسه على سبيل المثال وليس الحصر في “الرسائل
الفارسية” لمونتسكيو أحد أبرز فلاسفة عصر النهضة الغربية، حيث نلمس تعلقاً بالشرق
الغني بالحكمة وفي الآن معاً نزوعاً واضحاً للتفوق على حكمته بعقلانية أقوى وبتأكيد
للذات الغربية المنبثقة والمبشرة بغلبة مازالت تعبر عن نفسها في حواضرنا بصخب يضج
الأذان ويكبح كل صوت مختلف أو مخالف.
لو كنت مشرفاً على مشروع الاحتلال الأمريكي للعراق لشعرت بالقلق إزاء انتشار صورة
“شوارزينيغير” في حي الكرادة فهي تعني في ما تعنيه أن مشروع الغلبة مازال على السطح
وأن ما وصل منه هو هامش الهوامش، ولأدركت أن العراقي الذي تعلم الفخر والاعتزاز
بالنفس والذي امتلأ حتى الثمالة وعياً بتاريخ بلاده وحضارتها التي سطعت طويلاً في
سماء الغرب، هذا العراقي يدرك أقله في لاوعيه أنه على مقربة من حي الكرادة كان “درب
العون” و”درب الوفا” في قرون مضت يحدد للعالم ما ينبغي ولا ينبغي اعتماده في
الاقتصاد والتجارة، وبالتالي من الصعب بلفه بصور عابرة مع احتلال يرونه عابراً.
alkhalej