نحيبٌ بعده الطّوفان

خيري منصور

25/11/2009

شكراً لمن فتح ملف النّحيب وليس البكاء فقط عندما قال إن عبدالناصر وبن بيلا يَنْتحبان على ما يجري في أعقاب المباراة التي خسر فيها الجميع في الخرطوم، فلا قيمة بعدها لكأس العالم أو لأي كأس غير هذا المرّ الذي نستشعره في عمق القلب، ولو شئنا فتح هذا الملف حتى آخر صفحاته لتذكرنا على الفور ما قاله شاعر عربي وُصِف بالمبالغة عندما قال “ولولا ملوحة ماء البكاء.. حَسِبْتُ دموعي أَنهارها!”.

كُلّهم ينتحبون، وما من منديل أو همسة حانية تُخفف من أحزانهم وهم ينادمون جذور الزيتون المر والنخيل المالح المنقح في دموعه والصفصاف الذي أصبح حفيفه بالعربية فقط ولا يقبل الترجمة لأي من اللغات.

الأيوبي ينتحب لدى سماعه عن ألف مستوطنة هي أنياب وحشٍ صهيوني تنغرز في لحم القدس وابن الوليد وابن أبي وقاص وابن العاص وسائر الأبناء ينتحبون ويتقلبون في قبورهم بانتظار قيامة لعلها وشيكة، ومثلما بكى الآباء على الأبناء فإن هؤلاء أيضاً يبكون على أحفاد الأحفاد في هذه المتوالية الحِدادية، التي صبغت الغَسَق العربي بلون الدم، وأطلقت أسراب البوم كي تَنْعب على الطريقة “الهجيلية” معلنة غروباً قد يطول.

من هو الذي لا يبكي في قبره الآن؟ المعتصم وهو يسأل ما تبقى من رميم أبي تمام عند أطلال عمورية، أم الصحابي الذي نبت له جناحان بعد أن فقد ذراعيه وهو يذود بهما عن هواء مشبع بالأصداء الرسولية؟ فلماذا يا صاحبي تفتح هذا الملف الآن؟ والجغرافيا بدت كأرملة ودّعت للتو تاريخاً أضاء عتمة الكون، واحترق كي ينقذ أبناءه من النار ذات اللهب التي امتدت على كل هذا الهشيم.

إن هؤلاء يبكون لأنهم عاجزون عن القيام قبل أوانه كي يُصدعوا هذا الصمت بصهيلهم قبل صهيل خيولهم، فالعين بصيرة بحيث تتخطى زرقاء اليمامة وكل زرقاوات العالم لكن اليد مكبّلة، بانتظار اللحظة التي تأتي ولا تأتي كي تلتئم الأصابع المبتورة في قبضة تُزحزح هذا الباب العملاق، وتهز أقفاله التي عششت الغربان في الصدأ المتراكم عليها.

فالأحفاد عُزّل في عالم نووي يهددهم بأن يتحوّلوا إلى رهينة، والورثة لم يستحقوا بعد صفة الأَبْناء لأنهم اقتسموا الميراث كله باستثناء السيوف والبنادق وحتى العصيّ، وقالوا لأصغرهم، اذهب أنت وربك وقاتلا ثم قعدوا أو تقاعدوا بانتظار سماء صاحية ومشمسة يتأملون أقدامهم تَحْتَها! ويشهر كل هابيل منهم ما ادخر من الكراهية في وجه قابيل أو لطعنه في الظهر إن أمكن.

أحياناً يصاب العقل بِجَلْطةٍ أو سَكْتَةٍ فكرية وينوب عنه القلب كي يبوح ويجهر ولو بالدموع بما لم يجرؤ العقل على الجهر به.

لقد صمت الشعراء رغم أن موسم غبار الطلع أزف موعده، وكأن البراعم انفرطت في مهب الأعاصير ولم تنعقد ثمراً.

وهذا الإجهاض لم يسلم منه شيء، فقد شمل نهضة كانت تطرق الأبواب بقبضات مدماة قبل قرن ونصف، مثلما شملت ثورات وأحلاماً وأجنة في الأرحام، سواء كانت أجنة من لحم ودم أو من أفكار ورؤى.

إن حفلة النحيب تلك ليست خاتمة المطاف، فهي استراحة قلب فاض بما تدفق إليه من الأسى، لكن التاريخ يدخل أحياناً إلى فصل درامي تختلط فيه الأوراق والأدوار، فالآباء الراحلون ينتحبون على الأبناء الأحياء والأبناء أخوة أعداء، لا تتسع لهم قارتان وإن اتسعت لهم ذات يوم صحراء أخصب رملها حتى جبال الألب وغرناطة الأبد.

هي نوبة نحيب قد يعقبها الطوفان

alkhaleej