مؤتمر اللأحزاب العربية.. ظروف مؤاتية للحوار والمراجعة
معن
بشور
تكتسب الدورة الخامسة للمؤتمر العام للأحزاب العربية التي تنعقد في دمشق أيام 11 و
12 و 13 تشرين الثاني/نوفمبر2009، بمشاركة ممثلي أكثر من 100 حزب عربي من أقصى
المشرق إلى أقصى المغرب أهميتها من جملة اعتبارات بعضها متصل بالمؤتمر ذاته، خصوصاً
أن هذا المؤتمر كان رافعة رئيسية للحركة الشعبية العربية في السنوات الأخيرة، سواء
في دوره المناهض للحصار والعدوان والاحتلال في العراق، أو في دعم المقاومة في
فلسطين ولبنان، أو في التضامن مع سوريا في اللحظات الصعبة، أو في الانتصار للقدس
وغزة، أو في مقاومة التطبيع.
اما البعض الآخر من هذه الاعتبارات فمتصل بظروف انعقاد هذه الدورة.
أولاً: لقد اختارت الأمانة العامة للمؤتمر لدورته الحالية شعاراً هو "القرار العربي
المستقل" بكل ما ينطوي عليه هذا الشعار من دلالات سواء فيما يتعلق باستقلالية
الإرادة العربية عن كل الاملاءات الأجنبية المتحكمة حتى الآن بهذه الإرادة، أو
بدوائر عدة تتصل بصنع القرار العربي، كما يتعلق بتجاوز شعارات تضليلية ركزت على
استقلالية القرار القطري كغطاء للانفراد بقرارات مصيرية دون الأخذ بعين الاعتبار
المصلحة القومية المشتركة لأقطار الأمة، وهي استقلالية تحول معها القرار القطري إلى
قرار فئوي أو عرقي أو طائفي أو مذهبي.
وأهمية شعار "القرار العربي المستقل" ليست في سلامته النظرية والقومية فحسب، بل في
أنه يأتي أيضاً في ظروف انكشفت فيها عبثية المراهنة على الإذعان للإملاءات الخارجية
من جهة، كما في ظروف اتضح فيها للجميع أن مآل القرارات القطرية المستقلة خارج
التكامل القومي يصب في إضعاف الأقطار كما يصب في إضعاف الأمة كلها.
كما إن أهمية هذا الشعار تكمن أيضاً في حال تطبيقه أنه يطلق كل الطاقات العربية
الضخمة، في كل مجال، وعلى كل مستوى، لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها أمتنا من
الخارج والداخل على حد سواء.
ثانياً: إن استمرار تجربة المؤتمر العام للأحزاب العربية، الذي يضم أحزاباً بعضها
في الحكم وبعضها في المعارضة، بل أحزاباً تحمل خلفيات عقائدية وفكرية متعددة، وعلى
مدى 14 عاماً، منذ تأسيسه في الأردن على يد الشخصية الأردنية العربية البارزة
المغفور له سليمان عرار، هو شهادة باتجاهين في آن:
1. إن هناك وعياً متصاعداً لدى مختلف مكونات الأمة وتياراتها وأحزابها وشخصياتها
بضرورة التواصل والتفاعل والتكامل فيما بينها، عبر التركيز على المشتركات والانطلاق
منها لمعالجة نقاط الاختلاف، بما يخرج حياتنا السياسية والفكرية من حال التناحر
والتناقض والإقصاء المتبادل، وقد دفعنا ثمناً غالياً لهيمنتها على العلاقات
السياسية في بلادنا على مدى عقود.
2. إن هناك إدارة حكيمة وناضجة لهذا التنوع، تمثلت بشكل خاص بأمين عام المؤتمر منذ
تأسيسه الأستاذ عبد العزيز السيد، وهي إدارة لم تنجح في ضمان استمرار هذه التجربة
الفريدة الجامعة بعد غياب مؤسسه، بل في تعميم ثقافة القبول بالرأي الآخر، والفكر
الآخر، والحزب الآخر، وتنظيم الاختلاف والتباين، وهي ثقافة حملتها أيضاً مؤتمرات
شقيقة للمؤتمر العام للأحزاب العربية، كالمؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي –
الإسلامي، وملتقى الحوار الثوري الديمقراطي وصولاً إلى ملتقيات عربية ودولية كملتقى
القدس في اسطنبول (2007)، وملتقى حق العودة في دمشق (2008)، وملتقى نصرة السودان في
الخرطوم (2009)، وملتقى الجولان العربي الدولي في القنيطرة (2009)، وكلها كان
للمؤتمر العام للأحزاب العربية بأمانته العامة عموماً، وبشخص أمينه العام أبي إيهاب،
ودعم الدكتور صفوان قدسي (رئيس المؤتمر الحالي)، والدكتور أسحق الفرحان (الرئيس
السابق) خصوصاً، بصمات واضحة في هذه التجارب الوحدوية الجامعة.
ثالثاً: إن هذه الدورة تنعقد في وقت تتبدد فيه سلبيات، نظرية وعملية، أحاطت
بالتجربة الحزبية العربية فساهمت في شلّ فعاليتها ومحاصرة قدراتها.
فلقد تراجع ذلك التضليل الديماغوجي المعادي للحزبية الذي امتدّ لعقود محملاً
الأحزاب مسؤولية كل ما حلّ بالأمة من ويلات ونكبات، مستغلاً أخطاء وانحرافات وقعت
بها بعض الأحزاب ليضرب الفكرة الحزبية نفسها، وبالتالي ليحرم الشعب بكل فئاته
وطبقاته من آليات تنظيم نضاله وكفاحه، فتبقى الساحة فارغة أمام قوى الاحتكار
والاستعمار والاستغلال والاستبداد.
كذلك تراجع بالمقابل الترويج لفكرة الحزب الواحد، خصوصاً بعد سقوط المعسكر الشيوعي،
وهي فكرة طالما استخدمت من قبل أعداء الحزبية كما أعداء الأمة، من أجل ضرب فكرة
الحزبية، التي هي أرقى أشكال الممارسة الديمقراطية عبر تصورها بان الحزبية مرادفة
للاستبداد وإقصاء اللآخر.
رابعاً: إن هذه الدورة تنعقد في ظروف تتصاعد فيها الدعوة إلى أمرين بالغي الأهمية:
أولهما: إعطاء الأولوية للحوار في معالجة كل الخلافات الدائرة على مستوى الأمة،
سواء بين الأحزاب أو بين الأقطار، أو داخل الحزب وداخل الأقطار، فالحوار هو السد
المنيع بوجه كل الفتن والحروب على مستوى المجتمعات، والضمانة بعدم تحوّل الخلاف
داخل الحزب إلى سبب للانشقاقات التشرذم.
ثانيهما: الدعوة المتصاعدة للمراجعة الجريئة العميقة الشاملة لكل الأفكار والتجارب
والعلاقات الحزبية والسياسية، لتحديد ما اعتروها من شوائب وسلبيات لمعالجتها
وتجاوزها من جهة، وتحديد ما واكبها من إيجابيات ونقاط مضيئة لتطويرها وتحصينها من
جهة أخرى.
لا شك أن للدورة الحالية للمؤتمر العام للأحزاب العربية دلالات عديدة أخرى، وعليها
مهمات عاجلة تتعلق بالتصدي للمخاطر والتحديات الراهنة، وآخرى مهمات متوسطة وبعيدة
المدى، هدفها الإرتقاء بادائنا الحزبي والسياسي إلى المستوى اللائق بأمتنا.
ومن المهمات التي تنتظر المؤتمر العام للأحزاب العربية، خصوصاً في ظل التحولات
المتسارعة في علاقة الرأي العام العالمي بقضايانا، هو أن يكون نواة لمؤتمر عالمي
لكل الحركات والأحزاب المناهضة للعنصرية الصهيونية والهيمنة الاستعمارية على مستوى
العالم، فتتكامل حركة الدوائر الوطنية والعربية والإسلامية والعالمية في معركة
الحرية والعدالة على المستوى الإنساني.
06/11/2009