عشرون عاماً على سقوط جدار برلين ...العـــالـــم تغيــــر.... لــــم يتغيـــــر!

نزار سلّوم

2009-11-13


في ليلة 12– 13 آب من عام 1961 قامت حكومة ألمانيا الشرقية ببناء جدار برلين بطول 45 كم، وذلك لمنع (هروب الألمان الشرقيين إلى الغرب) حسب الحيثيات المبررة لتشييد هذا الجدار، وفي ليلة 9– 10 تشرين الثاني من عام 1989 تم إسقاط هذا الجدار، وذلك بأيدي الألمان الشرقيين والغربيين معاً. حينها قيل إن (العالم القديم) المكوّن إثر الحرب العالمية الثانية انتهى، وبدأ زمن العالم الجديد!

على أن التقوّل بتغيير العالم لم يتوقف عند حدود الخرائط الجيو– سياسية، بل تعداها نحو النصوص المرجعية التي تستند إليها الدول في صياغة أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهكذا بدت اللحظة التي سقط فيها جدار برلين، بالنسبة لـ(إيديولوجي أميركي) هو فرنسيس فوكوياما بمثابة الخاتمة التي توقف التاريخ عندها، وكان يقصد من ذلك، أنها اللحظة التي أكدت السقوط النهائي للايديولوجيا الماركسية، مقابل الانتصار النهائي و(الأبدي!) للرأسمالية!


كان صوت سقوط حجارة جدار برلين مدويّاً، وكان الاحتفاء بمقولة فوكوياما صاخباً، فبدا (العالم الجديد) الذي تم التبشير بقدومه (غير متوازن) في أولى خطواته نحو تثبيت خريطته وأركانه، وبالأخص أخلاقياته!


ألمانياً، لم يكن تعمير جدار برلين متزامناً مع انقسام ألمانيا الذي تم في وقت مبكر، أي في عام 1949، فهو لم يضف إلى ذلك الانقسام الرسمي المكرّس من قبل الكتلتين الرئيسيتين اللتين ستشكلان (العالم القديم) المرؤوستين من كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي، لم يضف سوى ذلك التعبير الذي يعني أن الانقسام لم تعد حدوده (رمزية) بل مادية محسوسة وقادرة على الحجب المتبادل بين الألمانيتين اللتين لم يمنع انقسامهما ووقوعهما تحت الهيمنة السياسية والإستراتيجية لزعيمتي (العالم القديم) من إعادة (تشحيم) الآلة الألمانية التي كرّست جهدها كله، هذه المرة، في المجال الاقتصادي والذي تشير مؤشراته دائماً إلى تبوئها الأولوية الأوروبية دون منازع، وعالمياً وراهناً بعد اليابان والولايات المتحدة الأميركية.


على أن (الجدار البرليني) سيشكل أحد الجروح التاريخية في الشخصية الألمانية، ولن يكون اندماله سهلاً وسريعاً، رغم (التضحيات) الكبيرة التي بذلتها الحكومة والمجتمع والتي قيل فيها عندما عادت الوحدة الألمانية إن ألمانيا وبالأموال المخصصة لهذه الوحدة وبرامجها تبدو كأنها (تشتري نفسها)!


عالمياً، كان سقوط جدار برلين بمثابة الستارة التي تم إسدالها على النظام القطبي – الثنائي، وانفتح الستار مجدداً على مشهد (العالم الجديد) الذي رغم قيادته الأحادية القطبية المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية. من حينها، أي منذ عقدين، بدا النظام الجديد هذا غير قادر على ضبط إيقاع الخريطة السياسية العالمية، كما بدا مسؤولاً عن سلسلة الانهيارات والمآسي الكبرى الناتجة عن حروبه العسكرية وخياراته الصناعية التي تهدد التوازن البيئي الطبيعي، ونظامه السياسي والأخلاقي القائم على مبدأ (ضرورة وجود العدو)، والذي يقتضي في حال عدم وجوده العمل على إنتاجه!


في خلال عشرين عاماً، شنت الولايات المتحدة أولى حروبها على العراق في عام 1991 وثاني حروبها في عام 2003 والتي لا تزال مستمرة إلى الآن رغم قرار الانسحاب الذي من المقرر أن يستكمل خلال عامين، كما شنت حربها المستمرة والمتجددة على أفغانستان منذ عام 2001، والتي بدأت عملياتها الآن تذكر بأحد فصول خواتيم الوجود السوفييتي في أفغانستان! وتتعثر الإدارة الأميركية الآن في وضع صياغة موثوقة لإستراتيجية جديدة لها في بلاد وصفت دائماً بأنها (مقبرة الإمبراطوريات).


وقد وصلت الأحادية القطبية إلى أسوأ درجات أدائها في حقبة (المحافظين الجدد) الذين تبؤوا سلطة البيت الأبيض لمدة ثماني سنوات متواصلة (2000 – 2008). وفي عهدهم وقعت أحداث 11 أيلول التي ستكون ذريعتهم المطلقة لشن الحروب، كما لإنتاج الأعداء. على أن الحساب الخفي، ولكنه المعروف، يشير دائماً إلى حقول النفط والغاز التي تهيمن على أكثريتها الولايات المتحدة في مختلف مناطق العالم.


على أن (المحافظين الجدد) دفعوا (إسرائيل) مجدداً لشنّ عدوان مفتوح على لبنان عام 2006، أدى إلى انتصار متجدد للمقاومة، وإلى فتح الآفاق أمام جولة عسكرية أخرى مرتقبة تعدّ لها إسرائيل على نحو واضح ويكاد يكون معلناً! بينما تحوّلت المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى (مهنة دائمة) أدت إلى إنتاج شروخ في الجسد الفلسطيني ولم توقف أي برنامج مقرر من الحكومة الإسرائيلية التي تواصل تنفيذ مخططاتها الاستيطانية على نحو متسارع.


في الناحية المقابلة تفكك الاتحاد السوفييتي، وعادت دوله إلى قومياتها المستقلة وتنازعاتها الدائمة، بينما التحق بعضها تماماً بحلف شمال الأطلسي، كما دول حلف وارسو، وانضوت تحت لواء القطب الأوحد. وأوروبا القديمة تحاول عبر (الاتحاد الأوروبي) الابتعاد (مسافة ما) عن الولايات المتحدة وإن كانت تستسلم لقراراتها الحاسمة في نهاية الأمر (العراق – أفغانستان).


اقتصادياً ومالياً، وبمقابل تقدم الظاهرة الصينية نحو الأمام دائماً، ما يثير الرعب في الولايات المتحدة، شهدت هذه الأخيرة أسوأ انهياراتها المالية والاقتصادية منذ أزمة 1929، ما جعل (الحلم الأميركي) المتشاوف بقدراته، ممرّغاً بعوامل الأزمة وفضائحها وتداعياتها، والتي في ظلّها تم انتخاب (باراك أوباما) أول رئيس (ملّون) للولايات المتحدة الأميركية في التاريخ. ومن باب الانهيار هذا، المصاحب دائماً للحروب العسكرية المفتوحة في العراق وأفغانستان، إضافة للحرب الإسرائيلية المفتوحة على فلسطين ولبنان وسورية، يبدو النظام الرأسمالي في أسوأ أداء له، ليس على المستوى الأخلاقي وحسب، بل في جوهر آلياته وطبيعته ما يعني مجدداً أنه– على خلاف الإيديولوجي المنتشي بنفسه سابقاً والخائب راهناً فوكوياما - وبدل من أن يجتاز جدار برلين كرابح للسباق مع النظام السوفييتي (الشيوعي) بدا النظام الرأسمالي متعثراً بحجارته، وإن بدا وحيداً على منصّة التاريخ!


كان جدار برلين علامة واضحة يمكن من خلالها رؤية (العالم القديم)، وقد تحطم بليلة واحدة ليكشف عن (عالم جديد) محكوم من أحادية شرسة مافتئت تشيد الجدران المتلاحقة في رأسها أولاً ورأس غيرها ثانياً!