يحاول الصديق قاسم عز الدين أن يوجه النقد لقوى اليسار انطلاقاً من موقفها من حزب
الله في مقال له نشر في جريدة «السفير» (12/11/2009)، وإن كان يعمم التسمية على
مجمل المقاومة، كما يعمم النقد على مجمل اليسار. وهو يعزو نقد اليسار للحزب إلى
الموقف العلماني لديه، وبالتالي عدم تفهمه للطابع الديني للمقاومة.
ففي مقاله (المشكلة ليست في الحائط ... بل في الرأس، العلمانية الدينية ومأزق صلة
اليسار بالمقاومة الإسلامية) يعتقد بأن «مقاربة علمانية دينية ظلت سائدة في أوساط
اليسار»، وهي التي قادت إلى «تأويل مفتعل لخلاف مع المقاومة بسبب معتقداتها
الإسلامية». وربما كان التعميم في الحديث عن اليسار خاطئ هنا لأن المقاربات مختلفة
في الموقف من «المقاومة الإسلامية»، لكن يبدو أن المقصود هنا هو الحزب الشيوعي
اللبناني الذي بات يشير إلى «طرفي السلطة الطائفية».
ما يهمني هنا هو تناول هذه المسألة التي باتت تعاني من التباسات، حيث سنلمس بأن أول
إشكالية تواجهنا، هي هذا الدمج بين المقاومة وحزب الله (أو المقاومة الإسلامية).
وهذا الدمج يفرض أن يصبح الموقف من أي منهما هو موقف من الآخر. بمعنى أن حزب الله
يصبح هو المقاومة، ونقده يعني نقد المقاومة، الأمر الذي يفرض أن تكون مع أو ضد من
دون مقدرة على فهم موضوعي للمسألة. فالمقاومة هي شكل ممارسة الصراع ضد الاحتلال،
وبالتالي هناك تنظيم ما يمارس هذا الشكل، والتنظيم هو ليس فقط المقاومة هذه، بل هو
البشر الذين ينحكمون لأيديولوجية ومصالح، وإذا كانوا يمارسون المقاومة فمن أجل هدف.
من هذا المنطلق أحاول كيساري أن أدرس طبيعة حزب الله (وكل المقاومات الإسلامية)، من
حيث الأيديولوجية والمصالح الطــبقية. لهذا سنلمس الطابع الطائفي للحزب، وبالــتالي
الأيديولوجية التي تشكل تراث هذه الطائفة، وتمظــهرها في الصيغة التي طرحتــها
ولاية الفــقيه. وبالتالي حصر البنية التنظــيمية في الانتـماء الأيديولوجي هذا،
وتشكيل مصالح خاصــة به. وهنا، ومهما كان هذا الإطار الأيــديولوجي «مســالماً» في
النظر للطوائف الأخرى، لا بد من أن يثير التاريخ والتناقضات، أو على الأقل
التمــايزات والشـقوق. وهـذا أمـر موضـوعي لـه علاقة بالتــاريخ والــوعي
المــوروث.
ثم إن كل الأمور المطروحة الآن في مواجهة حزب الله لم تكن مطروحة من قبل اليسار قبل
سنة 2000، وحتى 2004 ربما، حيث كانت المقاومة هي الممارسة الأساس للحزب، وكانت
مؤيدة من قبل هذا اليسار. لكن اختلف الأمر بعد أن بات الحزب يشارك في السلطة، ولديه
أجندة داخلية، وهو الأمر الذي فرض تناول البرنامج الاقتصادي للحزب. وهنا كانت
سياسته تقوم على دعم البرنامج الليبرالي للحريري الأب، وفي الحكومات التي شارك
فيها. وهذا ليس مستغرباً على حزب يتبنى أيديولوجية شيعية تلتزم ولاية الفقيه، لأن
السياسة الاقتصادية التي تمارس في إيران هي سياسة ليبرالية بامتياز، وهي ككل
الليبراليات التي نعرفها في الوطن العربي. وهذا أمر طبيعي لأن تلك الأيديولوجية
تنطلق من التحرر الاقتصادي.
هذه مسائل هي جزء من تكوين الحزب، ولا نقولها من موقع الإدانة، فهو حق وتعبير عن
مصالح طبقية لفئات اجتماعية، وبالتالي لا ينتقص من الدور المقاوم للحزب. وما دامت
المقاومة مستمرة فمن الضروري أن تكون أساس العلاقة تنسيق نشاط المقاومة. لكن حين
يصبح النشاط هو الصراع في إطار الدولة اللبنانية، ومن أجل خيارات مختلفة، لا يعود
التوافق على المقاومة هو محدِّد العلاقة، لأننا هنا إزاء تناقضات طبقية، وخيارات
طبقية، لا يلغيها التوافق على المقاومة ضد الاحتلال. وهذا أمر «طبيعي» كذلك، حيث أن
القوى المتوافقة على المقاومة هي مختلفة حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وحول
طبيعة السلطة.
إن عقلاً أحادياً (يتبع المنطق الصوري) هو وحــده الذي يــقرر أن التوافـق على
المقـاومة يفرض التوافــق الكامل، أو التـزام خــيار المقاومة وتجاهل كل القضايا
الأخرى لأن خلافاً يقوم حــولها. ولهذا أشرت إلى ذاك الدمج بين المقاومــة وحـزب
الله، لأن الدمـج يفــرض تـجاهل كل القضايا الأخرى من أجل «التركيز» على المقاومة.
رغم أن الواقع لا يحتمل التجاهل، ولأن مسألة الصراعات لا تختصر في طرفين، كل منهما
متماثل، بل أن التناقض الرئيسي يفرض التوافق على النقــطة الرئيسية، مع بقاء كل
القضايا الأخرى مجال خلاف لاختلاف المصالح الطبقية حولها.
لهذا فإن التوافق على المقاومة لا يلغي الخلاف حول البرنامج الاقتصادي، والطبيعة
الطائفية، اللذين يتوافقان مع رؤى الطبـقة البرجوازية في فرض مصالح هذه الطبقة
وتكريس نظام طائفي يقوم على المحاصصة.
هنا من الحتمي أن يكون اليسار في تناقض مع هذه البنية، خصوصاً أن الطابع الطائفي
للدولة هو الذي يعيد إنتاج السيـطرة الطبقية للبرجوازية. ولهذا بدت الصراعات في
السلطة خلال الفترة الماضية على أنها خلافات بين شرائح البرجوازية من كل الطوائف من
أجل الاستحواذ بحصة أكبر.
ربما ليس حزب الله في هذا الوارد، حيث ليس دائماً يكون الوعي الطبقي واضحاً، خصوصاً
لدى الفئات الوسطى، لكن جوهر برنامجه وتكوينه وسياساته الداخلية تصبّ في هذا
المساق. وأعتقد بأن قطاعاً كبيراً من الحزب ليس في هذا الوارد، لكن ـ في النهاية ـ
ليست النيات هي ما يتحقق في الواقع.
طبعاً يبرر الصديق قاسم مشاركة حزب الله في الحكومة بأنه من أجل «عرقلة ما يمكن
عرقلته من زحف السلطة»، لكن هذه المشاركة تسهل تنفيذ السياسة الليبرالية التي هي
جوهر «عجلة الزحف النيوليبرالي»، كما أنها تنطلق من المحاصصة الطائفية ذاتها، التي
تكرس الطبقة البرجوازية ذاتها، وتكرس طائفية النظام السياسي. وهنا تؤدي في الواقع
إلى عكس ما تهدف إليه، فقد صدت المقاومة الزحف الصهيوني لكنها لم تصد، وليست في
وارد أن تصد الزحف الليبرالي، وما تريده هو إفشال المؤامرات على المقاومة ذاتها.
لكن ماذا يفيد إذا رددنا الزحف على الحدود، ولكنه تغلغل في العمق عبر الزحف
النيوليبرالي؟ وهو الأمر الذي يضع المقاومة ذاتها في بيئة هشة، وقابلة للتفجر. فقد
أسهم الطابع الطائفي للحزب في تعميق التأزم الطائفي، ليس لأنه يريد بل لأن تشكله
«ككتلة» تمثل طائفة سيقود إلى تشكلات مقابلة بالضرورة، وأي ممارسة سوف تسمح بأن
تستغل من أجل ذلك، كما حدث في 7/5/2008.
هذا ما يجب أن يكون اليسار على وعي به، حيث أن النظر الأحادي يفرض التركيز على
مسألة وتجاهل كلية الوضع، وبالتالي تصبح مهمة «اليساري» أن يدعم «المقاومة» وأن
«يلتف خلفها»، وليس كشف كل «نقاط الضعف» وفهم صيرورة تطورها، وبالتالي العمل على أن
يطور دوره المقاوم بالمعنى الوطني كما بالمعنى الطبقي. فقد قيل ما يقال الآن عن حزب
الله وعلى «المقاومة الفلسطينية»، وخصوصاً على حركة فتح، لكن وصلنا إلى أوسلو،
والكارثة التي نعيشها. إن التعلق العمومي بالمقاومة هو الذي قاد إلى ذلك، وهو الذي
سيقود إلى نتائج مماثلة.
ولقد قيل أيضاً ما يقوله الصديق قاسم عن «المقاومة الإسلامية» من أنها نتاج بيئتها
و«مضطرة للاحتماء بثقافة بيئتها المحلية حفاظاً على استمرارية وجودها»، من خلال
الإشارة إلى البيئة. وربما فرضت الظروف هذه الصيغة لأسباب عديدة، لكن هل يجب على
اليسار أن يبرر هذا الشكل لأن الظرف الموضوعي قد فرضه، أم يجب عليه أن يبحث في
مشكلة هذا الشكل وهو يخوض المقاومة؟
إن الحفر في تكوين القوى التي تمارس المقاومة هو أمر حتمي من زاوية فهم صيرورتها،
ومعرفة حدودها، ولتطوير ممكناتها. وإلا سادت العفوية، وسيطر الميل التبعي، وبالتالي
ماتت النزعة النقدية الضرورية في كل عمل.
ربما كانت هناك مشكلات كثيرة يعاني منها اليسار، وهو يعيش أزمة عميقة، لكن سنلمس
بأن أحد أسباب أزماته هو هذه النظرة التي لا زال الصديق قاسم يتمسك بها، لا أقصد
طبعاً دعم المقاومة بل أقصد الانسياق إلى الدعم المطلق، ورفض كل نقد، وتبرير كل
سياسة. فقدسية المقاومة لا يجب أن تحجب كل المشكلات التي تعيشها القوى التي تمارس
المقاومة.
لهذا أقول بأن «المشكلة ليست في الحائط... بل في الرأس».
"السفير"
23/11/2009
* كاتب عربي
----------------------------------------------------------------------------------------------------------
مقالة قاسم عز الدين
المشكلة ليست في الحائط.. بل في الرأس العلمانية الدينية ومأزق صلة اليسار بالمقاومة الإسلامية
قاسم عز الدين
12/11/2009
يعلق المتدينون بدين العلمانية من اليسار في عقدة الصلة بالمقاومة الإسلامية في
فلسطين ولبنان، دون حرج من تأييدها في العراق، حيث تغطي تعددية المقاومة الحرج.
يعلقون في عقدة قراءة حركة مقاومة ناجحة في الحرب من أجل الحقوق الوطنية من جهة،
لكنها تشارك، على قولهم، في سلطة طائفية ونظام سياسي رجعي من جهة أخرى. وهو أمر
يدعو برأيهم إلى تحفّظ العلمانيين على المقاومة في ما يسمونه «طرفي السلطة
الطائفية». لكن قراءة الصلة بالمقاومة الإسلامية على هذا النحو مصطَنَعَة من
أساسها، تنم عن تأويل مفتَعَل لخلاف مع المقاومة بسبب معتقداتها الإسلامية، أكثر
مما تبوح القراءة حول دور المقاومة في التناقضات الاجتماعية والسياسية.
ولا ريب في أن عقدة النجار هذه، محمولة من مقاربة علمانية دينية ظلت سائدة في أوساط
أحزاب اليسار في العالم (عدا مجموعات مناهضة الامبريالية من بقايا الماويين وبعض
التروتسكيين) منذ الثورة الإيرانية حتى انتصار المقاومة في لبنان عام 2006.
في تلك الفترة كان قد غاب عن بال اليسار الانشقاق التاريخي عن «الجبهة الشعبية» في
فرنسا حول استقلال الجزائر. ونسي اليسار تطوّع «حمّالو الحقائب» في دعم المقاومة
المسلّحة التي كانت وقتها مقاومة إسلامية، (وكما عرّفها عدوها أيضاً ووصمها
بالتخلّف والإرهاب) دون أن تتناول المسألة الاجتماعية من قريب أو بعيد. بعدها
اضمحلّت، أو كادت، تقاليد اليسار في دعم «المقاومة العادلة» التي تستمد وجوب الدعم
من عدالة قضيتها وحق المقاومة بذاته دون شروط إضافية، ثقافية كانت أم اجتماعية
وسياسية.
وقد كانت المقاومة العادلة، في المنظور اليساري على الأقل، تعبيراً عن رد فعل
اجتماعي وسياسي أرقى من عدوها، حتى إن لم تعبّر أدبياتها عن مشروع تحرري وبرنامج
سياسي مكتوب. لكن اليسار تأثّر طوال المرحلة التالية بالثقافة السياسية السائدة
(الليبرالية أولاً ثم النيوليبرالية) ثم استغنى عن المنظور الاجتماعي والسياسي في
قراءة التناقضات، فباتت العلمانية الثقافية قيمة القيَم التي تحدّد مضمون القراءة
وأبعادها. وأصبحت جملة من الطواطم والطقوس المجرّدة، ولم تعد آليات وضعية زمنية في
مسار بناء نظام على نسق جمهورية الثورة الفرنسية، الأكثر تعصباً للعلمانية دون أن
تأخذها في شعارها (حرية، مساواة، مؤاخاة). فلم تعد العلمانية خلاصة بناء دولة
الحقوق الوطنية وحقوق الفئات الاجتماعية المتباينة (الدولة الحيادية تجاه الجماعات
الدينية والثقافية) بل أصبحت وصفة دينية ومدخلاً لحل المشكلات الاجتماعية
والسياسية. وبات من بداهة «الثقافة» السائدة، أن حبيبات من ترياق الطقوس العلمانية
تشفي من كل الأمراض الاجتماعية والسياسية في كل الأحوال والظروف،على اعتبار أن
الثقافة العلمانية هي التي صنعت الدولة الحديثة وليست الثورة الصناعية التي قلبت
النُظم السياسية والعلاقات الاجتماعية، وأن مثقفي الأنوار الذين كتبوا العلمانية في
أدبيات النظام الصناعي، هم من صنع التاريخ العصري وليس النظام الاجتماعي ـ السياسي
والقوى المنتِجَة.
بيد أن الواقع الاجتماعي والسياسي أصلب من حصره في قمقم الإيديولوجيا مهما علا
شأنها. وقد أوقف انتصار المقاومة في لبنان (فضلاً عن المقاومة في العراق وفلسطين
وأفغانستان) عجلة الزحف النيوليبرالي في الشرق الأوسط والعالم. فالثور المعولم
الهائج كسر قرنه في لبنان وشعر مَن يريد أن يشعر من اليسار في هذا الزلزال، كل في
بلاده وقطاع عمله. والتقط يسار أميركا الجنوبية جرعة الأمل التي جاءته من لبنان
والشرق الأوسط، وخضّ بدوره اليسار الأوروبي تحديداً، على قول هوغو شافيز «إذا سحقت
الامبراطورية النيوليبرالية المقاومة في الشرق الأوسط، لن تصمد أميركا الجنوبية
وأوروبا ساعة بعدها».
ومنذ 2006 انقسم اليسار السياسي بين يسار علماني ديني (ليبرالي) ويسار علماني
اجتماعي زمني. ولم تعد مسألة دعم المقاومة الإسلامية مطروحة للنقاش بين قوى اليسار
الاجتماعي الزمني، بل بناء التشابك في تكامل المقاومات هو المدرج في حراك هذا
اليسار. ثم خطا البحث والتفكير في المنتديات الاجتماعية العالمية خطوة في اتجاه
بناء الآليات العملية في منتدى بيروت (قوى وازنة من 58 بلداً) بداية 2009 ، على أن
تكون القفزة التالية في منتدى بيروت في أواخر 2010.
في السياق يظن اليسار في لبنان (واليسار العربي عموماً) أن طائفية المقاومة تحول
دون إصلاح النظام السياسي والتغيير الاجتماعي، على اعتبار أن الأيديولوجيا تحدّد
إرادة التغيير. لكن الحقيقة أن موازين القوى في الواقع الاجتماعي والسياسي هي التي
تمنع المقاومة من التغيير. والمحدِّد في ذلك هو واقع الحقل الإقليمي المتداخل في
العولمة النيوليبرالية وليس الواقع المحلي وأزمة النظام السياسي فحسب. فالمقاومة
ولدت في مرحلة انهيار حركات التحرر الكبرى وسيادة النيوليبرالية في النظام المعولم.
وهي تسبح عكس التيار الدولي والإقليمي الجارف، خلافاً لظروف حركات التحرر الوطني
السابقة.
وفي هذه الظروف غير المؤاتية للتغيير الاجتماعي والسياسي، بسبب تلاشي حركات التحرر
وضعف المقاومات الاجتماعية (ومن ضمنها أفول اليسار)، فإن المقاومة مضطرة للاحتماء
بثقافة بيئتها المحلية حفاظاً على استمرارية وجودها، خصوصاً ان موازين القوى
المحلية الطائفية جزء من الحرب للمقاومة وعليها. وفي هذا السياق تدخل المقاومة إلى
السلطة الطائفية مرغمة بطبيعة موازين القوى الفعلية، لا مشارِكة «طرفي السلطة
الطائفية»، كما يشكك اليسار ويتحفّظ. وهي تحاول عرقلة ما يمكن عرقلته من زحف السلطة
(المعتَمَدة من القرار الدولي والإقليمي) في اتجاه الاستراتيجيات الأميركية ـ
الإسرائيلية وما يصاحبها من تحولات نيوليبرالية معولمة. وقد نجحت المقاومة، حتى
الآن، بصعوبة قاسية استناداً إلى تعزيز قواها في بيئتها المحلية الضيقة، وإلى
اللعبة الطائفية في السلطة أيضاً. لأن الأولويات السياسية يحكمها دوماً ميزان القوى
في الواقع الاجتماعي والسياسي، وفي هذا الأمر لا تغامر أي مقاومة تضع رأسها على
المحك، بالتخلي عن سبب من أسباب قوتها أملاً بالمراهنة على أسباب أفضل تأتي لاحقاً
وربما بعد فوات الأوان.
ولا يستمر هذا التوازن السياسي أبد الدهر بطبيعة الحال. ولا بدّ من أن تصل
التناقضات الطائفية والاجتماعية والسياسية، المتحركة على الدوام، إلى المقاومة سواء
عبر تناقضات شكل الحكم الطائفي أم عبر تآكل بيئة المقاومة ذاتها. وهي الدوامة التي
يجدد النظام السياسي المحلي والإقليمي نفسه في حروبها الباردة والملتهبة. لكن هذه
التناقضات في النظام السياسي لا تُحل، كما يظن علمانيو الثقافة «بنشر الوعي ومحاربة
الطائفية» أو كما يظن اليسار بتغليب المطالب المعيشية والنقابية لإلغاء الانقسام
العصبي والطائفي. إنما تُحل كما حُلَّت أينما كان على سطح المعمورة، بتغطية
الانقسامات العصبية بآليات أعلى منها تقوم فيها قوى اجتماعية، وتلبي طموحاتها
ومصالحها.
والحاصل في لبنان أن الطبقة السياسية تجدد نفسها دوماً في الحراب والاقتتال
الطائفي، خاصة لدى أي بادرة إصلاح سياسي وتغيير اجتماعي طفيف، وأن المقاومة لا
مصلحة لها (ولنا) بخوض حرب أهلية خاسرة مسبقاً لإصلاح النظام السياسي، لأن موازين
القوى المحلية والإقليمية لا تتيح لها الإصلاح بالضغط الشعبي والسياسي وهي لم تتح
لها مشاركة المعارضة في حكومة قبل إظهار قوة السلاح.
لا تنكسر دوّامة هذه الحلقة المفرغة بدون نمو قوى اجتماعية محلية حول المقاومة
وبدون نمو قوى صاعدة في الحقل الإقليمي. لكن على الرغم من الفراغ المخيف في المنطقة
العربية وبسببه، فإن الظروف السياسية ملائمة للعمل على الإفادة من التحولات بعد كسر
قرن الثور الهائج، على ما تسعى إليه إيران وتركيا.
وفي هذه الظروف يمكن لليسار أن يجدّد نفسه بحلّة جديدة، لأن أفق حركته أوسع من
المحلّي بل حتى أوسع من الحقل الإقليمي (على افتراض احتفاظه بشيء من تاريخ تكوينه).
ففي مثل هذا الحراك الواسع المساحة والأفق حول المقاومة والمقاومة الاجتماعية (وهي
نواتية في الحقل الإقليمي والعالم)، لا تبرز مشكلة الصلة بالمقاومة الإسلامية ولا
بـأي حراك سياسي أو اجتماعي، كما لا تأخذ مسألة الاستقلال عن «طرفي السلطة
الطائفية» منحى مصطنَع بسبب عدم تجاوب المقاومة مع الدعوة إلى جبهة وطنية عريضة
وبرنامج سياسي موحد.
يصبح لزاماً علي اليسار أن يحدّد هويته وطموحه لنفسه أولاً وللقوى الاجتماعية
تالياً: هل هو يسار ثقافي، أم مطلبي ـ نقابي، أم سياسي ـ اجتماعي؟ هل يظن أن الضغط
الاحتجاجي و«فضح السلطة» في أزمة النظام، يؤديان إلى الإصلاح السياسي وإقرار الحقوق
الاجتماعية، أم أن إعادة بناء القطاعات الإنتاجية وتنظيم مكان العيش والعمل، (بمعزل
عن السلطة) يؤديان إلى خلق قوى اجتماعية لها مصلحة في التغيير؟ وهل يبحث اليسار عن
حلول وبدائل لأزمة كل قطاع إنتاجي واجتماعي، يمكن أن يتقاطع عليها مع القوى
السياسية والاجتماعية أو يستقل عنها، أم أن تصوراته جاهزة سلفاً في عموميات لا تصمد
لحظة على المحك. وهل يرى الحلول والبدائل محلية تتلاقى لاحقاً في الحقل الإقليمي،
أم أنها إقليمية (على الأقل) يقوم فيها كل معني في بلده وقطاعه ومحلته؟
يبدو أن لا مندوحة من مساءلة عمق الاشكاليات عوض الخربشة الثقافية على التناقضات
الاجتماعية والسياسية. ولعل العبرة من ضرب الرأس في الحائط، الاقتناع بأن المشكلة
ليست في الحائط.
"السفير"