
30/11/2009
صدر مؤخراً تقرير عن منظمة الشفافية الدولية وضع لبنان من حيث تفشّي الفساد فيه في
المنزلة 130 دولياَ وفي المنزلة 12 في العالم العربي. أي أن هناك 129 بلداً في
العالم يتقدّمه، وهناك 11 بلداً عربياً يتقدّمه. هذا مع العلم أن مؤشر منظمة
الشفافية هو مؤشّر إدراكي، بمعنى أنه يعكس رأي الناس في كل بلد في انتشار الفساد.
لذا فإن تراجع لبنان شوطاً واسعاً خلال سنة، من 102 إلى ،130 قد لا يعني بالضرورة
تقهقُر حاله بل ربما يعكس ازدياداً في مستوى الوعي لدى الناس لظاهرة الفساد.
الفساد يعبّر تعريفاً عن اكتساب المغانِم بقوة المال أو النفوذ أو السلطة أو
الحِيلة. ويدخل فيها بالطبع الإثراء غير المشروع. ولبنان يشكو، كما سائر الأقطار
العربية، من استشراء وبال الفساد على وجه بات معه يُلمس لمس اليد. ومما ساهم في
استشرائه أن وسائل مكافحته في لبنان ضئيلة أو شبه معدومة. هكذا يستطيع الفاسد أو
المفسِد في مؤسسات الدولة أو في المجتمع أن يبقى بمأمن من العِقاب أو الملاحقة.
ليس من مجتمع في العالم يخلو من الفساد ولو بدرجات متفاوِتة. إلاّ أن البلدان
الأكثر تقدماً تتمتع بآليات فاعلة لمكافحته. فما من مرتكب إلا ويُحاسب أو يُلاحق
إما إدارياً أو قضائياً. فالأنظمة المتطوّرة تتميز بوجود آليات فاعلة للمساءلة
والمحاسبة داخلها. فأي خلل في الأداء سرعان ما ينكشف ويُصحّح. أما في بلادنا
فالقانون يوضع كي يُخرق أو يُخالف. وإذا ما اكتشفت المخالفة فقلّما يُلاحق المرتكب،
خصوصاً إذا كان من ذوي الحول والطول أو الجاه.
من شروط المحاسبة أن تكون لها آلياتها. من ذلك وجود آليّة فاعلة للتدقيق ضمن نظام
المحاسبة والإدارة المطبّق في المؤسسة، سواء كانت من مؤسسات الدولة أو من المؤسسات
الخاصة. وكثيراً ما يكون في هيكلية الدولة ديوان للمحاسبة وهيئة للتفتيش المركزي
ومجلس تأديبي وما إلى ذلك.
ومن خصوصيات الديمقراطية أنها في النطاق السياسي تؤمّن آليات المساءلة والمحاسبة
على شتى المستويات. ففي الممارسة الديمقراطية يُدعى الجمهور فوق سنّ معيّنة للتوجّه
إلى صناديق الاقتراع لاختيار نوابهم الذين يمثلونهم في السلطة الاشتراعية. ومن
المفترض أن يحاسب الناخبون نوابهم على أدائهم ولا يجدّدون لهم إن لم يكونوا راضين
عن أدائهم. وفي النظام الديمقراطي مجلس للوزراء ينبثق عن مجلس النواب. ومن المفترض
أن يحجب النواب الثقة عن الحكومة في حال التقصير أو الفساد. فتستبدل بسواها. ويحاسب
مجلس النواب الحكومة على أدائها بصورة متواصلة فيتقدم النواب من الوزراء أو من
الحكومة بأسئلة أو استجوابات محدّدة.
وتقوم الديمقراطية عموماً على قاعدة أن الأكثرية المنتخبة تحكم والأقلية تعارض. ولا
تكون حكومات ائتلاف تجمع الأكثرية والأقلية تحت سقف واحد إلاّ لِماماً، وبخاصة في
حالات استثنائية كتعرّض البلد إلى حرب خارجية. ويلاحظ أن الأنظمة الاستبدادية تفتقد
وجود أقلية وأكثرية، وبالتالي فهي تفتقد الآلية السياسية للمساءلة والمحاسبة. ويبقى
الحاكم المُستبدّ بمنأى عن أية محاسبة.
وشرط المحاسبة الفاعلة في كنف الديمقراطية مُراعاة موجب الفصل بين السلطات، وتحديداً
الفصل بين السلطتين الاشتراعية والتنفيذية أو الإجرائية، وكذلك الفصل بين السلطتين
الإجرائية والقضائية. ويلاحظ في لبنان أن الفصل بين السلطتين التنفيذية والاشتراعية
غير متوافر. فالسلطة الإجرائية المتمثلة بالحكومة كثيراً ما تشمل نواباً يتمتعون
بصفة الوزير. في هذه الحالة يصعب على النواب محاسبة الحكومة وهي تضمّ زملاء لهم.
فمقتضيات المحاسبة الفاعلة تفترض الحظر على النائب أن يشارك في الحكم.
ويقتضي الفصل بين القضاء والسلطة الإجرائية. وهذا المبدأ لا يراعى تماماً في لبنان،
وبالتالي فإن القضاء لا يعتبر مستقلاً على الوجه المنشود. فمع أن التسمية كثيراً ما
تكون نتيجة مباراة، فإن تدخل السياسيين أحياناً يكون سافِراً. وهناك مجلس قضاء أعلى
تناط به مسؤولية التشكيلات، إلا أن هذا المجلس يسمّى من جانب السلطة السياسية. ثم
أن وزير العدل، وعبره كثير من رجال السياسة، كثيراً ما يتدخلون في شؤون القضاء،
علماً بأن القضاء هو من المرجعيات الرئيسية في مكافحة الفساد.
وهناك آليات لمكافحة الفساد تتخطّى الحدود القطرية. فمنظمة الشفافية الدولية تعمل
على الصعيد الدولي. ولبنان من الدول المنضمّة إلى اتفاقية المنظمة. وهناك المنظمة
العربية لمكافحة الفساد، التي أتولّى شخصياً رئاسة مجلس أمنائها، فهي تنشط على
الصعيد العربي العام. إلا أن عدم وجود حريات حقيقية في معظم الأقطار العربية كثيراً
ما يقف حجر عثرة في طريق تنفيذ المنظمة العربية مهامها على وجه فاعل، إذ إن تقصي
الحقائق في ظل هذا الواقع ليس بالأمر اليسير.
خلاصة القول إن مكافحة الفساد في لبنان وسائر الأقطار العربية تتطلّب تعزيز
الشفافية في حسابات المؤسسة، الحكومية والخاصة، وتنمية الممارسة الديمقراطية بحيث
تكون المحاسبة السياسية من صلب الحياة اليومية، وإطلاق الحريات عموماً، والحريات
الإعلامية خصوصاً، باعتبار أن الإعلام النشِط يشكل بطبيعة الحال وسيلة من وسائل
مكافحة الفساد. إلى ذلك فعلينا أن نعي ضرورة الفصل بين السلطات.
رئيس وزراء لبنان الأسبق alkhaleej.ae