رائحة «فييتنام» تفوح من «أفغانستان»

 صبحي ناظم توفيق

خلال الأشهر المنصرمة ومنذ اتخاذ الرئيس الأميركي «باراك أوباما» قراره بتفضيل ساحة الحرب الأفغانية على الميادين الأخرى - بما فيها «العراق» - وإلحاح قائد القوات الأميركية هناك بوجوب مضاعفة عدد منتسبيه في هذا البلد المنكوب بالاحتلال الأطلسي- الحليف، يبدو أن التأريخ قد يعيد ذاته على الأميركيين في حربهم على «أفغانستان» مثل تلك الخسارة التي أصابتهم في نهاية حربهم على «فييتنام» أواسط عقد السبعينيّات من القرن الماضي... فهل يصحّ ذلك؟


الأميركيون قادوا غزواً أطلسياً بعد أقل من شهرَين على أحداث يوم (11 أيلول 2001) وقد تحالف معهم عدد من الدول الصديقة تحت ذريعة القضاء على مقاتلي «تنظيم القاعدة وحركة طالبان» الذين كانوا قد أحكموا سيطرتهم على عموم «أفغانستان» بمساندة باكستانية ومباركة أميركية كانت معروفة أمام أسماع العالم وأنظاره... وعلى حين حقّقوا انتصاراً عسكرياً سريعاً وناجزاً فإنهم لم يتوفّقوا في مجرّد فرض الأمن بربوعها والذي يعتبر بما لا يقبل الظن أهم مرتكز وسط أي دولة للنهوض بها وإعمارها وتنميتها، وهذا ما لم يتمّ في «أفغانستان» بشكل مطلق بل إن «كرة الثلج» ظلّت تتدحرج -ولو ببعض البطء- عاماً بعد عام حتى غدَتْ عظيمة الحجم بحيث يصعب إيقاف تداعياتها على الغزاة أنفسهم أو بحقّ الشعب الأفغاني الذي ربما رحّبَ معظمه بالأميركيين ناظرين إليهم عند انتشارهم بمثابة الذين حرّروهم من الظلم والقمع والتخلّف الذي ساد بلدهم لعقد من الزمان على أقل تقدير... ولمّا لم يتحقّق «الأمن» من حيث الأساس فقد استطاع عناصر «القاعدة وطالبان» لململة صفوفهما بمرور الأيام وأعادوا تنظيم مقاتليهما واستثمروا الإخفاق الأميركي الأطلسي لإعادة فرض سطوتهم على معظم ربوع البلاد حتى أمست البقاع التي يتحكّمون فيها ما يعادل 73 بالمئة من مساحة بلاد الأفغان.


لم تكن تلك المثلبة الوحيدة التي صاحبت الأميركيين هناك، فالعجرفة في التعامل مع المواطنين وقتل العشرات من الأبرياء في مساكنهم الآمنة لمجرّد الشكّ في كونهم «إرهابيين» بعمليات قصف وضربات بقنابل ومقذوفات يسمّونها «ذكيّة» تطلقها طائرات مسيّرة من دون طيار لا تفقه غير الصورة المنقولة على شاشاتها الإلكترونية من دون تمحيص وتحليل استخباري مفترض، ومشاركة ضباط قواتهم المسلّحة وجنودهم والعناصر الفاسدة والمُفسدة من العاملين في شركات الحماية الخاصة باستغلال الفرص المتاحة أمامهم وسط بلد سائب للسرقة والاختلاس والمتاجرة بتهريب أنواع طازجة من مختلف المخدّرات التي باتت زراعتها في «أفغانستان» وحدها تشكّل 93 بالمئة من الإنتاج العالمي وأمام أنظار المحتلّين وحكومات ضعيفة تعاقبت على حكم البلاد في غضون السنوات الثماني الماضيات لا تستطيع حماية وزرائها وكبار مسؤوليها وكانت عرضة لظنون الفساد المالي والإداري والمحسوبيات... وبذلك تهرّأت في نفوس الأفغان تلك الشعارات الرنانة التي تفوّه بها الأميركيون والمتمحورة حول «الديمقراطية، التعدّدية، الحرية، الشفافية، الأجندات السياسية» و... إلخ من المصطلحات التي مجّها الأفغان ناظرين إليها بسخف لكثرة ترديدها من دون موجب، ناهيك عن عدم مصداقيّتها... وقد صاحَبَها عدم الاكتراث الأميركي باتخاذ خطوات جدّية أخرى تُحَسِّن أوضاع المواطنين وتُسَيِّر حياتهم اليومية بشكل شبه طبيعي فتستقر نفوسهم ويطمئنون ولو بعض الشيء على مستقبلهم وأولادهم.


وبعد إخفاق دول حلف «N.A.T.O» على الاتفاق لبعث قوات إضافية بما يكفي لمعالجة الضعف الميداني المشهود وسط مناطق جبلية قد يمكن اعتبارها الأصعب في عموم العالم المسكون، وبعد نقل «طالبان» الحرب ليس إلى كبريات المدن والعاصمة الأفغانية ذاتها، بل إلى عقر دار الدولة الباكستانية ووسط عاصمتها، يأتي دور «الترقيع الأميركي» هذه الأيام للخروج من مستنقع «أفغانستان» ولو بماء الوجه، فبعد(40.000) جندي يصيح قائد القوات الأميركية في «كابول» بأعلى صوته أن يمنحه الرئيس «أوباما» فرصة إرسال(40.000) آخرين ومزيداً من المروحيات والمقاتلات وطائرات النقل لتدارك الأمر العصيب والخطر الذي يداهم جيشه، ويؤيّده في ذلك العديد من أعضاء الكونغرس الأميركي وعلى رأسهم «رئيس لجنة العلاقات الخارجية» الذي صرّح –وله كلّ الحقّ في ذلك حسب رؤيتنا- بضرورة اتخاذ قرار سريع قبل فوات الأوان لأن بلاده ستخسر هذه الحرب في غضون عام واحد ليس إلاّ، إن لم تُعَزَّز قواتها هناك عاجلاً وليس آجلاً.


نعم... تأريخ الولايات المتحدة الأميركية يُعيد نفسه، وإن قادة «واشنطن» يقترفون أخطاء أسلافهم في غضون أقل من أربعة عقود، فالرئيس «أوباما» – الحاصل مؤخراً على جائزة «نوبل» للسلام- في موقف سياسي لا يُحسَد عليه وهو يُشابه ما كان عليه الرئيس «نيكسون» مطلع عقد السبعينيّات من القرن الماضي، حين خضع لمطالب جنرالاته بمضاعفة قوات بلاده في «فييتنام» ولكن شهراً بعد شهر وفرقة بعد فرقة حتى بلغ تعدادها (400.000) جندي عام (1973) –أي عشرة أضعاف ما هو واقع الحال بأفغانستان حالياً- ولكن من دون أن تقتدر تلك القوات الهائلة في تلك الأيام الصعبة تدارك ذلك الاقتدار الهائل الذي كان «ثوّار الفييتكونغ» قد أضحوا عليه على حينه من سيطرتهم المُتقنة على أجزاء واسعة من بقاع الجزء الشمالي من أرض «فييتنام الجنوبية»، حيث لم تفد الأميركيين –لفوات الأوان- لا ذلك العدد الذي قارب نصف مليون جندي ولا ملايين الأطنان من القنابل التي أمطرتها طائرات الهجوم الأرضي «فانتوم F-4» وقاصفاتهم العملاقة «B-52» على مواقع الـ«فييتكونغ» وأهداف عديدة بالمئات في أرض «فييتنام الشمالية».... ففي رؤيتنا الإستراتيجية أن الأميركيين وحلفاءهم قد أضاعوا مبدأ «المبادأة/المبادرة» في حربهم على «أفغانستان» وتخبّطوا في تحديد أهدافهم والتخطيط لتحقيقها، كما لم يعطوا لمبدأ «حشد القوة» حقّه حين زجّوا بذلك العدد الضئيل من تشكيلاتهم ووحداتهم العسكرية وعلى شكل «لقمة تتبع أخرى» وبما لا تكفي لفرض سطوتهم على بلاد الأفغان الواسعة... واليوم فإن «واشنطن» ولو ضاعفت قواتها البرية بنسبة 100 بالمئة فإن ذلك ربما لا يشكّل سوى جرعة دواء غير ناجعة قد تُرجئ الهزيمة الأميركية بعضاً من الوقت فحسب ومن دون أن تستطيع إلغاءَها، ولكنها –على أية حال- لن تحقّق لها نصراً في هذه الحرب بشكل مطلق.


* صبحي ناظم توفيق خبير الشؤون الإستراتيجية والسياسية (دكتوراه بالتأريخ العربي الإسلامي
 

2009-11-10