26/11/2009
ترددت كثيرا قـبل أن أكتب هـذا المقـال ، وسبب ترددي أن البعـض قد يـفـسر حديثي هـذا وكأنه "رَدْح" على الطريقة المصرية ، أو "إنفلات" اللغة، وأن الناس "مـقـامـات" ، وبالتالي فان من العيب أن أخاطب "الرئيس" بهـذا الأسلوب.
إن "العـيب" ، في رأيي المتواضع ، ليس في وضع النقـاط على الحـروف ؛ وإنما العـيب كل العـيب أن يصرح من "يـُمثل" الشعب الفلسطيني بهـذا الموقـف المخزي، دون أن يرفّ له جفن...
إن العـيب كل العـيب أن نسكت ونحن نسمع عـباس يتحدث "بإسم" الشعـب الفلسطيني ليهـين هذا الشعب المناضل ويحتـقـره ، وأن نكون شهود زور على ما يقوم به عباس وبطانتـه.
لست من المدافعين عن "حركة المقاومة الفلسطينية" (حماس) ، فالحركة تملك المئات من الكوادر والكفاآت الفلسطينية للدفاع عن مواقفها. ولا أزايد على أحـد عندما أقول بأنني لا أتفـق مع البرنامج السياسي للحركة ، لأنني أرفض أي نظام يقـوم على الدين ...ولأنني ضد استخدام الدين في السياسة ... ولكنني ، رغم كل ذلك ، مناصر للحركة لأنها تعـبر بصـدق عن طموحات شعـبنا الفلسطيني وحقـه في الحياة الحرة الكريمة .
أجرت "هيئة الاذاعة البريطانية" BBC مـقـابلـة في الأسـبوع المـاضي مـع رئيس "السـلـطـة الوطـنـيـة الفلسـطـيـنيـة" محمود عـباس كرَّرَ فـيـهـا مسلسل الأكاذيب التي تـعـودنا أن يــُتـحـفـنـا به بين الـفـينـة والأخـرى .. ولا أغـالي إذا قـلـت أن "الرئيس" تفوق على وزير الـدعـايـة النـازية الـدكتـور جـوزيف غـوبـلـز Joseph Goebells في هذا المجال، فكان يكذب بلا خجل ولا حياء وهو الـذي بـلـغ أرذل العـمـر!
فـقـد زعـم عـباس ان حركة الـمـقـاومـة الإسـلاميـة "تتفاوض الآن مع اسرائيل سراً" في جنيف على "دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة"، وان قراره بعدم ترشيح نفـسه للرئاسة "قرار نهائي" وأشار الى "احتمال ارجاء الانتخابات لعام او ما يقارب ذلك.".
وبـرَّرَ ذلك بـقـولـه أن الانتخابات "ستتأخر بسبب رفض حماس الموافقة على اجرائها" ، وأخـذتـه الـعـزة بـالإثـم فـأكـد أن الانتخابات ستجرى في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، اذ لا بد من ان تقوم القيادة الفلسطينية باخذ اجراءات، فلا نريد فراغا دستوريا بعد انتهاء ولاية [المـجـلس] التشريعي والرئاسة."
وقـال أن الـكـتـور عزيز الدويك ، رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني ، "لا يحق له ان يتولى الرئاسة ما دام الرئيس موجوداً ولم يستقل ولم يفقد أهليته"، مشـيراً إلى أن هـذا ليس من حـقـه ، فـ "من جاء بانقلاب وخالف الدستور لا يحق له الحديث بالدستور" ...[كـــذا..!!]
وإتـهـم "كرزاي فلسـطين" حركة حماس بـأنـهـا " تمنع المقاومة في غزة وتتغـنى بها"،
وكـرَّر أسـطوانتـه المشـروخـة بـأنـه "رجل سلام ومع السلام"...
وعـلى الـرغم من تصـريحـات صـائب عـريـقـات ، مسؤول ملف المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية ، للـعـديد من الصحف والمـجـلات، بـأن المـفـاوضـات مع إسرائيل "لـم تـؤد إلى أيـة نـتـيجـة" ، فـقـد أكد عـبـاس ان شعار المفاوضات "لم يسقـط بعـد".
وفـي وقـاحـة تـحـسـده عـليـهـا مـومـس ، قـال عباس أن السلطة الفلسطينية "لم تتنازل طوال مفاوضاتها مع اسرائيل عن اي حـق من حقوق الشعب الفلسطيني" ....[كــــذا...!!]
غـني عـن البـيـان أن هـذه ليست الـمـرة الأولى الذي يـتـحـدث فـيـها "الرئيس" الفلسطيني بـمـثـل هـذا الإسـفـاف...
فـفـي لـهـجـة لا تـخـلـو من الخـفـة و النزق والإستهـتار بتاريخ شعـبنا الفلسطيني ومـعـانـاتـه طوال سـتيـن عـامـا ، كـال "الحاج" محمود عـباس ذات يـوم، وهو بملابس الحج في يوم التروية في مكة المكرمة ، التهم لأبناء شعـبه حيث وصفهم بـ "مشركي قريش" و "القرامطة"!!
كان ذلك بـعـد أسـابيع من اتهامه حركـة المـقـاومـة الإسلاميـة بـ "إيواء" تنظيم القاعـدة ، في محاولة مستهجـنة وغير مسبوقة لتحريض العالم ضد شعـبه .!!
لقد تـمـلـكـني شـعـورٌ بـالـقـرف والـغـثـيـان لأن "الرئيس" الذي يـُفـتـَرَض أن يـمـثـل عـشـرة ملايين فلسـطيني وصـل إلى هـذا الـدرك من الإنـحـطـاط ، وقـال في شـعـبـه مـا لـم يـقـلـه مـالك في الـخـمـرة...
ولـكـن..."إذا عـُرفَ السـبب بـطـل الـعـجـب"...
فـ "كرزاي فلسـطين" ، الذي يـُفـتـَرَض أنـه يـمـثـل شـعـبـا مـنـاضـلا ، يـتـصـرف وكـأنـه مدير علاقات عامة في أحد فنادق الخـمـسـة نـجـوم ...
عـباس ، هـذا الـرجـل الذي لا يملك أي تاريخ نضالي ولـم يـتـردد لـحـظـة في أن يـفـاخر بأنه "لم يحمل مسدساً" في حياته ، والـذي أصـبـح ـ بـقـدرة قـادر ـ الأمين العـام لـحركة التحـرير الوطني الفلسطيني ، "فـتـح"، رئيس اللجـنة التنـفـيـذية لـمـنظـمـة التـحرير الـفـلسطينية ، والقـائـد العـام لـقـوات الثـورة الفـلسـطينية ...
هـذا الـرجـل يزايد على المناضلين و المجاهـدين و يصفـهم بالمهربين ، ويـصـدر أوامـره "الرئاسـيـة" بـإعـفـاء القادة والضباط الفلـلـسطينيين الذين رفضوا أوامره بـتوجـيـه أسـلـحـتهـم إلى صـدور إخـوتهـم في النضـال ، من مناصبهم ..!!
ولا يـتـرك فـرصـة تـفـوتـه لإطـلاق عـبارات الاستنكار والتـنديد والشجب والإدانة لكل عـمل مقاوم ضد العـدو الـصـهـيـوني، بل وصلت به الـوقـاحـة إلى أن يـصـف العملية الاستشهادية التي قامـت بها "حـمـاس" في تل أبيب بـ "الـعـملـيـة الحقيرة" ، وصورايخ المقاومة الفلسطينية بـ "العـبـثـية"... وأنها "تعطي المبررات لإسرائيل لاستهداف المدنيين".!!
مـنـذ أن أصـبـح "رئيـسـاً" لـم يـكـلـف "كـرزاي فلسطين" نـفـسـه ـ ولـو مـرة واحـدة ـ عـنـاء تـقـديم التعـازي لـعائلة شهيد، أو لزيارة عائلة جريح أو معـتقـل..!
بـعـد فـضـيـحـة تـقرير القاضي السابق Richard Goldstoneريتشارد غولدستون حول الانتهاكات التي ارتكبت خلال الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة في شهر كانون الأول الماضي ، سـألني لارش أوهلي Lars Ohly ، زعـيم "حـزب اليـسـار"Vänster partiet السويدي وأحـد أبرز الـمـؤيـدين للنـضـال الفلسـطيني في السـويد : "هـل من المعـقـول أن يصدر عـن زعـيم فلسطيني ما لم يعـد يصدر عن كثير من زعـمـاء الأحـزاب اليـمـيـنـيـة في أوروبـا..؟! مـاذا سـنـقـول لـكـوادرنا ومنـاضـلينا بـعـد كل ما حـدث...؟!"
لقـد شعرت بالخجل الشـديد عنـدما طلب مني رئيس تحرير مـجـلـة " Folket i Bild" ، أكبر الصحف اليـسـاريـة في السويد وأوسعها انتشـارا ، أن أكتب مقالا "أفسر" فيه ما يحث الآن في فلسطين... وشعـرت برغبة دفينة في البكاء عنـدما قال لي انه لا يستطيع بعـد اليوم أن يدافع عن الفلسطينيين...إذ "لا فرق بينكم ، أنتم نخبة النخب العـربية ـ كما كنتَ تذكرني دائمـا ـ وبين قبائل البلوش في أفغانستان... مـا الفـرق بين عـبـاس وكـرزاي...؟!"
لـقـ أصـبـح الدّم الفلسطيني ممتهناً رخيصاً، لأن عـبـاس يريد أن يحتكر الحكم، والقيادة، والإمساك بالقرار السياسي...رغـم كل مـا يـدعـيـه عـن "زهـده" في الحـكـم...
ومـعـانـاة الفلسطينين لا تعـني شيئاً لمن يرى أن سلطـته العـتيـدة تحظى برعاية بـاراك أوبـامـا، وصداقة شـمـعـون بيرس، ومباركة "خـادم الحـرمين"
إن حق شعبنا الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي حق كـفـلـته المواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحـدة والقـانون الـدولي... وقـد أثبت شعـبنا الفلسطيني ، من خلال قوافـل الشهداء التي قـدمها على مدى ستين عاما ، أنـه لن يتنازل عن هذا الحق.
لـقـد قرأت (وأعـدت قراءة) تصريحات عباس منذ توليه السلطة وحتى اليوم، ولم أعـثر في أي منها على كلمة "مقـاومـة"... باستثناء تلك التي زعم فيها أن " الحكومات في العالم كله لا تتبنى المقاومة" وأن "الحكومة يفترض أن لا تمارسها" وأن "كلمة المقاومة لا تصلح"... يتحدث عـباس وكأن الفلسطيني مواطن في موناكو أو لشـتنشـتاين...وأن عليه ـ بالتالي - ان يتحاور مع "العالم الحر" بأسلوب "حضاري" يليق بالمقام...
في الانتخابات الأخيرة التي شهدتها هـنغـاريا ، قـدم رئيس الوزراء البرنامج السياسي لحزبه... وتبين ، فيما بعـد ، أنه خدع الجماهير في برنامجه الانتخابي... وأقامت أجهزة الإعلام الهـنغـارية الدنيا ولم تقعـدهـا، وانطلقت المظاهرات احتجاجـا على الخـداع الذي تعرضت له الأمـة... أما في السلطة الفلسطينية العـتيـدة فيخرج علينا ياسر عبد ربـه ونبيل أبو ردينـة ، وغيرهمـا من الأبواق، لتبرير كل تصريحات "الرئيس" وأفعالـه...
يقف شعبنا الفلسطيني أعـزلا إلا من إرادته وإيمانه بانتصار الحق والحياة، يحمل على كاهله تاريخه المجيـد الذي يـمـتـد مئـة عـام من النضـال... وإن كان هذا التاريخ عبئاً على الكاهل لا يمكن إزاحته أو التخلي عنه، فإن شعبنا الصابر يعرف أن قدره التصدي في وجه هذه الغزوة مهما كلف الثمن ومهما غلت التضحيات .
ليس ثمة شك في أن عـباس يدرك جيـدا أن لقمة الخبز التي سيجود بها الإتـحـاد الأوروبي لها ثمن فادح، وهو هـدر ما تبقى من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني ، وكرامته الوطنية ، ومسخ كل معاني الاستقلال الوطني... ان لقمة الخبز المغمسـة بالـدم التي يـكـدح الفلسطيني من أجلها تعـني ـ أولا وقبل كل شيء ـ الكبرياء والكرامة ، ذلك أن العـبيـد والأذلاء أعـجز من أن يحرروا وطنـا...
ولا يحتاج المرء إلى ذكـاء خـارق أو عـبـقـريـة فـذة ليدرك أن "المسـاعـدات" التي تقـدمها الولايات المتـحـدة والـدول الأوروبية لشعـبنا الفلسطيني ليست سوى الثمن الذي تريـد أن يـدفعـه الفلسطينيون بالتنازل عن حقوقهم التاريخية، وأن أقصى ما يمكن أن تجود به هـذه الدول هو فـتات تبقيهم على قيـد الحياة شريطة القبول بكل ما تمليـه الولايات المتحـدة وإسرائيل من شروط لا يقبلها إلا كل من تجرد من الإحساس بالكرامة الوطنية.
وبـعــد ؛
إن مثل هـذه التصريحـات كارثة على الفلسطينيين، ولا تقدم لهم سوى روح الهزيمة وتلقي بهم خارج العصر والتاريخ ...
إن التاريخ لا يصنعه إلا القادرون على صنعه ، وليس أولئك الذين يكتـفـون بقـراءته... كمـا أن الحق والحرية والوطن والكرامة ليست من المعطيات العابرة في التاريخ...
إن أبسـط ما يمكن أن يـقـال في تصريحات محمود عـباس وبطانتـه أنـه كلام رخيص لا يليق بقـائـد لشعـب يناضل منـذ أكثر من مـئـة عـام ، ولا يمكن أن يـصـدر إلا عن "زعــيـم" رخـُصت نفـسه وارتضـى بأن يكون خـادما طائعـا لأسياده.
وكمواطن فلسطيني فإنني أشعر بالخجل من نفسي ، وتصيبني قـشـعـريرة كلما خطر ببالي أن عباس يتحدث باسم عشـرة ملايين فلسطيني...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كـاتـب وأكـاديمي فلسـطـيـني مـقـيـم في السـويـد .