اهتزازات المرحلة والمهام الفلسطينية العاجلة
علي
بدوان
2009-11-24
تمر الساحة السياسية الفلسطينية بظروف جديدة، في غاية الدقة والتعقيد بعد وصول
عملية التسوية على المسار الفلسطيني الإسرائيلي إلى طريق مسدود، وبعد أن بات الرئيس
محمود عباس، وعدد كبير من أنصار عملية التسوية السياسية في حرج كبير نتيجة التعنت
الإسرائيلي من جانب، وغض النظر الأميركي من جانب أخر على الممارسات الإسرائيلية،
خصوصاً منها العمليات الاستيطانية التهويدية الإسرائيلية الجائرة الجارية فوق الأرض
الفلسطينية المحتلة عام 1967 خصوصاً في منطقة القدس وداخل أحياء المدينة، حيث صدقت
حكومة بنيامين نتنياهو أخيراً على عدد من المشاريع الجديدة لتوسيع عدد من
المستعمرات المقامة حول القدس على أسوارها وفي داخل أحيائها العربية الإسلامية
والمسيحية.
وفي مجرى هذا الازدحام السياسي، وبروز العديد من المعطيات التي تشي بأن إسرائيل
الصهيونية ماضية في تنفيذ رؤيتها السياسية والعملية بالنسبة لمستقبل الحل مع
الفلسطينيين، وتواتر الحديث عن مشروع إسرائيلي جديد أعلنه وأطلقه الجنرال شاؤول
موفاز تحت عنوان: (إقامة دولة فلسطينية مؤقتة على مساحات من الضفة الغربية دون
القدس وبلا حدود)، فإن مهام استثنائية فلسطينية عاجلة يفترض بها أن تتصدر الآن جدول
أعمال الحالة السياسية الفلسطينية، وكأولوية على جدول أعمال منظمة التحرير
الفلسطينية وحركتي حماس وفتح وعموم قوى العمل السياسي الفلسطيني، لإجراء مراجعة
وتقييم دقيق لمسيرة العمل السياسي الفلسطيني في العقدين الأخيرين، ولعموم الوضع
الفلسطيني الداخلي، ومغادرة أسباب الانقسام بالسير نحو إعادة بناء الوحدة الوطنية
الفلسطينية.
ومن هنا نرى أن تشخيص الواقع الفلسطيني الراهن بات أمراً ضرورياً وحاسماً لجهة
صياغة التكتيكات المناسبة لإدارة الصراع في المرحلة القادمة، بما في ذلك تهيئة
الجبهة الفلسطينية الداخلية وإعادة بنائها من جديد على أسس تستجيب لحقائق الواقع.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، فإن مهمة استعادة وحدة الشعب والثورة والمقاومة،
واستعادة وحدة منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها الوطني، تشكل في المرحلة الراهنة
مهمة عاجلة وغير قابلة للتأجيل، ولكن السير على طريق تحقيق وإنجاز هذه المهمة أمر
ليس سهل المنال بسبب حجم الضغط الخارجي الذي مورس ومازال يمارس على مختلف الإطارات
الفلسطينية وخصوصاً الرسمية منها.
وبالتأكيد فإن مراوحة الجولات الحوارية في العاصمة المصرية، وجمود الورقة المصرية
للمصالحة، يعود لعدة أسباب يطول شرحها وعرض تفاصيلها، لكننا نصل في تقييمنا لها إلى
نتيجة واحدة مفادها أن للنجاح أسباباً وعوامل لابد من توافرها، ويقف على رأسها
ضرورة تذليل العقبات بين قطبي المعادلة الفلسطينية ونقصد حركتي حماس وفتح أولاً،
فهناك استحالة التئام أي لقاء موسع دون عقد لقاءات ثنائية بين حماس وفتح لتفكيك
نقاط الاستعصاء الكبرى، فضلاً عن إسهام باقي القوى الرئيسية في الخريطة السياسية
الفلسطينية كالجبهة الشعبية وحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية - القيادة
العامة.
إن الحرص على أهمية الحوار الوطني الفلسطيني الشامل، ينطلق من أن الحوار طريق لا بد
منه من أجل إعادة بناء الوحدة الوطنية وإرساء وحدة القوى الفلسطينية على أسس برنامج
وطني ائتلافي يشكل القاسم المشترك بين جميع القوى الفلسطينية المتعاضدة في خندق
الكفاح الوطني في الداخل والشتات.
وفي هذا السياق فإن نجاح الحوار الوطني للمرحلة القادمة، وحل الاستعصاءات التي
اعترضت طريق ورقة المصالحة الفلسطينية، التي سبق أن قدمتها القاهرة لحركتي حماس
وفتح، يتطلب بالضرورة خطوات فلسطينية لا بد منها على المستوى الرسمي، وأولى هذه
الخطوات تتمثل في:
1- الوقف الكامل لعملية المفاوضات مع العدو الإسرائيلي.
2- الوقف الكامل لعمليات التنسيق الأمني عبر لجان الارتباط الأمني مع الاحتلال.
3- تحريم الاعتقال السياسي وإطلاق سراح جميع المعتقلين في سجون السلطة.
4- كف يد القوى الإقليمية التي تريد قولبة الأوضاع الفلسطينية على مقاييس معينة
معروفة تماماً، وكبح العامل الخارجي الذي يدفع باتجاه توتير الأجواء الداخلية
الفلسطينية.
5- إعادة الاعتبار لكل أشكال العمل المقاوم في مواجهة نهب الأرض وتهويدها.
6- التوجه للعالم والمجتمع الدولي بخطاب سياسي آخر بعيد عن خطاب الارتهان والتعويل،
والمبادرة لبناء خطاب سياسي فلسطيني يجمع بين الدبلوماسية والمقاومة، ويستند لوحدة
الشعب ومكوناته
السياسية وإلى البعد القومي والإسلامي لقضيتنا العادلة.
وبالنتيجة، أن تحديات المرحلة القادمة غاية في الصعوبة، وهي تحديات تفرض على عموم
القوى الفلسطينية المزيد من نكران «الذات التنظيمية والفصائلية» لمصلحة الهم الوطني
العام، ولمصلحة التركيز على الأساسيات لإنجاح الجهود الرامية لإعادة بناء الوحدة
الوطنية، وقطع الطريق على المتضررين من الوحدة الوطنية.
فالمهمات القادمة، مهمات جسيمة وليست بالسهلة، وتفترض جهداً استثنائياً من قبل
فصائل العمل الوطني الملتزمة بنهج المقاومة في الداخل الفلسطيني، وتفترض أيضاً من
القوى المذكورة المبادرة لاشتقاق البرامج التي توحد الشعب وفصائله في مواجهة عمليات
إفشال الحوار الفلسطيني.
وعليه فإن رحلة الوصول إلى نتائج جدية وحاسمة في الحوارات الفلسطينية ما بعد عيد
الأضحى المبارك ما زالت تحتاج لجهود جبارة استثنائية حتى يمكن أن تصل إلى شواطئ
ورواسي الوحدة البرنامجية الائتلافية الحقيقية القائمة على الشراكة الوطنية في
صناعة القرار وإدارة دفة السفينة الفلسطينية.
ومع هذا فإن أجواء التفاؤل تبقى محفزة ومحرضة للجميع، على الرغم من المناخات
السلبية المخيمة على الوضع الفلسطيني، ومصدر التفاؤل يعود بشكل رئيسي إلى الشعب
الفلسطيني الذي (لا كلّ ولا ملّ) في مشواره الكفاحي على طريق العودة إلى فلسطين على
الرغم من جسامة التحديات، والظروف الصعبة التي يمر فيها شعبنا في الداخل خصوصاً في
قطاع غزة مع حصار الاحتلال.
وبكل الحالات، إن نداء الوحدة الوطنية سيبقى سيد الموقف في الساحة الشعبية
الفلسطينية، وهو النداء الذي سيفرض نفسه في النهاية على منطق الانقسام، وهو مايشكل
بحد ذاته عامل ضغط حقيقياً لإرساء صياغات وتفاهمات تمثل قاسماً مشتركاً عند الجميع
من عموم القوى والفصائل والشخصيات المستقلة والتكنوقراط تجسيداً للوحدة الفلسطينية،
وفق برنامج محدد، دون التلويح بضغوط المجموعات الدولية التي تطالب جميع الفلسطينيين
وقواهم السياسية بالاعتراف بشروط الرباعية الدولية، وهي شروط مجحفة وغير منطقية
وغير مقبولة بالعرف الدبلوماسي وفي العلاقات بين المنظومات السياسية، فالمجلس
التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة يتشكل من قوى سياسية منتخبة من الناس وفق
برامج معلنة لذلك لا يستطيع أحد في العالم إلزامها بتبني مواقف محددة، وقد رفضتها
أغلبية القوى الفلسطينية بما في ذلك قوى من داخل منظمة التحرير الفلسطينية كالجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين.
*علي بدوان كاتب فلسطيني - دمشق