عمائم بدون ذمائم

 

 

 د. راضي الشعيبي

 

 

 يقف على جبل عرفات ما يزيد على مليونَيْ مسلم، بينما تتوجه أنظار مئات الملايين من مخلوقات الله البشرية، إلى مكة المكرمة. غداً سيكون أول أيام عيد الأضحى، حيث تُذبح مئات الآلاف من الضحايا، عوضاً عن القرابين التي كانت تُقدم إلى آلهة الوثنيين، وفي مقدمتها الإنسان نفسه، الذي رحمه الله وأنقذه ممثلاً في ابن سيدنا إبراهيم، أبي الأنبياء عليه السلام. اليوم ستخشع كل هذه الملايين لله سبحانه وتعالى، راجية التكفير عن الذنوب والمعاصي التي اقترفتها وطالبة التوبة. وغداً الجمعة ومع بزوغ الفجر سيهرع الكثيرون ليشاركوا في صلاة العيد المباركة، وظهراً ستتدفق الأمواج البشرية المسلمة لتملأ المساجد، وسيعتلي المنابر الموظفون من أصحاب العمائم لإمامة هذه الجماهير، وإلقاء خطاباتهم الطنّانة الرنّانة، المصاغة حسب رغبة أولي الأمر والنهي، مليئة بالوعظ والإرشاد إلى أبناء الشعوب المستضعفة، غنية بالأحاديث الشريفة التي لا تمت من بعيد أو قريب للحالة الراهنة الأليمة السوداء التي تعم كافة أرجاء العالمين، العربي والإسلامي: احتلال صهيوني يهودي عنصري وعدوان دائم في فلسطين، وتهويد لأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. إننا نؤمن إيماناً كاملاً بسيدنا موسى عليه السلام، وإننا لواثقون أنه في رحاب السماء يجول غاضباً ومتألماً ممن اتبعوه وامتطوا رسالته السماوية والوصايا العشرة لخدمة مصالحهم السياسية وأطماعهم المالية وتطبيق ثقافتهم العنصرية والهيمنية ببدعة أنهم شعب الله المختار.

 

حصار وفقر وجوع وإذلال، دمار وموت في غزة، دماء عربية مسلمة تسيل بغزارة في العراق، بكاء وعويل وحزن وكآبة. عشرات الأرواح تُزهق كل يوم في اليمن، الذي تحول من سعيد إلى تعيس، لاقتتال الإخوة أبناء الوطن الواحد ومئات الآلاف من النازحين المشردين. دماء مسلمة بريئة تُسفك في الصومال، في أفغانستان وباكستان. جحافل جيوش العنصريين والحاقدين على الأمة العربية والإسلامية الطامعة في ثروات هذا الوطن الكبير، تربض وتُدنّس الأرض والشجر والحجر، تتربص شعوبه وتتحكم في سمائه وبحوره وثراه، تعمم الفساد وتحمي المفسدين. تعمل على نشوب الصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية وتغذّي الصراع العربي العربي والإقليمي لتُهلك قدراته وتُبذر أمواله.

 

وُظفِّت هذه العمائم التي أُغريت بالمال من أجل خدمة أهداف وأفراد، تُفتي وتُفسر، تُحلّل وتُحرّم ما يروق لأسيادها. نسيت فحوى رسالتها النبيلة، التي عليها أن تنقلها بأمانة وصدق وصراحة وجرأة إلى الأمة، فالصامت عن الحق شيطان أخرس. واجبها أن تنادي اليوم للجهاد والانخراط في صفوف المقاومة من أجل تحرير أرض اٍلإسراء والمعراج المقدّسة المُشَرَّفة والطاهرة، عليها أن تحث على التبرع من أجل دعم الصمود والمقاومة الوطنية والإسلامية، وإعالة أهلنا في غزة. عليها أن تنادي بتكثيف الحملات الإمدادية الطبية والغذائية والوقودية لكسر شوكة الحصار، عليها الدعوة بإصرار لوقف نزيف الدم العربي المسلم الطاهر والاقتتال بين الأخوة مهما كانت الأسباب والظروف، عليها أن تنبذ الفساد والمفسدين وترفض بحدة بيع القلم واللسان والضمير. هناك من الآيات القرانية الكريمة ما يكفي ويزيد لتستدل بها وتُدعِّم خطابها. هناك المئات من الأحاديث النبوية الشريفة التي يستطيعون بها تأكيد مصداقية دعوتهم وخطبهم. ليتذكر من لبسوا العباءة ووضعوا العمائم أنهم مهما طال الزمن، فهو قريب، وسيقابلون رب السموات والأرض جل وعلا، حين لا ينفع مال ولا بنون. فاصدقوا مع أنفسكم لتكونوا صادقين مع الله سبحانه وتعالى.

 

غداً تفكر الأغلبية المطلقة من حجاج بيت الله الحرام أن الله العلي القدير قد منحهم تأشيرة مجاملة للدخول إلى الجنة وأن الحور العين بانتظارهم. علينا أن نذكرهم أنهم لم يفوا بفرض الجهاد لتحرير بيت المقدس وأن الدين هو المعاملة وحسن النوايا والبعد عن الحسد والنميمة وإثم الظن. إن الله غفور رحيم، ولكنه أيضاً شديد العقاب ويُمهل سبحانه تعالى ولا يُهمل.

 

 

26/11/2009