الشعبية والديمقراطية إلى متى المواقف الزئبقية ؟!

 حسن خليل حسين

عندما يتابع الإنسان مواقف الجبهتين الشعبية والديمقراطية فيما يتعلق بالسلطة الفلسطينية وسياساتها وممارساتها يصاب الحيرة .. لا أدري لماذا هذا الغموض في اتخاذ القرار ؟ ولماذا لا نرى مواقف حازمة وقاطعة كما كان الأمر في عهد المرحوم الدكتور جورج حبش بالنسبة للجبهة الشعبية ، أمّا عن الديمقراطية فلقد عودنا أمينها العام المؤسس نايف حواتمه على المواقف الزئبقية والتي قد تتقاطع مع مواقف طرفي المعادلة ، وبالتالي نقع في دائرة التأويلات عندما نحاول فهم مواقفنا .. ربما هي طبيعة السيد نايف حواتمه في إغراق الساحة بطوفان من الشروحات والاستنباطات بحيث يخرج السامع أو المتتبع لما يقول بما يشبه الحيرة في فهم ما يرمي إليه فيلسوف الجبهة الديمقراطية .

ونحن في هذه الأيام نعيش مرحلة حاسمة بخصوص المصالحة الفلسطينية وتحقيق الوحدة الوطنية في ظلّ الانقسام الخطير الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في جناحي الوطن ( الضفّة والقطاع ) ونحن بحاجة إلى وضوح مطلق في تحديد المواقف مما يجري على الساحة الفلسطينية .

فالورقة المصرية للمصالحة الوطنية تعالج قضايا هامة ومصيرية وملحّة ، وهي إصلاح الأجهزة الأمنية ، وتشكيل حكومة وحدة وطنية ذات برنامج يحافظ على المشروع الوطني الفلسطيني بكلَ ما يتضمنه من الثوابت الوطنيّة ، وكذلك إصلاح مؤسّسات منظمة التحرير الفلسطينية بعدما أصابها التكلّس ، وأحياناً الترهّل والإهمال .

وكنّا نسمع من الجبهتين مواقف انتقادية من كيفية إدارة دفّة الحوار بخصوص ورقة المصالحة ، خاصّة ما يتعلق بتفرد حركتي فتح وحماس بالاجتماعات والنقاشات دون إعارة الآخرين أدنى اهتمام . كان يجب أن يعلو صوت الانتقاد والاعتراض على هذا الأسلوب ليصل إلى حدّ التهديد بالمقاطعة لأيّ اتفاق محتمل ما لم يشاركوا فيه لكنّنا كنّا نسمع فقط انتقادات لموقفي فتح وحماس ، وكأنّهما المسؤولان عن ذلك الأسلوب .

وبخصوص اجتماعات المجلس المركزي الذي أصابه الاهتراء رغم كلّ محاورات الترقيع والترميم فنحن لم نسمع من قادة الجبهتين أيّ اعتراض على أسلوب دعوة هذا المجلس ليكون دوره فقط دور المتلقي لما يراه أو يريده رئيس السلطة وقائد فتح بما يتضمنه ذلك من هجوم شديد ومسفّ في التهجم والسباب لا يليق برئيس السلطة ضدّ الفريق الآخر الممثّل في حركة حماس ، ولم نسمع أيّ صوت يطالب باتباع أسلوب تضميد الجراح وليس تعميقها .

وعندما طرح قائد فتح ورئيس السلطة موضوع الدعوة إلى إجراء الانتخابات في24 / 1 / 2010
م والذي من شأنه أن يعمق هوة الانقسام ، ويزيد الشرخ اتساعاً في وقت ينتظر فيه الشعب الفلسطيني في شقي الوطن وفي المنافي قرب انفراج الأمور والتئام الصف الوطني لمواجهة الخطر الصهيوني الداهم الذي يهدد الأقصى المبارك ، ويعمل على تهويد مدينة القدس . أمام هذا التوجه من قبل قائد فتح لم نسمع من الجبهتين ، ولم نلمس موقفاً حازماً وصريحاً يقول لرئيس السلطة .. مكانك قف ..لقد تجاوزت الخطوط الحمراء . لم نسمع من الجبهتين تهديداً بالانسحاب من مؤسسات
( م . ت . ف ) كما حدث في السبعينيات سنة 1978م ، وكما حدث عام 1982م في أعقاب زيارة الرئيس ياسر عرفات للقاهرة بعد حصار بيروت مما يتعارض من الموقف الفلسطيني المعارض لاتفاق كامب ديفيد ، ومقاطعة العرب للنظام المصري ، فكانت هناك جبهة الرفض.

لماذا لا يحدث مثل هذا إزاء تهرّب السيّد محمود عبّاس من استحقاق إصلاح منظمة التحرير حسب اتفاق القاهرة عام 2005م ؟! هل حقّاً ما نسمعه بأنّ السيّد محمود عبّاس يقدّم الهبات والعطايا الماديّة على المنظمات المنضوية تحت سقف ( م . ت . ف ) مقابل سكوتها عن تجاوزاته ؟!


إذا كان هذا مقبولاً من قبل المنظمات العدمية التي يسميها الصديق رشاد أبو شاور بالأصفار ، فالأمر لا يمكن قبوله من أكبر فصيلين بعد حركة فتح ممن ينضوون تحت خيمة المنظمّة ؟!


ألهذا الحدّ يبلغ التدنّي في مواقف قادة الجبهتين ؟!

ألا ترون يا قادة الشعبية والديمقراطية في هذه المواقف التي قد تصل إلى درجة الخنوع ، ألا ترون فيها سبباً رئيسياً في انهيار شعبية الجبهتين ، والتي كانت واضحة في القطاف الهزيل الذي حصلنا عليه في الانتخابات التشريعية ( يناير 2006م ) حيث تساوى معكما في النتيجة رجل فرد لمجرد نزاهة مواقفه وجرأته في قول الحقيقة ؟!

نريد من قادة الجبهتين رأياً بل موقفاً صريحاً وجريئاً وحازماً في الشروط التي يضعها الرئيس عباس أمام حماس والجهاد بوجوب الاعتراف باتفاق أوسلو وشروط الرباعية لكي يسمح لها بدخول مؤسسات منظمة التحرير والانتخابات التشريعية بينما أنتم ترفضون أوسلو والرباعية لكنكم أعضاء في المنظمة . وهل المنظمة باتت حكراً على فتح وأخواتها ؟ وما دمتم ثواراً فأين موقفكم من نزع سلاح الثوار والزج بهم في السجون ؟

كفى هروباً يا قادة الجبهتين .. فالعمالقة لا يتقزمون من قبل الآخرين ، وإنّما من ذاتهم يكون التقزيم ؟! لا نريد منكم أن تكونوا نسخة كربونية من ياسر عبد ربه ورفاقه ؟! فالقادة الرجال مواقف !

hussein.khalel@yahoo.com

08/11/2009