المقاطعة ومعاداة السامية..!!

عمر صبري كتمتو*

تسود الوسط الأكاديمي النرويجي هذه الأيام حالة من الغليان القائم بين معسكرين داخل واحدة من أهم الجامعات النرويجية في مدينة "تروندهايم". انه المعهد العالي للعلوم التقنية والطبيعية, ويعتبر هذا المعهد ثاني أكبر جامعة في النرويج بعد جامعة (بلندرن) أو كما اصطلح على تسميتها بجامعة أوسلو لوجودها داخل العاصمة النرويجية.

واحتدام المعركة هذا يزداد سخونة كلما اقتربنا من يوم الخميس القادم 12 تشرين الثاني الجاري ذلك لأن يوم الخميس هو اليوم الذي سوف تتخذ فيه الجامعة المذكورة قرارها فيما اذا كانت ستقاطع الجامعات والمعاهد الأكايمية الاسرائيلية أم لا.

ويشارك في هذه المعركة سفير اسرائيل لدى النرويج (مايكل آيغال) بشكل نشيط وفعال ومعه مجموعة من النشطاء السياسيين النرويجيين الداعمين لاسرائيل, وعلى رأسهم الحزب الديمقراطي المسيحي, وكما هو معروف فان مركز سيمون فيسينتال اليهودي لحقوق الانسان قد تم تعميده بهذا الاسم تخليدا لذكرى سيمون فييسنتال المهندس النمساوي اليهودي الذي نجا من الموت ابان الحرب العالمية الثانية, والذي وهب حياته لاصطياد النازيين اذ كان له الفضل والمساهمة الفعالة في كشف واعتقال ضابط الغستابو الألماني (كارل سيلبرباور).
أما مؤسس المركز وعميده الآن فهو الحاخام (مارفين هيير) ومن نشطائه (ايلي فيسيل).

في خضم هذه المعركة, وجه السفير الاسرائيلي رسالة حادة اللهجة استخدم فيها الاسطوانة القديمة باتهام كل من ينتقد اسرائيل بمعاداة السامية, كما أنه أشار في رسالته الى أن برنامج الندوات الذي أعدته الجامعة بخصوص الصراع االفلسطيني الاسرائيلي هو غير متوازن وأحادي الجانب بمعنى أن البرنامج مناصر للفلسطينيين, خاصة وأن أحد المدعوين لالقاء محاضرة عن هذا الصراع هو أستاذ التاريخ والمؤرخ الاسرائيلي المعادي للصهيونية (ايلان بابي).

والغريب في الأمر أن مدير الجامعة النرويجية البروفيسور (توربيورن دييغرنيس) هو نفسه ضد المقاطعة, وذنبه الوحيد أنه وافق على مناقشة هذا الأمر داخل حرم الجامعة من خلال سلسلة من المحاضرات, وبمبادرة جاءت من برفيسوريهودي نرويجي يعمل في الجامعة ذاتها واسمه (مورتن ليفين) مع زميل له هو البروفيسور (رونه سكارتاين), اضافة لأربعة وثلاثين توقيعا مؤيدا لأكاديميين نرويجيين في منطقة (ترونديلاغ) وحدها, وهي المنطقة الجغرافية التي تقع فيها الجامعة, ولهذا فان مدير الجامعة ضاق ذرعا بالهجوم الحاد الذي يتعرض له كلما فتح جهاز الحاسوب, وأبدى امتعاضه حين صرح قائلا باستغراب: ان الضجة التي أثيرت حول هذا الموضوع غير مسبوقة وغير مفهومة ومفاجئة.

وكان عليه أيضا أن يتحمل الكلام القاسي الذي وصله من خلال رسالة مركز سيمون فييسسينتال اليهودي لحقوق الانسان بخصوص المقاطعة الأكاديمية, والذي تضمن لغة جارحة وغير مسبوقة. فقد شبهته الرسالة بالمدراء النازيين في ألمانيا خلال عهد هتلر والنازية, وبأنه بعمله هذا يثير ويغذي الكراهية لليهود ومعاداة السامية.

كما وجه هذا المركزاليهودي رسالة الى رئيس الوزراء النرويجي السيد (يانس ستولتينبرغ) مع نسخة منها الى رئيسة مجلس ادارة الجامعة المذكورة, السيدة (ماريت آرنستاد) ومما جاء في سياق الرسالة النص التالي: (ان فيروس معاداة السامية الذي أصاب الاعلام النرويجي والنقابات النرويجية والدوائر الحكومية في النرويج, قد تسلل الآن الى داخل الوسط الأكاديمي). ولذا نطالب رئيس الوزراء (ستولتينبرغ) العمل على البحث والتمحيص لايقاف هذا التنامي لمرض معاداة السامية في النرويج.

تجدر الاشارة الى أن يوم الاربعاء القادم سوف يتقدم عضو البرلمان عن الحزب الديمقراطي المسيحي السيد (هانس أولاف سيفيرسون) بسؤال موجه لوزيرة التعليم العالي السيدة ( تورا أوسلاند) فيما اذا كان يحق للجامعات والمؤسسات الأكاديمية النرويجية اتخاذ قرار بالمقاطعة. السيدة (تورا أوسلاند) هي عضو في الائتلاف الحكومي عن الحزب الاشتراكي اليساري والذي تترأسه السيدة (كريستسن هالفورسن) والتي كانت قد طالبت بمقاطعة اسرائيل عملا بما حدث مع جنوب أفريقيا ابان نظام الفصل العنصري.

لا تنس ياعزيزي القارئ بأن مركز حقوق الانسان هذا, كان قد وجه رسالة الى الرئيس أوباما يحثه فيها على استخدام الفيتوضد تقرير غولدستون الخاص بحقوق الانسان والأهم ألا تنسى أنه مركز يهودي مختص بحقوق الانسان.

وباعتقدنا –للأسف- فان اتخاذ قرار بالمقاطعة أمر غير أكيد حتى الآن.



* سفير فلسطيني سابق مقيم في النرويج. - omaki@online.no