فنجان قهوة

أصدقاء غيّروا العالم

 صالح الخريبي

24/11/2009

القمريون: “خمسة أصدقاء غيّروا العالم”، كتاب موضوعه خمسة من أبرز العلماء في القرن الثامن عشر في أوروبا، من تأليف الباحثة جيني أوغلو. والأصدقاء الخمسة ينتمون إلى مدرسة علمية اسمها “الجمعية القمرية” وهم يحملون لقب “القمريون” لأنهم كانوا يلتقون ليلاً، عندما يكون القمر بدراً مكتمل الضياء يملأ نوره الآفاق، لا ليبثوا لواعج أشواقهم ويسألوا الليل وبدره ونجومه أن يجلب لهم من الحبيب كلمة، وإنما لمناقشة أبحاثهم العلمية وتبادل الرأي حول مختلف الأمور العلمية والثقافية، والأصدقاء الخمسة هم: ماثيو بولتون، وهو صناعي بارز وخبير في المعادن والمناجم، وجيمس واط الذي اخترع الآلة البخارية، وإيراسموس داروين، جد تشارلز داروين، وجوس ويدجوود الذي أدخل تطويرات كبيرة على الآلة بحيث جعلها عاملاً أساسياً في الصناعة، وجوزيف بريستلي، مكتشف الأوكسجين. وكان الخمسة يلتقون في ضوء القمر لأن التنقل في الليالي المظلمة في أوروبا كان ينطوي على الكثير من المغامرة، حيث اللصوص وقطاع الطرق ينتشرون في كل مكان، يترصدون العابرين لسلبهم أموالهم وحاجياتهم وقتل من يحاول مقاومتهم، ولعل هذا هو السبب الذي جعل تشارلز ديكنز يقول في إحدى قصصه “إن الحياة الاجتماعية في لندن محكومة بأوجه القمر، واللقاءات العائلية كانت تتم في الليالي التي يكون فيها القمر بدراً”.



ولقاءات أعضاء “الجمعية القمرية” كانت تبدأ بتناول العشاء، حيث تتجمع النساء في ساحة المنزل حول مواقد النار لشوي السمك واللحم والدجاج، وحولهن أطفالهن يمرحون ويلعبون، بينما الرجال ينظرون إليهم بسعادة، وبعد العشاء وتناول الفواكه تختفي النساء والأطفال، ويفرد العلماء الخمسة أدواتهم وآلاتهم وأوراقهم، فيشرح ويدجوود نتائج محاولاته لعزل الكوارتز ويقدم لأصدقائه نماذج من هذا المعدن، ويعرض جيمس واط رسوماً لنموذج الآلة البخارية التي اخترعها، ويستمر النقاش حتى ساعة متأخرة من الليل، ثم يعود كل واحد إلى منزله مع زوجته وأولاده، ليقضي ما تبقى من ليالي الشهر مع أبحاثه، وفي التفكير بأبحاث أصدقائه والنتائج التي توّصلوا إليها.



ويذكر جوزيف بريستلي في مذكراته أنه عرض في أحد لقاءات “الجمعية القمرية” على زملائه نتائج بحث أثبت فيه أن الماء ليس عنصراً كما يظن العلماء، وإنما هو مزيج من الهيدروجين والأوكسجين، ولم يدرك زملاؤه أهمية هذا الاكتشاف، إلى أن سمع به أنكوان لافوازييه عام 1783 فأعد بحثاً مهماً عنه.



وكم يبدو طريفاً أن نتابع الآن الطريقة التي كان يعمل بها أولئك العباقرة الذين صنعوا النهضة الإنسانية ونقلوا البشر من عصور الظلام إلى النور، إلى عصر بات فيه “الاكتشاف المذهل”، بأن الماء يتكوّن من الأوكسجين والهيدروجين، معروفاً حتى لدى طلاب المدارس الابتدائية في مدارسنا، وإلى عصر يسألك ابنك فيه، عندما تحدثه عن الآلة البخارية التي مهدت للصناعة الحديثة: “ما الآلة البخارية” لأن الآلات التي تعمل بالبخار تجاوزها الزمن بكثير.


abukhaldoun@maktoob.com

 

* كاتب فلسطيني - محرر في صحيفة الخليج الامارتية