الأمن "الإسرائيلي" و التواطؤ الصارخ مع إرهاب المستوطنين

 تحسين الحلبي


2009-11-03


الإرهاب الذي ينفذه المستوطنون في الأراضي المحتلة بين فترة وأخرى لم يكن ليستمر لولا السجل التاريخي للإرهابيين المستوطنين الذين بدؤوا نشاطهم المنظم منذ عام 1980 بتفجير سيارات رؤساء البلديات الفلسطينية في نابلس ورام اللـه والخليل، فهذا السجل شكّل المبرر الذي يشجع جميع المستوطنين على تنفيذ عمليات القتل والتفجير ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. فيهودا عتصيون أحد قادة تلك العملية بقي طليقاً حتى عام 1983 ثم أجبرت أجهزة الأمن الإسرائيلية على اعتقاله بعد محاولة تفجير قبة الصخرة في القدس المحتلة ومطاردة الحراس الفلسطينيين للقبة له ما جعل قوات الشرطة الإسرائيلية تنقذه منهم بإعلان اعتقاله بعد فشل الانفجار الذي أعد بمئات الكيلوغرامات من المتفجرات وأريد تفجيرها في قاعة قبة الصخرة المقدسة أثناء وجود المصلين فيها.
فبعد أعوام قليلة اختفى فيها عتصيون عن الأنظار هو ومجموعته التي قتلت عدداً من الفلسطينيين أعلنت سلطات الأمن أنه أمضى عدة سنوات في السجن ثم عفا عنه رئيس الدولة في عهد شامير عام 1986 مع مجموعته.. ولم يكن من المستغرب أن يعلن عتصيون وشريكه في عملية محاولة تفجير قبة الصخرة في مقابلة مع القناة (10) الإسرائيلية قبل عامين أثناء حوار مع مراسلها أنه سيكرر المحاولة حتى تزول هذه القبة ويحل محلها الهيكل المزعوم ويبقى طليقاً رغم اعترافه بمحاولة العمل على تفجيرها ثانية!؟


لقد ولّد جيل الإرهابيين المستوطنين الذين تدعمهم الحكومة الإسرائيلية سراً وبشكل غير مباشر أحياناً جيلاً جديداً من الإرهابيين الجدد كان من بينهم (يعقوب تايتل) 37 عاماً الذي أجبرت أجهزة الأمن الإسرائيلية على اعتقاله علناً بعد أن تبين لها أنه استهدف في بعض عملياته شخصيات إسرائيلية مثل البروفيسور (زئيف شتيرنهيل) قبل عام، ومثّل محاولة وضع متفجرات لإصابة مستوطن من المتشددين بهدف استفزاز المستوطنين ضد الفلسطينيين.


وكشفت الصحف الإسرائيلية أن (يعقوب تايتل) اعترف طواعية بتنفيذ عمليات قتل ضد الفلسطينيين للشاباك (الأمن السري الداخلي الإسرائيلي) وبشكل لم يكن يفضله رجال (الشاباك) لأن ذلك سيحرجهم عند فبركة لائحة الاتهام لكن (تايتل) كان يعرف أن إعلانه عن قتل الفلسطينيين سيخلق تعاطفاً من القضاة ورجال الأمن وجمهور المستوطنين معه على غرار ما حدث مع (عتصيون) من قبل ولذلك قال أمام المسؤولين عن الأمن وكذلك أمام الصحافة متبجحاً، إنه بدأ قتل الفلسطينيين منذ عام (1997) حين قتل سائق تكسي فلسطينياً من القدس المحتلة ثم قتل راعياً فلسطينياً في العام نفسه.


وإلى جانب هذه العمليات انتقل (تايتل) في أعوام أخرى إلى وضع متفجرات في بعض المواقع الاستيطانية لتحريض المسلحين المستوطنين على قتل الفلسطينيين المقيمين في القرى المجاورة للمستوطنات.


لكنه لم يعترف إلا بعدد قليل من هذه العمليات التي استهدف فيها الإسرائيليين دون التسبب بقتلهم، ففي عام 2006 وضع عبوة متفجرة في مستوطنة «عالية» وفي أيار 2007 وضع عبوة في سيارة شرطة في مدينة القدس المحتلة لتنفجر دون أن تؤذي أي إسرائيلي بهدف تحريض الشرطة على اعتقال وقتل الفلسطينيين أو إبعاد عدد منهم إلى خارج القدس. وفي العام نفسه ركز نشاطه الاستفزازي هذا في مدينة القدس ليضع عبوة ثانية في حزيران 2007 بسيارة شرطة أخرى، وفي عام 2008 وضع عبوة عند بوابة منزل البروفيسور (شتيهرنهيل) فانفجرت دون إصابة أحد بشكل متعمد، وقيل حينها إن (شتيهرنهيل) نشر مقالاً انتقد فيه المتشددين الإسرائيليين.


ويبدو أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تريد غسل دماغ الرأي العام باعتقالها «تايتل» وإبلاغ الصحافة بما نفذه من عمليات لكي تحاول الظهور بمظهر من «يطبق القانون» وهي التي امتنعت عن اعتقال مستوطنين ظهرت شخصياتهم علناً في تصوير تلفزيوني قبل عام وهم يطلقون النار على فلسطينيين مدنيين من نساء وشيوخ قرب إحدى قرى الخليل وأصابوا بطلقاتهم عدداً منهم على مرأى من عدسات التصوير الحي.


فالإحصاءات الفلسطينية تشير إلى مقتل عشرات المدنيين الفلسطينيين بنيران المستوطنين منذ عام 2000 وإصابة عشرات آخرين، ورغم ذلك لم تعلن أجهزة الأمن الإسرائيلية إلا عن اعتقال (تايتل) بتهمة قتل أربعة من الفلسطينيين فقط، كذلك طالب محامي الدفاع عن الإرهابي (تايتل) بالإفراج عنه لأنه «غير متوازن» من الناحية النفسية ولأن اعترافه العلني بكل هذه العمليات ناجم عن أزمة نفسية بموجب ما يريده، وطلب إرساله إلى لجنة أطباء من المختصين بعلم النفس.


وحملت ردود فعل الحاخامين وقادة المتدينين اليهود في إسرائيل مظاهر واضحة في عدم انتقاد ما قام به المستوطن المتدين (تايتل).


فقد أعلن الحاخام الأكبر لليهود الأشكناز في إسرائيل (يونا ميتسغير) أن المطلوب هو ضبط النفس تجاه موضوع (تايتل) والتدقيق في صحة أو عدم صحة ما نسب إليه.
ورأى الحاخام (شلومو افينير) أحد أهم دعاة هدم المسجد الأقصى لبناء الهيكل أن المطلوب من المستوطنين عدم توجيه أي انتقادات (لتايتل) الآن وزيادة وحدة المتدينين المستوطنين من أجل تحقيق الأهداف وشن حملة على (الغوييم) غير اليهود وكأنه يحملهم مسؤولية ما جرى.


وكشفت صحيفة يديعوت أحرونوت أن جيران (تايتل) وعائلته في المستوطنة ذهلوا من اعتقاله لأنهم كانوا يعتقدون أنه موظف في (الشاباك) جهاز الأمن السري الإسرائيلي وأنه حصل على إجازة بحمل السلاح علناً من (الشاباك) وأفاد جيرانه بأنه ليس مجنوناً وهو متوازن نفسياً ويعرف ماذا يفعل ولماذا يقوم بهذه الأعمال!




تحسين الحلبي