بسم الله الرحمن الرحيم
هل يكرر الرئيس أبو مازن أخطر خطايا اتفاق أوسلو مره أخرى؟ - *بقلم : علاء أسعد الصفطاوي
بالرجوع بالتاريخ الفلسطيني قليلا الى الوراء ..، بالتحديد منذ توقيع اتفاق أوسلو الذي قاد التفاوض على بنوده السيئه سرا الرئيس عباس نفسه في عواصم غربيه متعدده كان أهمها العاصمه أوسلو ووقعه هو بنفسه نيابه عن الطرف الفلسطيني أمام ساحه البيت الأبيض الأمريكي في سبتمبر من العام 1993 يدرك المتفحص المحايد لهذا الاتفاق كم كان مجحفا ومأساويا بحق الفلسطينيين في كثير من جوانبه ..، فقد نصت بنود اتفاق اوسلو على قيام الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي بخطوات تبادليه متدرجه ومتزامنه تندرج تحت حجه " إعاده بناء الثقه بين الطرفين " ..، كان أهم هذه الخطوات اعاده تموضع القوات الاحتلاليه الاسرائيليه من مواقعها داخل المدن الفلسطينيه الى مواقع خارج هذه المدن والمناطق السكنيه المكتظه الى مواقع جديده حددها الاتفاق في مقابل قيام الفلسطينيين بخطوات ملموسه لانهاء انتفاضتهم والسماح بدخول قوات فتح ومنظمه التحرير الفلسطينيه وقياداتها وكوادرها من الخارج لاستلام هذه المناطق وإدارتها حسب بنود الاتفاق والذي أقر بدوره للفلسطينيين لأول المره حقهم في اقامه سلطه ذاتيه منتخبه لاداره شئونهم الحياتيه سماها الاتفاق "بالسلطه الفلسطينيه" على تكون ولايتها ابتداء على مناطق قطاع غزه وأريحا ثم تمتد لاحقا الى غالبيه مدن الضفه الغربيه ..وهو ما حدث فعلا رغم العثرات الكثيره التي اعترضت تنفيذ الاتفاق على الأرض والتي لا مجال هنا للاسهاب في الحديث عنها ..
من المفيد أن أذكر هنا أن مشكله قوى المعارضه والمقاومه الفلسطينيه التي برزت مع قياده منظمه التحرير عقب توقيع اتفاق اوسلو لم تكن حقيقه في قيامها بالتفاوض مع العدو التاريخي للشعب الفلسطيني وللأمه العربيه "اسرائيل " ..فمسأله التفاوض مع العدو بحد ذاتها يمكن إن نلتمس لها الكثير من المبررات والأعذار خاصه أن الرسول محمد عليه أفضل الصلاه والسلام قد جلس للتفاوض مع أعدائه في محطات عديده كان أهمها واقعه "الحديبيه " ..، ولكن المشكله كانت تكمن في جوانب كثيره وخطايا أكثر ارتكبتها القياده الفلسطينيه كان أهمها ..
أولا : في الأساس الهش والرخو الذي بنيت عليه اتفاقيه (السلام) ، فالاتفاق كفكره قد ساوى بين الضحيه وجلادها حين حدد ابتداء خطوات تبادليه لما ادعاه الفريق الاسرائيلي : "عمليه بناء الثقه".. وبذلك كان على الفلسطيني المطرود والمهجر والمذبوح والمحتله أرضه ومقدساته أن يثبت حسن نيته ورغبته الصادقه في السلام في كل الخطوات التي يتوجب عليه تنفيذها حسب بنود الاتفاق عكس ما يفترض أن يكون عليه الحال في العلاقه بين المعتدي والمعتدى عليه وبهذا وحده حقق الاسرائيليين على الأرض وبشكل عملي مضمون رؤيتهم الاستعلائيه للصراع من أنه صراع على مناطق متنازع عليها وليس بين شعب يعيش تحت الاحتلال وبين محتليه المعتدين ..
نفهم أن يجري التفاوض بين المحتل والقوى التي تقاومه وفق أجنده قوى المقاومه نفسها وذلك بهدف ترتيب اجراءات رحيل الاحتلال .. لإ بهدف إعاده تنظيم هذا الاحتلال وترتيب تموضع قواته من جديد في المناطق التي يحتلها ..
ما حصل مع الفلسطينيين هو عكس الذي حدث مع كل الثورات التحرريه المعاصره ، فقاده الثوره الفيتناميه والجزائريه –على سبيل المثال- استندوا في قبولهم للجلوس على طاوله التفاوض مع قوات الاحتلال الفرتسيه والأمريكيه على مبدا غير قابل للتفاوض عليه وهو رحيل الاحتلال وإعلان الاستقلال.. أما في الجانب الفلسطيني فكانت هذه هي الخطيئه الأولى من خطايا أوسلو التي ارتكبتها قياده منظمه التحرير بحق فلسطين وشعبها وقضيتها وكانت هي الأساس الذي من خلاله تمكنت اسرائيل من التلاعب بمصير القضيه الفلسطينيه وربطها بالمزاج السياسي الاسرائيلي العام وتقلباته واستغلال هذه الثغرات لوقف تنفيذ الالتزامات الاسرائيليه الوارده في الاتفاق تحقيقا للاستيلاء على المزيد من الأرض العربيه في فلسطين ومصادرتها وتعزيز الاستيطان في الضفه الغربيه بشكل متضاعف وغير مسبوق ..
ثانيا : لم ينص الاتفاق صراحه ولا ضمنا ضمن أجنداته المتدرجه على تاريخ محدد لقيام الدوله الفلسطينيه السياديه المستقله ..، بل ترك هذا الأمر عائما وخاضعا لإراده وقرار الطرف الاسرئيلي حسب تقييمه لأداء السلطه الفلسطينيه ومدى اثبات حسن نيتها في تنفيذ التزاماتها الوارده في الاتفاق وبهذا دخلت كل الاجراءات الفلسطينيه المتخذه لاثبات حسن النيه في حلقه مفرغه (من اللف والدوران) خاضعه للتفسيرات المخادعه والتأويلات المتغطرسه للطرف الاسرائيلي انتهت (باكتشاف) الاسرائيليين بعد أكثر من عشر سنوات من التعاون والتنسيق الأمني المشترك الى أنه لا يوجد شريك فلسطيني ..وبالتالي عادت الأمور كلها الى نقطه الصفر باستثناء أمر اساسي واحد وهو استمرار وجود الاحتلال واستمرار مصادره الأرض الفلسطينيه وتهويدها ولكن بإقل التكاليف على المحتل في ظل وجود سلطه مثقله بالالتزامات أريد لها أن تخفف من أعباء الاحتلال لا أن تزيله ..! وهذا هو الهدف الاساسي الحقيقي من اتفاق أوسلو.
ثالثا : كانت الكارثه الثالثه التي لحقت بفلسطين وقضيتها وشعبها كارثه اقتصاديه من الدرجه الأولى فقد أعطى اتفاق باريس الاقتصادي الموقع لاحقا بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني أعطى الاسرائيلي الحق في جبايه الضرائب الجمركيه على السلع والخدمات التي تدخل الى مناطق الحكم الذاتي الفلسطينيه عن طريق الموانىء البحريه والبريه الاسرائيليه وبهذا رهن الاتفاق لقمه عيش الفلسطينيين ورواتب موظفي سلطته الوليده الى المحتل الاسرائيلي نفسه ومزاجه السياسي خاصه وأن مجمل مبالغ هذه الضرائب المستقطعه تغطي أكثر من ثمانين في المائه من الواردات الماليه للسلطه وهو ما سمح لاسرائيل لاحقا بخنق السلطه وممارسه الضغط الاقتصادي المميت عليها عبر وقف تحويل هذه العائدات الضريبيه المجباه الى حساب السلطه تحقيقا لغايات سياسيه حاقده أساسها دفع الفلسطينيين للتنازل عن ثوابتهم وأهمهما قضيه اللاجئين ودفعهم للتسليم لمشيئه السيد الاسرائيلي وخططه المشبوهه وتلقي ما يسمح به هامش الاجماع الوطني الاسرائيلي من (عطايا ومنح ومكرمات ) احتلاليه حقيره ..!فهل يرتكب من ارتضوا لأنفسهم تمثيل فلسطين اليوم في مؤتمر باريس الثاني أن يلحقوا مجددا بشعبهم وأمتهم العار والإثم والكارثه الاقتصاديه التي قد تتمظهرفي اتفاق يكرس ولاده كيان فلسطيني اقتصادي هش ملحق وتابع في كل شيىء لجزاره التاريخي المحتل ..!؟؟
رابعا : الأنكى من كل ذلك كان الخطيئه الرابعه والأكثر فداجه وعارا ومأساويه وتمثلت في قصه التنسيق الأمني بيسن أجهزه أمن السلطه الفلسطينيه (والذي تدخلت اسرائيل بنفسها في تعيين بعض رموزها وبين جهاز الأمن الداخلي الاسرائيلي (الشاباك) ..، ولمن يجهل جقيقه وخفايا التنسيق الأمني فيجدر القول هنا أن اتفاق أوسلو وتوابعه نص على مبدأ التعاون والتنسيق بين أجهزه أمن كل من السيد الاسرائيلي وتابعه السلطه الفلسطينيه في كل ما يتعلق بمكافحه (الارهاب )، والارهاب هنا يعني قوى المقاومه الفلسطينيه والتي جرت محاولات عديده لاستئصالها عبثا عبر العديد من الطرق والاساليب كان منها محاوله قتل أواعتقال كوادر ورموز حركتي حماس والجهاد الاسلامي والشعبيه والديمقراطيه.. بل وبعض أجنحه فتح المقاومه ومطاردتهم وقطع ارزاقهم وترقين قيد من يعمل منهم في أجهزه السلطه الفلسطينيه ..، لقد كشفت التحقيقات التي أجرتها مؤخرا أجهزه أمن حكومه تسيير الأعمال في غزه بعد أن وقع في أيديها عده أطنان من وثائق التنسيق الأمني الموجوده داخل مقار الأجهزه الأمنيه التي سيطرت عليها ، كشفت مدى الارتهان والفحش والايغال في الرضوخ لاملاءات السيد الاسرائيلي وتعليماته بشأن رصد وملاحقه رموز المقاومه الفلسطينيه وعناصرها من كل الفصائل بلا استثناء .. وهي ظاهره أمنيه فريده من نوعها لم تقدم على فعلها أيه مجموعه أمنيه فلسطينيه منظمه منذ تاريخ انطلاق حركه التحرر الوطني الفلسطيني من بدايه الثلاثينيات من هذا القرن ..ولو كان القائد الوطني الكبير صلاج خلف رحمه الله لا زال حيا - وهو الذي أنشأ أحد أكفأ جهاز أمني( مقاوم) في المنطقه العربيه بشهاده الكثيرين (جهاز الأمن الموحد) - لاستقال فورا من عضويه فتح ولجنتها المركزيه ..ولتبرأ من كل ما ألحقه بعض رموز هذا الجهاز من مخالفات بل وجرائم بحق حركه "فتح" أولا ومنظمه التحرير ثانيا والشعب الفلسطيني ثالثا والأمه العربيه رابعا وأخيرا.
لم يحدث في التاريخ الحديث أن أقدم جزء من شعب محتل إرضاء لعدو هذا الشعب وهو الاحتلال على ملاحقه الجزء الآخر منه-وهو ما زال تحت الاحتلال- لإن هذا الجزء الآخر يصر على مقاومه محتله ..(!!) ، لقد كانت دوره التنسيق الأمني تبدأ بعنصر الرصد للهدف وتنتهي غالبا إما بالاعتقال أوأحيانا بالتسليم أو الاستهداف بالقتل للعنصر المقاوم ، ولم يقتصر التنسيق الأمني على مبدأ جمع المعلومات وتسليمها الى الجانب الاسرائيلي (ملفات) كما حاول البعض تصويره ، بل كان أبعد من ذلك واخطر كما اثبتت الوثائق والتحقيقات الأخيره ..لذلك أقول ومن على هذا المنبر إن أيه سلطه وطنيه فلسطينيه ذات سياده حقيقه ينبغي عليها أن تحرم ممارسه أوالتعاطي بأي شكل من الأشكال مع جريمه التنسيق الأمني ويفترض بهذه الدوله السياديه أن تقدم من يرتكبون هذه الفاحشه من قادتها الأمنيين الى المحاكمه العلنيه العادله لإزاله هذا العار الذي لحق بمجمل النظال الوطني الفلسطيني .. ومن يتنازل عن هذا المبدأ فهو مشارك في جريمه التنسيق الأمني سواء رضي أم لم يرض ..!
لقد اسهمت قياده منظمه التحرير بارتكابها لهذه الخطايا والمحرمات بعد أن كانت رافعه من روافع النضال الوطني الفلسطيني – سواء رغبت أو أكرهت على ذلك - اسهمت في تحطيم الصوره الوطنيه للنضال الفلسطيني وتدمير المنظومه القيميه لأبناء فلسطين وبذلك أضحت منظمه التحرير ومعها سلطتها الذاتيه الوظيفيه الأمنيه الاداريه في القطاع والضفه وخاصه بعد اعترافها المجاني ياسرائيل عاله وعبء كبير على الشعب الفلسطيني ليس أقل من ذلك ..
لذلك كنت أعجب من بعض فصائل المقاومه التي تصر على الدخول فيها تحت حجه اصلاحها بعدما أفسد الزمن الاسرائيلي ما حاول العطارون الفلسطينيون اصلاحه ..
واليوم وبعد سيطره حركه حماس على مقار الأجهزه الأمنيه – وهو القرار الذي أتحفظ عليه- وبعد وصول الأمور الى ما وصلت اليه من تمزق في النسيج السياسي والاجتماعي لهذا الوطن بفعل عدم اقتناع قاده فتح نفسها من أن فتح فعلا خسرت في الانتخابات وبالتالي عليها أن تنسحب من الحكم وتمارس المعارضه الصادقه ، فإذا ببعض اجنحتها يتحول الى أداه هدم لتحقيق طموحات بعض الزعامات الشابه من حمله الحقائب الدولاريه وممن لم تسمح لهم ديمقراطيه فتح المقننه بالارتقاء الى درجات أعلى في سلم الهرم القيادي ..!
لم يعد الشعب ساذجا وبات الجميع يعلمون أن حصار قطاع غزه كان امتدادا حقيقيا وأصيلا لحصار القائد الراحل أبو عمار لسبب بسيط أنه قال للسيد الأمريكي والاسرائيلي في كامب ديفيد الثانيه : (لا) .. ولأن حماس حاولت هي كذلك أن تقول (لا) وأصرت على ذلك .. بالرغم من كل أخطائها المتراكمه وقلّه خبرتها في ألاعيب السياسه ومزالقها ..وللأسف فإن أدوات ورموز الحصار السابقين هم الذين يسيطرون اليوم على قرار فلسطين في بعض أجزائها وهم الذين يمارسون اليوم سياسه اداريه مشبوهه لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأمم والشعوب .. فلأول مره يُطلب من الموظف أن يجلس في بيته مقابل أن يقبض راتبه .. ، و من يعمل ولا يضرب عن العمل يحرم من راتبه ..وهو ما تفعله اليوم حكومه "فياض" بكل أسف..، لأول مره نعلم إن العصيان المدني يقبض المرء في مقابل المشاركه فيه الراتب و الشواكل والدولارات ومن لا يشارك في العصيان يحرم منها .. نعم إنه عصيان مدني حقيقي .. ولكن بنكهه أمريكيه وبطعم اسرائيلي ..لأول مره نعلم أن صلاه الجمعه في العراء أصبحت فرض والصلاه داخل المساجد سنه غير مؤكده (!!) ، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم وبقوه خاصه على ضوء نتائج مؤتمر مؤتمر " أنابوليس " التافهه الذي تمخض جبله فولد خارطه طريق ولكن بصوره أكثر تشوها هذه المره .. هل سيكرر الرئيس أبو مازن الأخطاء والخطايا التي ارتكبت في السابق ؟ .. هل سيوقع على اتفاق جديد يريد الاسرائيلي منه أن يكون صيغه محسنه لاتفاق أوسلو يكرر من خلاله هيمنته الغير مسبوقه على القرار الوطني الفلسطيني وعلىالسياده الفلسطينيه المرجوه من أيه دوله فلسطينيه مستقله قابله للحياه .. ؟ ، بل هل يتمادى ويحاول اللعب بورقه اللاجئين الفلسطينيين واخضاعها للمساومه في سوق المزاد الأمريكي الاسرائيلي ..؟..، أرجو إن لا يفعل الرئيس أبو مازن ذلك .. فهو يعلم أنه لا يملك اصلا ادنى الحق في التفاوض على موضوع ليس من اختصاصه حتى لو كان رئيسا شرعيا منتخبا من كل الفلسطينيين وهو كذلك ..لأن حق اللاجئين ببساطه هو حق فردي خاص لا يقبل الإنابه العامه ولا التنازل إلا من صاحب هذا الحق بصفته الفرديه البحته .
* كاتب اسلامي مستقل