قبل انقشاع الرؤية: قالوا في النظام السوري

أسعد أبو خليل *

ترونهم اليوم، دعاة السيادة الجدد، يظهرون على الشاشات ويدّعون البطولات. فرسانٌ همُ وأبطال. ينصّبون أنفسهم صانعين لما يسمّونه «الاستقلال الثاني» (لا يلحظون المضامين المُحقرة للعبارة بحق مسخ الوطن هذا. ومن سيقود معركة الاستقلال الثالث والرابع في بلد يعصى على الاستقلال الحق؟). يزعمون أنهم هم وحدهم قارعوا النظام السوري ومخابراته في لبنان. ليس من رقيب ولا حسيب على ما يقولون ويفعلون. احتكار الإعلام يحميهم من أنفسهم. أوتتوقّع أن تلجأ جريدة «المستقبل» مثلاً إلى أرشيفها لفضح تاريخ مواقف غطاس الخوري وتناقضاتها مثلاًَ؟ (وغطاس خوري هذا دعا الولايات المتحدة إلى التدخل في لبنان لمنع التدخل الخارجي. حسّ المفارقة متدنٍّ جداً في لبنان). تاريخ لبنان وحاضره مزوّران، والمُزوِّر يحكم البلد ويضع المناهج المدرسية المقررة. ينمّقون في سيرهم الذاتية، ويلفقون في سيرهم السياسية، ويتطفّلون على السيرة الوطنية. حتى رفيق الحريري الذي نصّبه النظام السوري رئيساً للحكومة ـــــ قبل ان يعدَ الشعب بالربيع القادم ـــــ أصبح وفقاً للرواية الجارية معارضاً للنظام السوري مع أن خلافه مع النظام السوري، أو بعضه، كان وليد لحظة زوال حظوة فريقه (المُرتشي) داخل النظام (والرشوة سائدة في النظامين السوري واللبناني).

طواحين الهواء

الذاكرة ممنوعة في لبنان، والتاريخ تعاد كتابته أمام ناظريك. تفرك عينيك غير مصدّق. أحقاً ما أرى ـــــ ويا لهول ما ترى. أم أننا كلنا بتنا نعاني من تلك الغشاوة اللعينة التي منعت وليد جنبلاط من الرؤية على امتداد ثلاثين عاماً، لا غير. وها هو جورج بكاسيني يطل علينا اليوم بكتاب عن رفيق الحريري. لاحظنا أنه أهمل حقبة التسعينيات برمّتها، ولاحظنا أنه اعتمد على محو ذاكرة القرّاء بالكامل. الحريري في الكتاب الذي أُطلق بمهرجان رسمي ـــــ وقف فيه رئيس الحكومة والوزراء احتراماً ـــــ يصوّر الحريري كمصارع عنيد للنظام السوري في لبنان. فات بكاسيني ملاحظة أن كتابه يمثّل أكبر إدانة للرجل. فهو كما هو واضح كان يقول ويعمل في السرّ، عكس ما يقول ويعمل في العلن، وأحياناً في السر. أي إن التناقض كان يحكم أقوال الحريري وأفعاله العلنية، وأحياناً السرية. حتى سره كان متناقضاً أيضاً (وإن أشاد الشاعر أدونيس بـ«رؤية الشهيد الحريري» في برنامج «خليك (مع الحريري) بالبيت». لعله رأى فيه ذلك «المتحوّل»).
لم يذكر بكاسيني كيف احتفى الحريري برستم غزالة عند تبوّئه منصب الحاكم بأمره في لبنان. لم ترد في الكتاب أي إشارة إلى ذلك الاحتفال عندما أهدى الحريري وحاشيته مفتاح بيروت ـــــ اذ إن «مفتاح بيروت أُعطي له» ـــــ الى مسؤول المخابرات السورية في لبنان. لم يذكر بكاسيني أن الحريري كان مطيعاً ومطواعاً في يد النظام في سوريا. لبكاسيني أن يختلق له بطولات يحارب فيها من يشاء، بما فيها طواحين الهواء في الشام. فات بكاسيني أن كتابه يتضمّن صورة عن نموذج لسياسة النفاق السائد في لبنان منذ ما يسمّى استقلاله. كان رفيق الحريري يعمل مع البطريرك لا لإزالة سلاح حزب الله فقط، كما قرأنا في الكتاب المذكور، بل كان يعمل في اتفاق مكتوب على إزالة حزب الله من الوجود، في الوقت الذي كان يعقد فيه اجتماعات طويلة مع حسن نصر الله بهدف حماية المقاومة. يروي بكاسيني أن الحريري أعلن استقلال لبنان (الثاني أو الثالث، نسينا)، في السر طبعاً، بناءً على لقاء شيراك وبوش في 2004. نعمَ هذا الاستقلال الذي يُعدّ في الخارج، وفي مطبخ جورج بوش بالذات. نسي بكاسيني أن الأرشيف حافل بخطب ومدائح للنظام السوري ولبشار الأسد من الحريري وفريقه. ماذا ستفعلون بالأرشيف؟ كم هو عنيد هذا الأرشيف، وكم سيقضّ من مضاجع عندما تبدأ كتابة حقيقية لتاريخ لبنان في تلك الحقبة.
يستطيع أيّ امرئ أن يجمع في مجلدات من عدة أجزاء أقوال رفيق الحريري ومدائحه في النظام السوري في عهد حافظ الأسد وابنه من بعده. هل فعل ذلك بسبب الضغوط و«الإكراه» أيضاً؟ الحريري هو نفسه الذي كان يقول في عهد بشّار إن الضرورة هي في «التلازم والتكامل بين سوريا ولبنان وهذا أمر جوهري في الحفاظ على الأمن والاستقرار السياسي والأمني في البلدين. إن هذا الكلام ليس للاستهلاك، بل هو كلام حقيقي وعميق وأساسي جداً لأن الترابط عميق جداً والتحديات مشتركة والاستهدافات واحدة». («المستقبل» 21 آذار 2003) حوّلوه الى رياض ترك آخر في مماته. حتى آخر كلامه في جريدة «السفير» قبل يوم من اغتياله (الذي تستر فيه طبعاً على دوره في الإعداد للقرار 1559) نُسي بالكامل.

بحر الأرشيف

من أين تبدأ؟ أين تبحر في الأرشيف. عمّن تبحث ومن تقصد؟ من فارس خشان نفسه الذي كتب عام 2003 أن مجرد مقابلة صحافية لبشار الأسد (سمّاها «مبادرة») كانت كافية لتحدث «كوة في الجدار السياسي الذي تقيمه إسرائيل لمحاصرة الحقوق العربية» («المستقبل»، 2 كانون الأول، 2003). كان ذلك عندما كان خشان مؤيداً لـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وعندما أطلق تسمية «رجل سلام» على بشار الأسد. كان هذا قبل اكتشافه لحبّ الحياة. آنذاك، كان خشّان يشنّ هجوماً لاذعاً على قرنة شهوان متهماً إياها بالانقلاب على الحكم، ومستشهداً منوّهاً بأقوال ناصر قنديل (المستقبل، 16 آب 2003).
أتذكّر باسم السبع مثلاً كيف سار (الى جانب رستم غزالة والمفتي قباني الصادح دوماً) في «مسيرة وفاء ومبايعة» تأييداً لبشار الأسد (النهار، 7 حزيران 2000). هل كان مُكرهاً آنذاك؟ هل من يذكّر فؤاد السنيورة أنه ـــــ قبل سنوات فقط من تربيت جورج بوش كتفه في حديقة البيت الابيض ـــــ أكد أن لبنان «لن ينسى للرئيس الأسد ما قام به من جهود في سبيل إنهاء الحرب والحفاظ على وحدته وأمنه وتحقيق الوفاق الوطني»؟ (النهار، 13 حزيران، 2000) هل كان مكرهاً، هو الآخر؟ أما نسيب لحود فقد اعتبر أن وفاة حافظ الاسد هي «لحظة مميزة للدرس والاعتبار» (النهار، 12 حزيران 2000). فليدرس الشعب اللبناني هذه التصريحات ويعتبر. وماذا عن نايلة معوض التي تصرّ على تصوير نفسها كمعارضة لسوريا طيلة سنوات نفوذها في لبنان (حتى الراحل رينيه معوض الذي نصّبه النظام في سوريا رئيساً للبنان تحول هو الآخر الى معارض لسوريا قبل يومين من اغتياله كما يروي ميشال معوض، الذي لا يهنأ له بال ما لم يخطب أمام حشد من خمسين في صالون منزل الماما معوّض التي تحبّه كثيراً)؟ ألم تصرّح الماما معوّض آنذاك بأن اللبنانيين «مدينون للرئيس الأسد برعايته الابوية للقضية اللبنانية ودعمه المطلق لوحدة لبنان»؟ ألم تقل هي نفسها إن حافظ الأسد هو «عظيم من عظماء تاريخ أمتنا الحديث»؟ (النهار، 12 حزيران، 2000). هل كانت تتحدث عن الأمة اللبنانية؟ ألم تُعلن «خلود»ـه، بالحرف، للملأ؟ ويحدثونك عن السيادة وعن مقارعتهم للنظام في سوريا. ويدّعون صبحاً ومساءً أن المخابرات السورية حاربتهم هم (وهن) لجرأتهم وشجاعتهم. نسوا أن الارشيف سيلاحقهم، من اليوم والى الأبد.
هل نسي أحمد فتفت (ما غيره) أنه هو القائل إن حافظ الأسد شكل «سداً منيعاً وحصناً كبيراً»؟ هل نسي أنه هو من صرح بأن عزاءه الشخصي بعد موت حافظ الأسد يكمن في استمرار نهج الأسد عبر «شبل من عرينه»؟ (النهار، 12 حزيران 2000). أما صبحي الطفيلي الذي تحول في الفترة الأخيرة الى محب للحياة بعدما قاد حزب الله في حقبته المخيفة، فقد وصف الاسد بأنه «عزيز الأمّة ونصلها الحاد»؟ (النهار، 12 حزيران 2000). أما المدافع العنيد عن السيادة اللبنانية أثناء حقبة سيطرة النظام السوري، مروان حمادة، فقد وصف حافظ الاسد بأنه «قائد فذ تجمّعت فيه وتجلت به صفات الريادة والبطولة والشجاعة والحكمة». وأكد حمادة يومها أن لبنان «خسر بوفاته الأخ الأكبر الذي رعى دائماً وحدته واستقلاله وسلمه الأهلي» (النهار، 11 حزيران 2000) ويحدثك حمادة اليوم عن السيادة وعن الاستقلال.
ماذا تقول في هؤلاء؟ كيف يمكن الشعب الغارق في هموم الحياة اليومية والغلاء (أصدر وزير التجارة حكماً قاطعاً بأن أسباب الغلاء في لبنان هي «خارجية». لا ندري لماذا لا تتولى المحكمة الدولية أمر التحقيق في الغلاء الفاحش. لعل الغلاء في لبنان هو أيضاً جزء لا يتجزأ من المؤامرة السورية ـــــ الإيرانية ـــــ الفنزويلية) أن ينصرف لمتابعة مواقف هؤلاء وتقلباته؟ لبنان بلد يطري فيه المحللون على المتقلّبين والمنافقين (والمتقلبات والمنافقات). التقلّب والتلوّن الانتهازي في لبنان يُسمّى «قراءة عميقة للأوضاع»، أو «حاسّة شمّ استراتيجية»، أو «معرفة عميقة بالجغرافيا السياسية» أو «قدرة على استشراف المستقبل». لا من رقيب أو محاسب في بلد البلّوط. الطائفية كفيلة بحماية الفاسدين والفاسدات والمنافقين والمنافقات. من حمى السنيورة في السرايا غير مذهبية الزرقاوي؟
فلنتذكر تلك الأيام الخوالي. فلنتذكر كيف كاد مصباح الأحدب (بالمناسبة، ماذا حدث في حكاية التحقيق بانتحار مرافقه شنقاً؟ وهل كان ذلك الانتحار شبيهاً بانتحار أبي نضال في بغداد عندما أفرغ الأخير خزان بندقية كلاشنيكوف في ظهره بعدما أمعن في جسده تعذيباً؟) أن يرقص جذلاً بالشمعدان ترحيباً بزيارة بشار الأسد الى لبنان. ألم يصرّح الأحدب يومها بأن زيارة بشار الأسد الى لبنان هي «محطة تاريخية تعكس تلك الروح التي يتعاطى عبرها الرئيس الأسد مع لبنان»؟ ألم يفتِ الأحدب يومها بأن بشار الأسد «كان سباقاً الى وضع النقاط على الحروف في العلاقات اللبنانية ـــــ السورية بجرأة وموضوعية»؟ (النهار، 7 آذار، 2002) هل من يذكر كيف كان مفتي صور وجبل عامل وجبل صنين، علي الأمين، يتحدث عن النظام في سوريا؟ كان هذا قبل أن يكتشف حب الحياة. يومها، قال مفتي صور إن «ذكرى الرئيس حافظ الأسد تعيد للأمّة العربيّة ذكريات النضال الدائم، وإن الحقوق تؤخذ بالمقاومة وبالمواقف الصعبة. إن الرئيس الدكتور بشار الأسد مثال يُحتذى على طريق والده الرئيس الراحل حافظ الأسد» (المستقبل، 11 حزيران، 2003).
لا تحتاج الى كثير عناء وجهد لتقارن بين ما يُقال اليوم وما كان يُقال بالأمس القريب. واللوم يجب ألا يقع على أهل النفاق في البلاد بل على جماهير الطائفية المُنقادة كالنعاج. إن جنحوا شرقاً، جنحوا معهم بلا سؤال، وإن جنحوا غرباً، جنحوا معهم بلا سؤال أو تفسير. يعينهم في ذلك فريق من الفقهاء المتدرّبين (ومن كل المذاهب والأديان) في مهارة الارتهان وتطويع الدين في خدمة السلطان، كائناً من كان.
هؤلاء الذين جنحوا مع عبد الناصر ضد إسرائيل ثمّ عادوا وجنحوا نحو إسرائيل عندما أمرهم السادات بذلك. نتذكر كيف كان وليد جنبلاط يقول إن لبنان «وسوريا في خندق واحد، وكنا وما زلنا وإن انسحبت من لبنان» (المستقبل، 6 أيار، 2003). يومها، كان جنبلاط يؤكد لـ«المستقبل» أن الاتقاق «كان تاماً» بينه وبين إميل لحود «على كل الأمور سواء ما يتعلق منها بعمل مجلس الوزراء أو الوضعين السياسيين داخلياً وإقليمياً» (المستقبل، 12 حزيران، 2003). كان ذلك يوم كان جان أوغاسبيان يصر على أن «التعاون الامني» مع النظام السوري هو «حاجة ماسة». (17 أيار، 2003). كان غازي العريضي يومذاك يشكو من تدخلات السفير الاميركي في لبنان ويقول: «إن السفير الاميركي في لبنان تجاوز دوره سفيراً بلاده وتصريحاته فيها تجاوز للحدود والسيادة» (23 آذار، 2003). وحذّر العريضي من تسوّل لهم أنفسهم محاولة تقليد حميد كرزاي في العالم العربي، كما حذر العرب المنبطحين أمام أميركا ـــــ سبق ذلك انبطاح الزعيم الاشتراكي في الجبل. نسي وزير الإعلام كل ذلك. لعله معذور. لعل السفير الاميركي توقف عن تجاوز حدوده، ولعل السنيورة لم يقلد كرزاي، لا بل بزّه في مماشاة «رؤية بوش»، على ما يقول ليبراليّو العالم العربي اليوم.

استثناءات

لكن لا يمكن الزعم أن الكل كان راضخاً. فهناك الذين، إن اختلفتَ معهم أو اتّفقتَ، كانوا منسجمين مع أنفسهم وقناعاتهم. البطريرك الماروني مثلاً أو سمير قصير أو مي شدياق لم يتغيّروا أو يهادنوا أو يسايروا. وجريدة «النهار» نهرت سمير قصير عندما تعرّض للمضايقة من الجهاز الامني بسبب مقالاته. البطريرك الماروني كان واضحاً منذ البدء في تبنّيه لخط القوات اللبنانية والمشيئة الاميركية. أما البقية الباقية فسايرت وتملقت ونافقت وتريد اليوم أوسمة لمواقف لم تتخذها ولبطولات لم تقم بها. يقولون إن المخابرات السورية حاربتهم في الانتخابات مع أنهم كانوا نواباً ووزراء في حقبة سيطرة النظام السوري (وهم يؤكّدون في سياق آخر أنّ سوريا كانت تأتي بمن تشاء في مجلسي النواب والوزراء، ناسين (وناسيات) أنّ في هذا التأكيد إدانة لهم هم). لكنّه زمن محو الذاكرة. إنّه زمن يسمح لسامي الخطيب ـــــ هذا الذي سبق عاصم قانصوه بسنوات في الولاء الأعمى للنظام في سوريا ـــــ بأن ينتقد اليوم ممارسات المخابرات السورية في لبنان، هذا الذي «قاد» قوات الردع العربية معتمراً قبعة شبيهة بقبعة تشي غيفارا. إنه زمن يسمح لإلياس المر بأن يخترع بطولات لنفسه في مواجهة المخابرات السورية في لبنان مع أن المخابرات كانت تشترط توزير ميشال المر، أو ابنه الياس إذا تعذر توزير الأب. ويحدثونك عن السيادة.
وطبعاً، ليس النفاق السياسي حكراً على فريق واحد في لبنان. فهناك في 8 آذار نماذج فاضحة. البعض في هذا الفريق يصرّ على أن لا مرشح رئاسياً له إلا ميشال عون، بعدما كانوا ولسنوات قد كفّروا الرجل وخوّنوه وكادوا أن يصلبوه بباب دمشق (بالإذن من نزار قباني). لكن هناك ما هو أهم. فنحن في أسبوع الابتهالات الدينية. فليستمع شعب لبنان بإنصات الى رئيس حكومته الدائم، فؤاد السنيورة، في لحظة خشوع مؤثرة: «أمّا الملك عبد الله بن عبد العزيز، الإنسان الكبير، والقائد الكبير، والفارس النبيل، فرعى الله ودَّه، وأطالَ عهدَه، ومتَّعَنا بوجوده وعملِه، جزاءَ ما قدَّم وأسهم، وجزاءَ ما سعى وكافح، من أجل عزَّة وتقدُّم المملكة، حصن العرب والمسلمين، ومن أجل خير الأمة العربية، وسلامِ لبنان وحريته وعروبته وسيادته واستقرار نظامه الديمقراطي وعيشه المشترك» (الشرق الأوسط، 9 آب 2007).
(ملاحظة: أود ان أشكر زيتا الحلو في لبنان لمساعدتها لي في التنقيب في أرشيف المستقبل).
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)


 

عدد الثلاثاء ٢٥ كانون الأول

 

 

 

العودة الى لاءات الخرطوم: من أجل إحياء اللغة الخشبيّة

 

أسعد أبو خليل *

أتوا زرافاتٍ زرافاتٍ. عرب الممانعة وعرب الانصياع استُدعوا إلى أنابوليس فأتوا على عجل. لم يجرؤوا على التخلّف. تسارعت التحليلات والتعليقات في الصحف الأميركيّة. منها من تحدّث عن خوف عربي من إيران أدّى إلى هذا الحضور العربي الكثيف، ومنها من تحدّث عن إيمان بقدرات عجائبيّة للرئيس الأميركي، فهرع إلى الحضور مخافة تفويت فرصة السلام ـــــ بالتعريف الإسرائيلي ـــــ التي كان الملك حسين يتحدّث عنها دوريّاً، ويكرّرها برتابة ابنه من بعده بالرغم من انهماك الأخير بصفقات شراء الأراضي بمساعدة بهاء الحريري ـــــ ابن فذّ آخر لرفيق الحريري ـــــ وإيّاكم أن تنسوا النجم الصاعد نادر الحريري.


لكنّ السبب الحقيقي للركض العربي الرسمي يُبطل العجب: أتوا لأنّ بوش أمرهم، وهم على السمع والطاعة. هو يأمر، وهم يطبّقون. حتى الدولة التي تزهو بممانعتها (وهي هنا بديل للمقاومة لا مكمّل لها) أرسلت ممثّلاً وحضرت، وإن عادت وانتقدت.


والموقف السوري بالنسبة للمؤتمر كان واضحاً وساطعاً: فالنظام في سوريا كان مع المؤتمر وضدّه في آن، وهو يذكّر بموقف ياسر عرفات من القرار 242. من لاحظ أنّ 49 دولة أتت إلى أنابوليس، حتّى سلوفينيا والسنيغال والبرازيل حضرت؟ لم نكن نعلم أنّ مسحة من سلوفينيا كانت كافية لإنهاء الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي.


وصحيفة «نيويورك تايمز» ركّزت على الموقف السعودي، وهي سُرَّت لحضور الأمير السعودي، وإن كانت قد عبّرت عن خيبة أمل من عدم حصول مصافحة بين الوزير السعودي ورئيس الوزراء الإسرائيلي (الذي أصبح في الاعلام الغربي والسعودي مثالاً يُحتذى في الاعتدال). والسعودية، منذ مبادرتها السيئة الذكر، والتي أعدّها توماس فريدمان لخادم المصالح الأميركية الأمين، تستجدي إسرائيل لكي تعطيها تطبيعاً وحباً ووئاماً، وإن رفضت إسرائيل محاولات التقرّب.


كانت الصور من أنابوليس كافية لـ«كشف المخبأ»، كما قال الشدياق في واحد من عناوين كتبه (تمنع كتب الأدب المقرّر في لبنان ذكر ما قاله الشدياق في الإكليروس وكتاب «الساق على الساق» الفذّ لم يصدر في طبعة كاملة منذ طبعة القاهرة في العشرينيات). كان الأميركي والإسرائيلي يعاملان أبا مازن كأنّه طفل بحاجة إلى رعاية.


هكذا كان المستعمرون الصهاينة الأوائل يقولون عن العرب. بن غوريون (كما جاء في سيرة شبتاي تفث له) قال إنّ عرب فلسطين ذكّروه بالأطفال عندما حطّ رحاله في أرض لم تطأها قدماه من قبل، قبل أن يصبح مسيّراً لمقدّراتها. وشاشات الإعلام العربي (حتى الجزيرة التي أصبحت أكثر طواعية بعد حصول التقارب بين السعودية وقطر، وقد يأتي يوم ليس ببعيد تصبح فيه الجزيرة مماثلة لـ «العربية» وخاصة في ترويجها لعقيدة بوش، وقد يصبح ايلي ناكوزي مذيعاً في محطّة الجزيرة وهو يبدو أكثر الاعلاميّين حماسةً لبوش وقد أدار في برامجه حملات إياد علاوي الانتخابية) تعاملت مع مؤتمر أنابوليس وكأنّ صدور كلام بوش عن دولة فلسطين هو تشريع لوجود فلسطين. لم يحتج الشعب الفلسطيني إلى بوش لتدليله على وجود فلسطين. وقد تكلّم أبو مازن عن اللاجئين بكلام مُستعار من القرار 242. لم يجرؤ على لفظ عبارة «حقّ العودة».


لم يكن ليُسمح له. استُدعيَ لغرض، وأدّى المهمّة بنجاح، من وجهة النظر الإسرائيليّة. كان أبو مازن شديد الحرص على إسعاد مضيفه إلى درجة أن خطاب رئيس الوزراء الاسرائيلي تضمّن كلاماً عن اللاجئين (كلاماً سيئاً ومغرضاً طبعاً) يفوق ما جاء في إشارة عابرة في خطاب أبي مازن.

 سوريا في واشنطن تحدّث بحبور عن مصافحة رايس لأعضاء الوفد السوري. أصبحت مصافحة الاميركي مصدر إعجاب وزهو. تحدّث السفير السوري عن «لغة جسد» ايجابية. هل هي لغة رقصة الجسد على أجساد مخيم جنين وقرى جنوب لبنان؟ وإذا كنّا نتحدّث عن دبلوماسية «لغة الجسد» فلنرسل راقصاً أو راقصة لتفتح مكتباً للجامعة العربية في قلب العاصمة واشنطن.
لكن لماذا لا يكون البديل العودة إلى لاءات الخرطوم: لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف. ما العيب في ذلك وخاصة أنّ نار الثورة الفلسطينية أخمدها مؤقتاً ياسر عرفات، ومن خَلَفه. وهذا بديل حقيقي وفعّال بعد أن ألغت الأنظمة العربية الخيار العسكري وبعد أن قدّم ياسر عرفات البندقية الفلسطينية هدية للمحتلّ الإسرائيلي. وكان الصهاينة يقولون في الستينيات إنّ عدم الاعتراف العربي بإسرائيل لا يعني شيئاً لهم، ولا هو يقدّم أو يؤخّر ـــــ زعموا كاذبين وكاذبات.


كانت تلك من الكذبات الصهيونية العديدة التي صدّقها العرب. تخلّى العرب عن أغلى الأسلحة وأبخسها في الصراع مع إسرائيل. لم يُبقوا شيئاً بحوزتهم. بدأ السادات، ولحقه فهد بن عبد العزيز (ملك التُّقى والورع) وتبعه عرفات. (نشرت مكتبة نيكسون أخيراً وثيقة من السبعينيات تُظهر المدى الذي كان فيه الملك فيصل يستخدم المال النفطي لخدمة الأغراض الأميركية في الضغط على حركة «فتح»، تماماً كما يفعل اليوم الملك عبد الله).


الاعتراف بإسرائيل ليس كافياً للصهيونية: إسرائيل تطالب العرب اليوم بالاعتراف بها دولة ذات أكثرية يهودية وإلى الأبد. وهذا الاعتراف، كاد أبو مازن أن يقدّمه مجاناً لأولمرت، يعني أنّ لإسرائيل الحقّ برمي أيّ مولود فلسطيني إذا ما أدّت ولادته إلى الإخلال بالأكثرية اليهودية القسرية.


ولم تكن الأنظمة العربية جدّية في تبنّيها للاءات الخرطوم. قبلت بها على مضض. (هذا ما تؤكّده مذكرات أحمد الشقيري، وهو كتب سلسلة من المذكّرات). كان الرجل يجد صعوبة في التوقّف عن الكلام، وعن الانتقال من موقف الى آخر. ناصر الحكم السعودي، قبل أن يناصر عبد الناصر ويصبح أداة له (راجع مذكرات فيصل الحوراني هنا وشفيق الحوت في هذا الصدد، إرضاءً للرأي العام الفسطيني).


حتّى عبد الناصر لم يكن جدياً في تبنّيه، وهو ما لبث أن نبذ اللاءات في تبنّيه لمبادرة روجرز. وكان عبد الناصر قد دخل في مفاوضات سرية مع إسرائيل، كما أثبت المؤرّخ آفي شلايم.
لا تفاوض، لا صلح، لا اعتراف. رفض الصلح موقف مبدئي من وجود الكيان الصهيوني من أساسه على أرض فلسطين. وهو موقف من الدولة العنصريّة، لا من اليهود بصفتهم يهوداً. ورفض الصلح هو رفض الاستيلاء بالقوّة على أرض فلسطين، وما تبعها من إجراءات ومن مضاعفات. وقانونياً، الصلح مع إسرائيل يلغي الموقف العربي (الشعبي) الرافض لاحتلال فلسطين. أي أنّ القبول بتشريع طرد الشعب الفلسطيني وسرقة الأرض (وفق قرارات اعتباطية من الدولة الجديدة في 1948 وفق قانون المالك الغائب)، تترتّب على الصلح مع إسرائيل.


ويتماشى مع موقف رفض الصلح، موقف رفض الاعتراف. إنّ الاعتراف بإسرائيل يتضمّن الاعتراف بشرعية الاحتلالات الإسرائيليّة للأراضي العربيّة، كما أنّ الاعتراف يتضمّن قبولاً بالعنصرية المتحكّمة بالدولة اليهودية. ورفض التفاوض هو الموقف المنطقي لمن يرفض أيّة صيغة للاعتراف بإسرائيل. صحيح أنّ اللاءات أتت بعد الهزيمة العربية الماحقة في 1967، لكن لهذا دلالات أخرى. إذ إنّ سلاح الموقف، كما يسمّيه سليم الحص، كان آخر ما بقي من الأسلحة بعد أن فرّطت الأنظمة بالأسلحة الأخرى. لم نكن مضطرّين (ومضطرات) للوصول إلى هذا الدرك. الهزيمة كانت مسؤولة، وهذه مسؤولية يتحمّل النظام الناصري مسؤوليّتها الكبرى، بصرف النظر عن قصور الحكم البعثي في دمشق، وعن التعامل الهاشمي.


عبد الناصر سلّم مقدّرات إدارة الصراع مع إسرائيل إلى صديقه الشخصي الذي كان مشغولاً بجلسات الكيف. هي الشللية. كما تسلّم مصطفى طلاس، العليم بشؤون التراث الرحباني والزهور والتغزّل بالمرأة، وزارة الدفاع في سوريا.


ولاءات الخرطوم كرّست سلاح المقاطعة الاقتصادية المخروقة اليوم في كلّ البلدان العربية، ودبي فتحت أسواقها أخيراً لشركة إسرائيليّة. والولايات المتّحدة تعظ العرب بعدم جواز المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل في الوقت الذي تفرض الحكومة الأميركية عقوبات اقتصادية على أكثر من 100 دولة في العالم. والمناطق الصناعية التي ينعم بها الكونغرس الاميركي على الدول العربية المُطبّعة، تفرض شراكة مع شركات إسرائيلية. أي أنّ المنتوجات الإسرائيلية تدخل أسواقنا بشارات صنع مصرية وأردنية وقريباً اسرائيلية. وقد يُتاح لآل الحريري أن يفعلوا الشيء ذاته في لبنان لو قُدّر لهم. قل إنّها ضرورات التجارة الحرّة وتعميم منافع «الربيع» ـــــ «أدي الربيع» كما غنّى فريد الاطرش.


طبعاً. يخجل عرب الإعلام السعودي من لاءات الخرطوم اليوم. هي تذكّرهم بمرحلة يودّون أن يمحوها من الذاكرة. أيّام كان يخاف فيها النظام الشخبوطي من بيانات صوت العرب. لهذا فهم اليوم يسخرون يومياً من أحمد سعيد (وهو يستحقّ السخرية) كأنّ بديله إيلي ناكوزي أو فارس خشّان هو نموذج الصحافة الرصينة.


يسخرون ويتندّرون على «اللغة الخشبية». ظهر فالح عبد الجبار ـــــ وهو زعم أنّه ختم القرآن في سن الخامسة ـــــ أخيراً على قناة سعودية ليسخر من ماركسيّته السابقة ومن إتقانه السابق للغة الخشبية. فسّر ذلك بأنّه كان أسيراً، وفق نظرية استشراق علي الوردي المبتذلة ـــــ للتنويم المغنطيسي. (وهناك محاولة لإحياء كتابات علي الوردي لتحميل الشعب العراقي ما تعرّض له العراق من تفجير وتفكيك ودمار).


لمَ العجب. نظرية التنويم المغنطيسي لا تختلف البتّة عن نظرية الغشاوة التي صرّح بها وليد جنبلاط.


وما ضير الاستعانة باللغة الخشبية؟ اللغة الخشبية ابتذلها النظام الناصري والأنظمة البعثيّة (قلما يُذكر أنّ للنظام البعثي إنجازات يُفتخَر بها. من ينكر على النظام البعثي مثلاً أنّه ابتدع أساليب مبتكرة في التعذيب؟ وقد يكون تعذيب الدولاب ابتكاراً بعثياً بالرغم من الضحالة الفكرية لتلك العقيدة التي أنجبت نظامين متوحّشين)، لكن للغة الخشبية بحدّ ذاتها فضائل. اللغة الخشبية كانت تتحدّث عن فلسطين، واليوم يتحدّث العرب عن شروط التطبيع مع إسرائيل. اللغة الخشبية كانت تسمّي الأشياء بأسمائها بالنسبة للأعداء. اليوم، يتحدّث الاعلام العربي عن «راعي السلام الاميركي». كان الإعلام العربي يتحدّث عن الامبريالية الاميركية، أمّا اليوم فتشير قناة الجزيرة إلى وجود أكثر من 160000 جندي أميركي في العراق بـ«قوات التحالف». لعلّ قناة الجزيرة تفعل ذلك احتراماً لجهود الـ 48 جندياً منغولياً في بلاد الرافدين.


كانت اللغة الخشبية تتحّدث عن العمّال والفلاحين وقوى الشعب العامل، أمّا إعلام اليوم «العصري» فهو مُصاب بهوس بثروات الأمير الوليد وشيخ إمارة دبي، وزوجاته. كانت اللغة الخشبية تسخر من الانظمة الرجعية المصابة بحنين إلى فكر القرون الوسطى، أمّا في لغة الليبرالية العصرية فتقرأ مقالات يومية أشبه بمدائح بأمراء النفط، حتى أنّه كُتب مديح في مدير المخابرات السعودي. كانت اللغة الخشبية تسخر من استغلال الدين على يد أنظمة موغلة في الرجعية وفي قمع المرأة، واللغة العصرية اليوم تجد في زيجات أمراء النفط الملوّث تحريراً للمرأة.
كانت اللغة الخشبية تهتزّ لإصابة أيّ فلسطيني بأذى، أمّا اللغة العصرية فهي هتفت للجيش اللبناني عندما دمّر مخيّم نهر البارد، وهي تتجاهل ـــــ مثلها مثل الإعلام الاميركي ـــــ معاناة شعب فلسطين اليومية.


الإعلام السعودي يرى أنّ العقبة الوحيدة أمام تحرير فلسطين هي في استيلاء «حماس» الأحمق على غزّة. كانت اللغة الخشبية تتحدّث عن الاشتراكية وعن توزيع الثروة، أمّا إعلام العصر فهو يسخر من معاناة الفقراء، وازداد عنصرية بعد استيراد خدم ورقيق من آسيا.


كانت اللغة الخشبية تتحدّث عن وحدة العرب، أمّا إعلام اليوم فهو مشغول بتقسيم العراق الى دوائر طائفية، ويودّ أن يجعل الدائرة الانتخابية أشبه بالحارة في النظام الانتخابي في لبنان.
اللغة الخشبية تحدّثت عن رفض الاحتلال ومقاومة الاستعمار، أمّا اللغة العصرية فهي تزخر بالحنين للاستعم