| 2007-12-17 alkhaleej.ae |
| المؤرخ "الإسرائيلي" دانيل تسيل بريشار يسأل: كيف يوافق الفلسطينيون على سرقة وطنهم؟ |
|
*حَكَم عبد الهادي
في احتفال بالقرب من كولونيا / ألمانيا دعت اليه “مجموعة عمل من أجل السلام في الشرق الأوسط، بمناسبة مرور 25 عاما على تشكيل هذه المنظمة التي تتكون من فلسطينيين وألمان ويهود، ألقى المؤرخ “الإسرائيلي” دانيل تسيل بريشار محاضرة انتقد فيها الايديولوجية السائدة في “إسرائيل”، مشيرا إلى أن هناك أبعادا مهمة لعدم اعتراف أغلبية “الإسرائيليين” بالممارسات الصهيونية ضد الفلسطينيين، بما في ذلك من تشريدهم ومصادرة أملاكهم.
قبل التعرض للتفاصيل التي ذكرها في المحاضرة والمقابلة التي أجريتها معه بعد ذلك، أود أن أقدم لمحة سريعة عنه: ولد تسيل بريشار من أبوين من أصل ألماني/يهودي في تل أبيب في عام ،1951 وفي عام 1953 عاد معهما إلى ألمانيا وفيها درس التاريخ والفلسفة، ثم انتقل في عام 1976 إلى “إسرائيل” حيث شغل مناصب حسّاسة، فقد عمل أثناء خدمته في الجيش كمرشد ثقافي للجنود والضباط، كما ترأس “معهد ليو بيك” المرموق في القدس. وأخيرا غادر “إسرائيل” إلى أوروبا، حيث يعيش منذ عام 1986 في أمستردام.
وباللغة الألمانية صدر كتابه في عام 2005 تحت عنوان: “غريب في الدولة الصهيونية” وفي هذا الكتاب ومجموعة أخرى من الدراسات والمقالات كتب المؤلف ما لا تود “إسرائيل” سماعه من انتقادات.
لغته تتصف بالوضوح، فهو يقول دون مواربة: عندما قامت الحركة الصهيونية بالتطهير العرقي للفلسطينين قامت في الوقت ذاته بتطهير الضمير “الإسرائيلي”، لأنها تنفي قيامها بانتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين. وبعبارة أخرى: الحركة الصهيونية تحمل الضحية مسؤولية ما حدث بحجة جنوح الفلسطينيين للعنف والإرهاب ولأنهم كانوا يرفضون دائما الحلول الوسط، كقرار هيئة الأمم المتحدة في عام 1947 الذي ينص على تقسيم فلسطين التاريخية إلى دولة يهودية وأخرى فلسطينية. وهنا كما يؤكد تسيل بريشار تكمن مهمته كمؤرخ، فهو يريد أن يشاهد “الإسرائيليون” وجههم الحقيقي في مرآة الواقع.
يقول على سبيل المثال لمناسبة مرور 60 عاما على قرار التقسيم إن العالم في عام 1947 كان مختلفا تماما، فقد كانت هيئة الأمم المتحدة تتكون من 56 دولة معظمها مسيحية ومتعاطفة مع “إسرائيل” لأسباب إنجيلية وتوراتية، بالإضافة إلى أن الفلسطينيين كانوا ممثلين آنذاك من خلال الباكستان. ويشير إلى أن القرار كان متحيزا ومجحفا للغاية، فكيف يقبل الفلسطينيون الموافقة على سرقة وطنهم في ظل قرار يمنح اليهود الذين كانوا وقتئذ ثلث السكان؟
ويمضي المؤرخ قائلا: المهمة الأساسية لهيئة الأمم المتحدة هي المحافظة على السلام وتجنب الحرب، وعندما أقرت التقسيم كانت تعلم تماما أن الحرب ستندلع لا محالة، ولذا فقد تخلت هيئة الأمم عن مبرر وجودها.
تنظيف الضمير “الإسرائيلي” أو بالأحرى غسيل الدماغ التي تحرص الحركة الصهيونية على تجديده وتعزيزه كما يرى تسيل بريشار ليست قضية أكاديمية، فهي تنعكس على المفاوضات الجارية والتي تجددت في مؤتمر أنابولس. وفي هذا السياق يشير مثلا إلى عدم اعتراف “إسرائيل” بأنها شرّدت الفلسطينيين ومن ثم ترفض الاعتراف بالتبعات السياسية والمادية والأخلاقية لذلك. الإيديولوجية السائدة في “إسرائيل” تبرر العدوانية والاستيطان والتوسع والاحتلال لأنها تظهر “إسرائيل” كدولة ديمقراطية تدافع عن نفسها في مواجهة “بربرية الفلسطينيين وتخلفهم” في أنابولس لم تتعرض “إسرائيل” وكذلك الولايات المتحدة للاحتلال وإنما بالدرجة الأولى للإرهاب والعنف، أي أن هناك عملية واضحة لتزوير الحقائق، فالعنف ليس لب الصراع، وعلى العكس العنف يتفجر بسبب الاحتلال والمستوطنات ومصادرة الأراضي وانتهاكات حقوق الإنسان.
ثم سألته عن ردود الفعل في “إسرائيل” على كتاباته، فأجاب أن الأغلبية لا تتقبل هذه الانتقادات ليست لأنها غارقة في يم أساطير الإيديولوجية الصهيونية فحسب، بل لأن مصالحها أيضا تقتضي ذلك، فهم يعيشون على الأراضي المسلوبة وفي أملاك الفلسطينيين. ولكنه أكّد في ذات الوقت أنه ليس “الإسرائيلي” الوحيد الذي يعمل بصدق من أجل السلام العادل، فهناك مجموعات كثيرة تسير على هذا النهج.
الدولة الفلسطينية قادمة
هل يعني ذلك أن الدولة الفلسطينية لن تتحقق؟ يجيب تسيل بريشار على هذا السؤال على النحو التالي: لقد تغيرت بعض المفاهيم في “إسرائيل”، فبينما كان حزب العمل (خطة ألون في السبعينات) يطمح إلى بناء المستوطنات في القدس والمناطق الاستراتيجية فقط متجنبا بذلك الكثافة السكانية الفلسطينية حرصا منه على يهودية الدولة، كان اليمين (الليكود) يسعى إلى ابتلاع الضفة والقطاع مع السكان ومن دونهم، فأرض “الميعاد” بالنسبة له هي الأهم. الآن تقاربت وجهات النظر فهناك إجماع بين ما يسمى باليسار واليمين الجديد الذي يمثله اليوم رئيس الوزراء أولمرت على الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية والقدس الكبرى التي تبلغ مساحتها عشرة أضعاف مساحة القدس الشرقية فهي تشمل مجموعة كبيرة من القرى التي ضمتها “إسرائيل” إلى القدس الكبرى. اليمين الجديد واليسار القديم لا يعارضان بشكل جدي قيام دولة فلسطينية ولكن على أي أراض، في أي حدود وإلى أين ستذهب مياه الضفة؟ أسئلة كثيرة يتحدد من الجواب عليها مستقبل الشعب الفلسطيني ومصيره، فالشيطان يكمن في التفاصيل.
ويضيف: لا شك أن الحل في المرحلة الراهنة لن يكون عادلا ولن يكون لصالح الفلسطينيين. وبعبارة أخرى: نوعية الدولة الفلسطينية هي الأساس.
وفي ختام لقائي معه سألته عن آفاق السلام الأنابولسي فقال: “لا أرى حاليا وبغض النظر عن التفاصيل فرصة لتحقيق السلام. لا توجد في المرحلة الراهنة أغلبية سواء في صفوف اليهود أو الفلسطينيين لصالح الحلول الوسط. كما أنه لا توجد دوافع قوية لدى “الإسرائيليين” لإعادة الأراضي التي ابتلعوها. إنهم يتمتعون بدعم الغرب ولا يعيشون تحت نير الاحتلال، والغرب يتبنى الموقف “الإسرائيلي” ويعزز بذلك عزم “إسرائيل” على التنكر لمسؤوليتها”.
كاتب وصحافي فلسطيني يقيم في ألمانيا
|