انهيار العلاقات السعودية ـ السورية
افتتاحية
جريدة القدس العربي
17/12/2007
يتعرض السيد فاروق الشرع نائب الرئيس السوري لحملة اعلامية شرسة من قبل الاعلام
السعودي شبه الرسمي بشقيه الداخلي والخارجي، لانه تحدث في اجتماع لأحزاب الجبهة
التقدمية السورية عن مسألة تقسيم العراق، وقال ان الدول الخليجية بما فيها
السعودية لا تريد التقسيم لانه سيقود الي تقسيم المنطقة، وبالتالي فان منابع
النفط ستصبح خارج مناطق تحكمها الأسرة السعودية الحاكمة .
ما أزعج السلطات السعودية هو تناول السيد الشرع لمسألة تحتل قمة المواضيع
الحساسة، واستخدامه تعبير مناطق تحكمها الأسرة الحاكمة في اشارة الي منطقة
الاحساء الغنية بالنفط، والتي تتواجد فيها الاقلية الشيعية التي تتضارب التقديرات
حول اعدادها ونسبتها الي المجموع الكلي للمواطنين في السعودية.
الأسرة الحاكمة في السعودية لا ترغب في ان يتدخل احد في شؤونها الداخلية، وتعتبر
هذا التدخل خطا احمر، وان كانت هي، مثل معظم الدول العربية لا تتردد، في بعض
الاحيان، عن فعل الشيء نفسه، مثلما حدث في العراق من حيث مساندتها للجهود
الامريكية لتغيير النظام في بغداد، وفي لبنان عندما انحازت الي فريق الرابع عشر
من آذار بزعامة السيد سعد الحريري، وحمّلت حزب الله اللبناني مسؤولية العدوان
الاسرائيلي الاخير علي لبنان.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ليس حول ما استفز الأسرة الحاكمة السعودية في تصريحات
السيد الشرع، وطبيعة الردود الشرسة عليه، وكان اقلها اتهامه بعدم اللياقة
والدبلوماسية، وافتقاره الي الحس السياسي، فهذا ليس جديدا علي الاطلاق، وانما حول
الاسباب الحقيقية التي ادت الي حدوث هذا التوتر المفاجئ في العلاقات السعودية ـ
السورية التي شهدت بعض الانفراج في الفترة الاخيرة، خاصة عندما سهلت السلطات
السعودية دعوة سورية الي مؤتمر انابوليس للسلام، وضغطت علي الادارة الامريكية
لاصدار بيان يؤكد ان هضبة الجولان المحتلة ستكون ضمن القضايا المطروحة علي جدول
اعمال المؤتمر.
بداية لا بد من التأكيد بانه ليس من عادة المسؤولين السوريين التطرق الي مسائل
تثير حساسية دول عربية كبري في حجم المملكة العربية السعودية، دون ان يكون ذلك في
اطار سياسة رسمية جري التشاور حولها، وبالتالي اقرارها، علي اعلي المستويات.
السيد الشرع وصف الدور السعودي في المنطقة بانه في حال شلل في خطاب آخر امام
الاعلاميين السوريين جري ترتيبه علي عجل، وتعرض بسببه الي حملة اعلامية سعودية لا
تقل شراسة، وتبين ان السر يكمن في الخلاف السعودي ـ السوري المتفاقم علي الساحة
اللبنانية، وحال الاستقطاب التي احدثها هذا الخطاب فيها.
من غير المستبعد تجدد الخلاف في لبنان، ووصول جهود انتخاب رئيس للجمهورية الي
طريق مسدود، بعد مرحلة من التفاؤل وصلت ذروتها في التوافق علي تعديل الدستور بما
يؤدي الي انتخاب العماد ميشال سليمان قائد الجيش اللبناني رئيسا جديدا خلف للعماد
اميل لحود، فمن المفترض ان ينعقد مجلس النواب اللبناني صباح اليوم لانتخاب
الرئيس، ولكن هذا الانعقاد بات مشكوكا فيه، بعد اغتيال العماد الآخر فرانسوا
الحاج قائد غرفة العمليات في الجيش اللبناني، وهو الاغتيال الذي خلط جميع الاوراق
مجددا.
فريق الرابع عشر من آذار الموالي للمملكة العربية السعودية يتهم سورية مجددا
بعرقلة التوافق وانتخاب رئيس جديد للبنان بالتالي، وهي التهمة التي تنفيها دمشق،
وتتبرأ منها. ولكن انسحاب السيد نبيه بري رئيس مجلس النواب من دور الوسيط،
والحملات الهجومية المتبادلة بينه وبين شريكه السيد الحريري في هذه الوساطة،
وتكليف العماد ميشال عون قائد التيار الوطني الحر بهذا الدور، اي تمثيل المعارضة،
كلها عوامل تشير الي حدوث تغير مفاجئ في الموقف السوري وموقف المعارضة ايضا،
مضافا الي ذلك المبالغة بشكل لافت في مطالب المعارضة من الرئيس المفترض اي العماد
سليمان كشرط لاتمام عملية انتخابه، مثل تسمية رئيس الوزراء مسبقا، وكذلك قائد
الجيش، والحصص الوزارية، وقائد قوات الامن، وهي مطالب وشروط مهينة لا يمكن ان
يقبل بها رجل حر.
الامر المؤكد ان هذا الانهيار الخطير في العلاقات السورية ـ السعودية ستكون له
تبعات وانعكاسات عديدة سواء في الساحتين اللبنانية والعراقية او علي صعيد
التحالفات في المنطقة. فالاعلام السعودي لا يمكن ان يشن حملة شرسة ومنظمة دون
توجيه من العائلة الحاكمة، والحملات الاعلامية هي عادة مقدمة لحملات سياسية
وتدخلات في الشؤون الداخلية، فقد هددت السعودية، وعلي لسان كتّابها البارزين،
بدعم المعارضة السورية والعمل علي تغيير النظام في دمشق.
في المقابل، فان سورية تملك اوراقا عديدة يمكن ان تلعبها بشكل فاعل لإزعاج
السعودية حليفتها السابقة، سواء بدعم عناصر متمردة داخل المملكة وخارجها، او
بالنزول الي ساحة الاعلام وحملاته، وهناك انباء عن قناة فضائية جديدة ستنطلق من
دمشق يملكها معارض عراقي سابق، سيكون من ابرز مهامها البدء من حيث توقفت قناة
الجزيرة مؤخرا، اي انتقاد الحكم السعودي وبشكل شرس غير مسبوق.
شهر عسل الوفاق السعودي ـ السوري كان قصيرا جدا، وانتهي عمليا بعد انتهاء مؤتمر
انابوليس بالفشل، حيث حقق كل طرف اغراضه، فسورية حضرت من خلال صيغة انقذت ماء وجه
نظامها، باضافة الجولان الي جدول الاعمال ولو شكليا، وكسرت عزلتها بالتالي، ولعبت
السعودية دورا كبيرا في هذا الصدد. اما السعودية فنجحت في إحداث مشاركة عربية
واسعة في المؤتمر تغطي مشاركتها، ولا تترك سورية وحيدة ومتخلفة عن الحضور تمارس
دور المشاغبة والتحريض وجمع المعارضة وتوظيفها ضد المؤتمر والمشاركين فيه
والسعودية علي وجه الخصوص.
ايام المعسكرات والاستقطابات التي كانت سائدة قبل مؤتمر انابوليس بدأت تعود مجددا
الي المنطقة، وربما يؤشر هذا الي تزايد احتمالات عودة الحرب مجددا وضد ايران
والمفاعل النووي الايراني علي وجه الخصوص. فسورية عضو في محور الشر حسب التصنيف
الامريكي، والسعودية تتزعم محور دول الاعتدال الموالي لواشنطن.