2007-12-17

 

السياق السياسي لتهجير الجالية الفلسطينية في العراق

* نقولا ناصر

إن “اجتثاث” الجالية الفلسطينية في العراق بعد تشتيت شقيقتها في الكويت والتفكيك الجاري للاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيد “قضية اللاجئين” إلى مركز الضوء باعتبارها إحدى ركيزتين، إضافة إلى الأرض المحتلة، تمثلان جوهر قضية فلسطين التي لن يستقيم أي حل سلمي أو غير سلمي لهذه القضية بالقفز عن العدل في التعاطي السياسي معهما كما يخشى عرب فلسطين أن يحدث في الحراك الدولي والإقليمي الجاري حالياً للتوصل إلى تسوية سياسية بالتفاوض لإنهاء الصراع العربي “الإسرائيلي” وفي القلب منه القضية الفلسطينية.يتمثل المنزلق الاستراتيجي الراهن في “الواقعية” التي تنتهجها القيادة الفلسطينية للتعاطي مع “الإجماع” “الإسرائيلي” على رفض عودة اللاجئين في التساوق مع خيارات هي في الأساس “إسرائيلية” لحل قضية اللاجئين مستوحاة من مجموعة مبادرات غير رسمية توصل إليها “بلدوزرات سلام” فلسطينيون يشغلون مناصب قيادية مع “شركاء سلام” “إسرائيليون” لهم مثل وثيقة “مبادرة جنيف” (ياسر عبد ربه ويوسي بيلين) والتي سميت “مسودة اتفاقية للوضع الدائم” ووثيقة يوسي بيلين محمود عباس التي سميت “مشروع معاهدة لقضايا الحل النهائي” ووثيقة سري نسيبة أيلون.وجميع هذه المبادرات تستند إلى اتفاقيات أوسلو (التي تضمنت مجرد إشارة إلى بحث قضية اللاجئين في مفاوضات الوضع النهائي) والتي استندت بدورها إلى قراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338 الخاصين بإزالة آثار العدوان “الإسرائيلي” عام 1967 دون أن ترد كلمة فلسطين ولو مرة واحدة في نصوصهما التي ذكرت كلمة “اللاجئين” بعامة في غموض مدروس ليشمل ما يسميه “الإسرائيليون” “اللاجئون اليهود” من الدول العربية، وجميع هذه المبادرات حصرت أساسا حق العودة الفلسطيني جغرافيا بالعودة إلى الدولة الفلسطينية الموعودة في الضفة الغربية وقطاع غزة وسياسيا حصرت الحل في “حل عادل متفق عليه” بالتفاوض حول حق العودة من حق للتنفيذ طبقا للقرار الأممي 194 إلى حق هو موضوع تفاوض تملي نتائجه موازين القوى المختلة تماماً لمصلحة دولة الاحتلال “الإسرائيلي”.ويجري حالياً تفكيك جالية اللاجئين الفلسطينيين في العراق في سياقات إقليمية ودولية يتمحور حراكها السياسي والدبلوماسي حول استقراء وجود “فرصة تاريخية” لمصالحة عربية “إسرائيلية” يرى أصحابها أن إمكانات “واقعية” تتوفر لها للقفز لأول مرة فوق “حق العودة” الفلسطيني الذي أحبط كل جهود السلام السابقة، إمكانات تتمثل في الاستثمار السريع للهيمنة العالمية التي لن تطول للقطب الأمريكي الأوحد وللهيمنة الإقليمية الأمريكية “الإسرائيلية” التي كشفت المقاومة الوطنية في فلسطين ولبنان وممانعة سوريا أن لها حدودا جغرافية وزمنية بدأت تتراجع بدورها ولوجود النظام الرسمي العربي في أضعف حالاته وأقلها تضامنا.ويتزامن تفكيك الجالية الفلسطينية في العراق مع تفكك “الحالة الفلسطينية” نتيجة لأزمة الازدواجية الفلسطينية المستحكمة وكذلك بحكم الأمر الواقع في لبنان، وكان تسلل “فتح الإسلام” إلى بعض مخيماتها أحد مظاهر هذا التفكك بينما قاد حسم المعركة العسكرية ضد فتح الإسلام في مخيم نهر البارد إلى أحدث المظاهر السياسية لهذا التفكك المتمثل عمليا في بداية انهيار “اتفاق القاهرة” الذي كان يحكم العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والمخيمات وبين الدولة اللبنانية، وهو التطور الذي يحرص الجانبان على تجنب الخوض العلني فيه. وكانت الحرب الأهلية اللبنانية قد فككت ثلاثة مخيمات فلسطينية لم يعد لها وجود الآن.وسبق تفكيك الحالة العراقية وتفكك الحالة اللبنانية، تفكيك الجالية الفلسطينية الكبيرة في الكويت عام 1991 وهي التي تجمعت هناك كجزء من خطط دمج اللاجئين الفلسطينيين في الحياة السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط بتشجيع من الانتداب البريطاني على الكويت قبل استقلالها أوائل ستينات القرن الماضي. طبقاً للأمم المتحدة كان يوجد في العراق قبل الغزو الأمريكي 34 ألف فلسطيني، ومنذ عام 2003 غادر العراق حوالي 19 ألفاً منهم، حيث استضاف اليمن 5 آلاف والسودان 1700 والبرازيل وتشيلي بضع عشرات ومنحت كندا حق اللجوء ل 46 آخرين، وبقي 15 ألفاً ما زالوا يتعرضون للتهديد بالإبعاد القسري والاعتقالات التعسفية والتعذيب والقتل، وقد قتل منهم 240 كما قال عزام الأحمد رئيس كتلة فتح البرلمانية في المجلس التشريعي الفلسطيني. وتقول تقارير أخرى إن عدد قتلاهم زاد على ،600 بينما تتعرض أحياؤهم في الحرية والبلديات ببغداد خصوصا لهجمات فرق الموت والميليشيات. وقد علق كثير من “الراحلين” في ثلاثة مخيمات على الحدود مع سوريا هي الهول (فيه أقل من 305 لاجئين) والتنف ( 356 لاجئاً) والوليد (500 لاجئ) ومخيم الرويشد على الجانب الأردني من الحدود مع العراق حيث لا يزال 148 عالقاً وقال الأحمد إن المنظمة هي التي أنشأت المخيم الأخير.وجدير بالملاحظة هنا أن الأونروا لا تعترف باللاجئين الفلسطينيين إلى العراق كلاجئين في سجلاتها ولا تقدم بالتالي أي خدمات لهم ولا تتحمل أي مسؤولية عنهم بالرغم مما وصفه قادة فلسطينيون بأنه “حملة تطهير عرقي منظمة” وبالرغم من أن “ما يحدث هناك هو من أكبر المآسي الناجمة عن حرب العراق” كما قال مسؤول في منظمة “ريفيوجيز إنترناشونال” في واشنطن وهي منظمة تعنى بالمهجرين حول العالم. لقد نشأت الجالية الفلسطينية في العراق أصلا من لاجئي عام 1948 ثم انضم إليهم “نازحون” بعد الاحتلال “الإسرائيلي” لباقي الأرض الفلسطينية عام 1967 ثم تعززت هذه الجالية بعد تفكيك الجالية الفلسطينية في الكويت عام 1991 بفلسطينيي غزة الذين يحملون وثائق سفر مصرية ولم يستطيعوا العودة إلى القطاع ولا قبلت مصر استضافة من يحملون وثائقها ولم يفتح حدوده لهم آنذاك سوى العراق.وقد أعلن مسؤولون “إسرائيليون” أواخر يوليو/ تموز الماضي استعداد “إسرائيل” للسماح لعدد محدود من الفلسطينيين الهاربين من الجحيم العراقي “للعيش” في الضفة الغربية المحتلة، على ذمة النيويورك تايمز في الثلاثين من ذلك الشهر، التي نقلت عن هآرتس أن المفوض السامي للاجئين التابع للأمم المتحدة كان قد قدم طلباً مماثلاً ل”إسرائيل” قبل عامين ونصف العام لكنها رفضته لأسباب سياسية وأمنية. ورحب وزير الإعلام الفلسطيني في رام الله رياض المالكي بالاستعداد “الإسرائيلي” الجديد قائلا إنه “إنجاز عظيم ورمزي” وأضاف: “نحن نطالب بدخول جميع الفلسطينيين من العراق”.وفي تناقض صارخ لا تزال طهران مطالبة بتفسيره، يجري ميدانيا تفكيك الجالية الفلسطينية في العراق وتشتيتها وإعادة تهجيرها قسرا بأيدي ميليشيات وقوى سياسية محسوبة في ولائها وفي مصادر قوتها ودعمها اللوجستي على الجار الإيراني الذي يصنفه الاحتلال الأمريكي ضمن “محور الشر” لأن هذا الجار على وجه التحديد يعلن وقوفه دون قيد أو شرط إلى جانب قضية الشعب الفلسطيني العادلة وإلى جانب المقاومة الوطنية لهذا الشعب ضد الاحتلال “الإسرائيلي” كما إلى جانب المقاومة الوطنية السورية واللبنانية لهذا الاحتلال نفسه.إن عملية التهجير القسري الجديدة التي يتعرض اللاجئون الفلسطينيون في العراق لها منذ سقوط بغداد في أيدي قوات الغزو الأمريكي كانت نتيجتها حتى الآن تفكيك جاليتهم وتشتيتها في مناف جديدة تتوزع على الجهات الأربع للكرة الأرضية دون أن يجمع بين أوصالهم وأرحامهم المتقطعة أي قاسم مشترك سوى أن هجرتهم الجديدة دفعت بشتاتهم المتجدد مسافات أبعد عن الوطن، بأيد محسوبة على إيران بينما الاحتلال الأمريكي “يتفرج”.لقد كانت مخيمات الشتات الفلسطيني في المنافي خارج الوطن هي الرحم التي نمت فيها الثورة على الشتات والمنفى والاحتلال معا، الثورة التي انبثقت عنها منظمة التحرير نفسها، وكانت مخيمات الشتات الفلسطيني داخل ذلك الجزء الذي احتله العدو ذاته عام 1967 هي الرحم التي ولدت فيها الانتفاضة الأولى في ثمانينات القرن العشرين الماضي ثم الانتفاضة الثانية أوائل القرن الحادي والعشرين الحالي، بينما لا يزال الشتات الفلسطيني داخل دولة الاحتلال نفسها يقض مضاجع هذه الدولة في نضاله المستمر منذ ستين عاماً ضد التمييز العنصري ومن أجل الحرية والمساواة.لذلك كان الشتات الفلسطيني داخل الوطن وخارجه مستهدفا دائما للتفكيك والمزيد من التشتيت بهدف تذويبه، فدولة الاحتلال حتى قبل أن تنجح الثورة الفلسطينية المعاصرة في تحويل اللاجئين إلى مقاومين من أجل الحرية والعودة وفي تحويل مجمعات شتاتهم من مخيمات لاجئين إلى معسكرات مقاومين سعت دائما إلى تصفية القضية الوطنية لهذا الشتات وتصفية “قضية اللاجئين” التي يمثلها لأنها تعتبر حتى استمرار اللجوء كحالة إنسانية واقتصادية وسياسية مصدر خطر يهدد أمنها، أولا لأن هذه “الحالة” في حد ذاتها يمكن أن تتطور كلما سنحت لها الظروف إلى حالة مقاومة وطنية، وثانيا لأنها حالة سياسية ستظل مصدرا للضغوط الخارجية عليها، وثالثا لأنها حالة إنسانية ستظل تؤرق الضمائر الحية في العالم كافة وتشكك في الأسس الأخلاقية التي قامت عليها هذه الدولة.وليس سرا أن دولة الاحتلال “الإسرائيلي” سعت في وقت مبكر عبر القوى العظمى البريطانية والفرنسية والأمريكية التي أنشأتها إلى “دمج” اللاجئين الفلسطينيين في الحياة الاقتصادية والسياسية “للشرق الأوسط” في أوائل خمسينات القرن الماضي وهي ما زالت حتى الآن تسعى إلى حث وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” التابعة للأمم المتحدة على “توطين” اللاجئين من خلال “تشغيلهم” بانتظار “حلّ” الأونروا ونقل مسؤولياتها إلى المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة.

من المسؤول؟

إن كل مشاريع “التوطين” المتتالية التي اقترحتها دولة الاحتلال “الإسرائيلي” وحليفها الأمريكي، وفي مقدمتها مشروع “الوطن البديل” في الأردن وآخرها مشروع حل قضيتهم في دولة تتحول إلى مخيم كبير للاجئين تستوعبهم في الأراضي التي احتلتها عام ،1967 إنما كانت ولا تزال تسعى إلى الهدف نفسه وهو تصفية قضيتهم كأساس وشرط مسبق لأي تسوية سياسية “سلمية” للصراع العربي “الإسرائيلي”. (يمكن العودة إلى دراسة “مشاريع التوطين وحق العودة” للباحث زياد الشولي التي نشرها الموقع الإلكتروني ل”مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات” في 20 سبتمبر/ أيلول الماضي لاستعراض سريع لهذه المشاريع).في هذا السياق فقط يمكن فهم عملية التهجير والتفكيك والتشتيت الجارية ل”حالة اللجوء” الفلسطينية في العراق، والتي لا تعترف بها أونروا، وفي هذا السياق أيضاً يصبح من الأسهل تحديد المسؤولية والمسؤولين عن هذه العملية، وفي هذا الإطار كذلك يصبح من الأيسر الحكم على مواقف القوى السياسية العراقية والعربية والأجنبية وأيضا الفلسطينية من قضية اللاجئين الفلسطينيين، كما يصبح متاحا كشف أي تناقض بين النوايا المعلنة لهذه القوى وبين أفعالها بغض النظر عن صدق أو كذب هذه النوايا.ومن هذا السياق ينبثق سؤالان تمثل الإجابة عنهما معيارا للحكم على مواقف كل الأطراف المعنية، سلباً أو إيجاباً، من قضية اللاجئين بعامة ومن “حالتهم” الراهنة في العراق بخاصة، أولهما: هل يقود الموقف إلى تقريب أو إلى إطالة المسافة التي تفصل بين اللاجئين وبين وطنهم، وثانيهما هل يقود الموقف إلى تصليب وتماسك وصمود حالة اللجوء أم يقود إلى إضعافها وتفكيكها وتشتيتها؟ إن الإجابة عن هذين السؤالين تدين كل الأطراف المعنية بالمحنة الراهنة للاجئين الفلسطينيين في العراق بلا استثناء.ولا استثناء أيضاً لمنظمة التحرير وسلطة الحكم الذاتي المنبثقة عنها وكذلك لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” لأن الطرفين لم يستثمرا استثمارا جادا لا علاقات “السلام” التي تربط الطرف الأول استراتيجياً مع الأطراف الدولية والعربية المقررة في العراق ولا علاقات “الممانعة” و”المقاومة” التي تربط الطرف الثاني بدول الجوار العربية والإسلامية الفاعلة ميدانيا في القطر العربي المحتل سواء لكي تحول دون عملية التهجير أو لاحتواء المضاعفات الإنسانية لهذه العملية.وإذا كانت المسؤولية “الإسرائيلية” “الأولى” غنية عن البيان بالنسبة لقضية اللاجئين بعامة فإن الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل المسؤولية “الأولى” في الحالة العراقية بخاصة لأنها القوة المحتلة في العراق، فواشنطن التي كانت دائماً تتطابق وتتساوق في “رؤاها” لحل قضية اللاجئين مع الموقف “الإسرائيلي” وجدت في احتلالها للعراق فرصة عملية سانحة لتوفير الشروط الموضوعية لوضع هذه الرؤى موضع التطبيق. فعلى سبيل المثال، فإن الاعتداءات على حي البلديات الفلسطيني في بغداد كانت وما زالت تجري تحت سمع وبصر قاعدة عسكرية أمريكية تبعد عن أقرب بيت فيه خمسين متراً.وتتحمل إيران مسؤولية “ثانية”، أولا لأنها القوة النافذة الثانية في العراق بعد الأمريكان، وثانيا لأن القوى السياسية المحسوبة عليها وميليشياتها كانت هي الأداة المباشرة المسؤولة عن المحنة، وثالثاً لأن الحكومة العراقية التي نشأت في ظل الاحتلال هي حكومة “صديقة” لها كانت طهران من أوائل الدول “غير المحتلة” التي تعترف بشرعيتها وتدعمها، وهذه الحكومة والقوى السياسية المؤتلفة فيها والميليشيات التي تستظل بها هي المسؤولة “الثالثة”.وتتحمل دول الجوار العربي، أيا كان اصطفافها في الصراع الإقليمي الدائر، الترتيب “الرابع” في المسؤولية بعد أن عجزت دون أسباب مقنعة عن استيعاب بضع مئات من اللاجئين لن يقدموا أو يؤخروا في مئات الآلاف الذين تستضيفهم هذه الدول من لاجئي فلسطين، أو من العمالة الأجنبية “الوافدة”، لكي “تبادر” دول مثل البرازيل وتشيلي وكندا واليمن والسودان إلى استضافتهم “مشتتين” على مسافات أبعد عن وطنهم.

مرجعيات خطرة

وأخيراً عقد مؤتمر الخريف الدولي الذي قال الرئيس الأمريكي جورج بوش إنه يستهدف التوصل إلى “سلام شامل” في الصراع العربي “الإسرائيلي”. وهذا المؤتمر عقد في إطار عملية للسلام انطلقت أصلا في إطار قراري مجلس الأمن الدولي 242 و،338 وبالتالي فإن من المؤكد أن نتائج مؤتمر الخريف لن تتمخض عن أي حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.لذلك تجد قيادة الرئيس عباس نفسها أسيرة لهذه المرجعية، مضطرة للتعامل معها، وسط ضغوط مرجعيات أمريكية “إسرائيلية” معلنة أخرى لمؤتمر الخريف وضغوط رفض شعبي فلسطيني واسع لهذه المرجعيات تدفع هذه القيادة إلى الوقوف على خط فاصل غامض غير دقيق بين الاستحقاقات الدولية وبين الخطوط الحمر للثوابت الوطنية الفلسطينية.فإذا كانت المرجعية ل”رؤية” بوش هي رسالة الضمانات التي بعثها الرئيس الأمريكي لرئيس الوزراء “الإسرائيلي” السابق أرييل شارون في 14 ابريل/ نيسان 2004 التي وصفها الفلسطينيون ب”وعد بلفور الثاني” لأنها تستبعد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وكذلك انسحاب قوات الاحتلال “الإسرائيلي” إلى حدود عام 1967 وتعتبر تفكيك المستعمرات الاستيطانية اليهودية الكبرى أمرا “غير واقعي”، وإذا كانت مرجعية مبادرة السلام العربية لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين هي “حل عادل متفق عليه” وليس “تنفيذ” قرار الأمم المتحدة رقم 194 فإن المسوغات الموضوعية تكون حينئذ واضحة تماماً ومفهومة للقلق والمعارضة الفلسطينية الواسعة لمؤتمر الخريف.عندما سألت صحيفة “معاريف” “الاسرائيلية”، “أبو مازن” في مقابلة نشرت في ملحق السبت 27 يوليو/ تموز الماضي عما إذا كان يوافق على تفسير كثير من “الإسرائيليين” بأن عبارة “حل متفق عليه” يعني أنه لن يفرض على “إسرائيل” إدخال لاجئين دون موافقتها، أجاب: “لا أحد يستطيع إجباركم على استيعاب ملايين اللاجئين ولكن من جهة أخرى لا يمكن إجبار ملايين اللاجئين على التنازل عن حقوقهم”. وسُئل: إذن ما العمل؟ فرد أبو مازن: “يتعين علينا أن نجد حلاً خلاقاً”. وسُئل مجددا: وما هو هذا الحل ؟ فأجاب: “لا معنى الآن للحديث عن هذا، لدي أفكار، ولكنها ستطرح في الوقت المناسب”.إن الذهاب الذي حصل إلى مؤتمر الخريف على أساس هذه المرجعيات مقرونا بتصريحات نسبت إلى الرئيس الفلسطيني يؤيد فيها أن “إسرائيل” دولة يهودية لكل يهود العالم لا دولة لكل مواطنيها يفسر القلق المحموم الذي حرك قطاعات واسعة نخبوية وشعبية في المنافي وفي الأراضي المحتلة عام 1967 كما في أوساط مليون وربع المليون فلسطيني من الصامدين منذ عام 1948 داخل دولة الاحتلال نفسها للمعارضة والاحتجاج وتوقيع عرائض الرفض وتنظيم مؤتمرات “العودة” لتأكيد الحق الفلسطيني الوطني والفردي في العودة، وهذا حراك لم يفت حتى وسائل الإعلام “الإسرائيلية” إذ سجلها، على سبيل المثال لا الحصر، داني روبنشتاين في مقالة نشرتها هآرتس في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بقوله إن الفلسطينيين سيعارضون هذا التوجه، مما يعطي حجة جديدة لأعداء السلام في مؤسسة الحكم “الإسرائيلية” ممن يروجون القول إن قيادة عباس أضعف من أن تستطيع الوفاء بتنفيذ أي اتفاقيات يتم توقيعها كذريعة تسوغ لهم التنصل من الدخول في أي عملية سلام جادة.

كاتب فلسطيني*

nicolanasser@yahoo.com