2007-12-18   alkhaleej.ae  
فنجان قهوة
أمير الظلام

 أبو خلدون

“أمير الظلام” هو ريتشارد بيرل سيىء الذكر، تذكرونه ولا شك، فهو مهندس الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان والقوة الرئيسية الدافعة وراءهما، وهو الذي ورط الولايات المتحدة في كل المشاكل التي تعاني منها حالياً. وقد أطلق عليه هذا اللقب ليس لأنه يتحرك في الخفاء فقط، وإنما لأن أفكاره شوفينية ظلامية يمكن أن تعيد العالم إلى القرون الوسطى ومحاكم التفتيش.

 

و”أمير الظلام” عنوان كتاب صدر حديثاً للمخرج التلفزيوني ألان وايزمان، مخرج برنامج “60 دقيقة” الناجح، وهو لا يضيف الكثير إلى ما نعرفه عن ريتشارد بيرل، ولكنه يدق جرس الإنذار بقرب انتهاء عصر الإمبراطورية الأمريكية ويقول إن سحر المحافظين الجدد في إدارة بوش انقلب عليهم، وإن حلمهم بتغيير العالم على مزاجهم انتهى إلى الأبد وتحطم أمام صخرة صمود المقاومة العراقية. وميزة الكتاب هو أنه يوضح الأسباب التي دفعت إدارة بوش للتورط في العراق وأفغانستان، ومن هذه الناحية فإنه قد يفيد صناع السياسة في الولايات المتحدة في إعادة رسم سياساتهم.

 

وريتشارد بيرل كان متطرفاً في مواقفه السياسية قبل أن يكون محافظاً، فقد كان من أشرس المعارضين لسياسة الوفاق مع الاتحاد السوفييتي، ووصف الإمبراطورية السوفييتية بأنها “إمبراطورية الشر” قبل سنوات من استخدام رونالد ريجان هذا التعبير، وأثناء عمله في مكتب هنري جاكسون الذي خسر انتخابات الرئاسة أمام نيكسون عام ،1972 وأمام كارتر عام 1976 شن حملة شعواء، من وراء الستار، على هنري كيسنجر مهندس سياسة الوفاق مع السوفييت، وعلى زبينيو بريجنسكي بسبب سياسته في الحد من الاسلحة الاستراتيجية. ويشرح ألان وايزمن في كتابه كيف أصبح ريتشارد بيرل عرّاباً للمحافظين الشباب من أمثال إليوت إبرامز ودوجلاس فيث ومايكل ليدن وفرانك جافني وغيرهم من الذين عملوا في مكتب هنري جاكسون، وفي إدارة ريجان تولى منصب وكيل وزارة الدفاع، فجمع من حوله كل الذين يتفقون معه في مواقفه المتطرفة، وشكل “لوبي” خطيراً في الوزارة يدعو إلى المواجهة مع السوفييت، وينظر بازدراء إلى دعوات الوفاق والتهدئة التي تنطلق من المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي ووكالة المخابرات المركزية، ويعتبرها شبيهة بسياسة التهدئة التي اتبعتها الديمقراطيات الغربية في مواجهة هتلر قبل الحرب العالمية الثانية، فكانت النتيجة أنها دعت العالم إلى حرب دفع ثمنها الملايين من الضحايا، بل انه كان يعتبر الذين ينادون بسياسة التهدئة عملاء للاتحاد السوفييتي.

 

ورغم أن الكثير من المحافظين الجدد في إدارة بوش أعادوا النظر في مواقفهم بعد فشلهم في العراق وأفغانستان، وبعد الأضرار التي لحقت بصورة أمريكا في الخارج، إلا أن ريتشارد بيرل لا يزال يصر على مواقفه، وفي عام 2004 أصدر، بالتعاون مع ديفيد فروم، كتاباً بعنوان “نهاية الشر” قال فيه: “لا خيار ثالثاً أمام الأمريكيين، فإما الانتصار أو الهولوكوست، وعندما يتعرض مصير الأمم للخطر، فإن الحديث عن الليبرالية والدبلوماسية والديمقراطية واستخدام معسكرات التعذيب يصبح نوعاً من الترف الذي يثير السخرية”. وفي الكتاب يسخر ريتشارد بيرل من الذين يحذرون من انتشار موجة مكارثية جديدة في الولايات المتحدة ويطالب الحومة الأمريكية باستخدام كل ما لديها من إمكانيات عسكرية لتغيير الأنظمة المعارضة لها في الخارج، مثل سوريا وإيران، ويقول: “إن السلام العالمي تحققه القوة الأمريكية، وتحفظه القوة الأمريكية أيضاً”.

 

والتاريخ كان دائماً يسخر من أفكار من هذا النوع، فالقوة لا تحقق ولا تحفظ سلاماً، والحرية لا يمكن أن تأتي على ظهر حاملة طائرات.

 

 

أبو خلدون

 abukhaldoun@maktoob.com