أسباب سياسية إسرائيلية خطرة وراء قرار استئناف الحفريات حول الأقصى

 تحسين حلبي

2007-12-18 


يخطئ من يعتقد أن قادة إسرائيل لا يولون أهمية خاصة وفريدة لتوقيت أي إجراء يقومون به أو ينفذونه في الأراضي المحتلة إلى حدٍ جعل الكثيرين يعتقدون أن شارون الميت سريرياً وفي أقصى حالات الغيبوبة لن يعلن عن موته إلا في توقيت خاص ربما يختاره الحاخامون من أنصاره لغاية سياسية تلمودية يهودية.


ومع ازدياد مظاهر ضعف السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية أصبح من الطبيعي أن تجد حكومة أولمرت أن الوقت يعمل لمصلحتها ولا بد من استغلاله بكل طريقة ممكنة وبغض النظر عن كل مجريات وملحقات مؤتمر أنابوليس والمفاوضات التي دعا إليها بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. ومن المظاهر البارزة لاستغلال هذا الوقت هو قرار توسيع الاستيطان في القدس وقرار عدم إعطاء أي حقوق متساوية للفلسطينيين الذين أصبحوا وأراضيهم داخل السيادة الإسرائيلية بعد أن ابتلعهم الجدار الفاصل تمهيداً لترحيلهم بالطرق والضغوط الإسرائيلية المعروفة.


وأمس برز مظهر جديد وخطر لاستغلال الوقت تمثل في اتخاذ الحكومة الإسرائيلية قراراً باستئناف الحفريات عند باب المغاربة المحيط بالحرم القدسي والمسجد الأقصى فقد كشفت صحيفة (هآريتس) أن الحكومة قررت استئناف عمليات الحفريات لأسباب تتعلق بالآثار القديمة قرب باب المغاربة وبشكل متاخم تماماً للمسجد الأقصى.


ويذكر أن عمليات الحفر الإسرائيلية عند باب المغاربة كانت قد أوقفتها الحكومة في حزيران الماضي في أعقاب حملة احتجاج وتنديد عربي ودولي وتهديدات من الفلسطينيين.


لكن هذه الحملة وخصوصاً العربية منها لم تتحول إلى تأسيس هيئة دائمة عربية وإسلامية أو دولية تتولى مهمة متابعة ما قد يجري في القدس وأماكنها الإسلامية والمسيحية على يد الاحتلال الإسرائيلي وحكومة أولمرت فمضت حملة التنديد دون جدوى وها هي إسرائيل تعود وتزعم أنها قررت متابعة الحفر لأسباب تتعلق بالآثار اليهودية!


ويبدو أن الفرق بين ما تقوم به إسرائيل من انتهاك لحقوق العرب والمسلمين في القدس وبشكل علني وتحت ذرائع متعددة تصب في خدمة أهداف سياسية إسرائيلية تكمن في أن قادة إسرائيل ينشئون مؤسسة دائمة لتنفيذ خططهم على حين أن العرب لا ينشئون مؤسسة دائمة للدفاع عن حقوقهم في مدينة القدس المحتلة على غرار ما يفعله الإسرائيليون.
فثمة لجنة وزارية دائمة في كل حكومة إسرائيلية تتولى متابعة تنفيذ أي مخطط تضعه القيادة الإسرائيلية في القدس وأماكنها المقدسة وكانت هذه اللجنة نفسها قد أوصت الحكومة في شهر تشرين الأول الماضي إصدار قرار باستئناف الحفريات ووافق أولمرت على صدور هذا القرار في تشرين الثاني الماضي قبيل انعقاد مؤتمر أنابوليس وأصبح هذا القرار ملزماً ويوجب التنفيذ في تاريخ 29/11/2007 أي بعد يوم على انتهاء مؤتمر أنابوليس وبذكرى التقسيم نفسه والاعتراف بإسرائيل في عام 1947 من قبل الأمم المتحدة.


ويذكر أن الفلسطينيين جعلوا من ذكرى 29 تشرين الثاني يوماً عربياً وعالمياً للتضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته وها هو أولمرت يصدر قراره باستمرار الحفريات لتحويل معالم المسجد الأقصى إلى ما يمكن أن يخدم أهدافه السياسية والداخلية والبعيدة المدى تجاه الأقصى.


فمسألة الحفريات باسم «البحث عن آثار يهودية» ليست سوى المسوغ لهدف سياسي يراد منه في الوقت المناسب تهديد وجود الأقصى نفسه تمهيداً لإعادة ما يسمى بناء الهيكل المزعوم في موقع الأقصى الشريف نفسه. وعادة ما تكلف الحكومة «هيئة الآثار الإسرائيلية» بتنفيذ الحفريات وفق خطة تقدمها هذه الهيئة وتصدق عليها اللجنة الوزارية المختصة بشؤون القدس المحتلة بموجب تطابقها مع الهدف السياسي المطلوب تحقيقه في مدينة القدس وأماكنها المقدسة. ويكشف أحد المحللين الإسرائيليين وهو المحامي الإسرائيلي (داني زايدمان) الذي يدعو إلى تحويل القدس إلى مدينة لجميع الأديان والشعوب ويحتج على إزالة الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة فيها أن «هيئة الآثار» الإسرائيلية تتلقى التعليمات حتى في الموقع المطلوب إجراء الحفريات فيه من الحكومة وأن هذه الهيئة مجرد واجهة تتخفى وراءها الحكومة لتحقيق غايتها السياسية في المدينة. وكانت اللجنة التركية المختصة بالأماكن الإسلامية المقدسة في المدينة قد زارت مواقع الحفريات وأصدرت استنتاجاتها بأن هذه الحفريات ستؤدي إلى تغيير المعالم الإسلامية في الحرم القدسي والمسجد الأقصى وتهدد بإزالتها.


وإذا عدنا إلى التوقيت الذي اختارته إسرائيل لإصدار قرارها باستئناف الحفريات فسنجد أنه يترافق مع حالة ضعف في السلطة الفلسطينية من جهة ومع مماطلة معتادة من الجانب الإسرائيلي في المفاوضات الثنائية من الجهة الأخرى وكأن إسرائيل تسعى إلى استغلال هذا الوقت حتى نهاية ولاية الرئيس بوش في كانون الأول عام 2008 لتحقيق أقصى ما ترغب في تحقيقه من أهداف توسعية بالغة الخطورة في مدينة القدس من الناحيتين السياسية والدينية اليهودية.


فما زال الرئيس بوش الذي وعد بزيارة إلى المنطقة في الأسابيع المقبلة لدفع العملية السلمية بين الجانبين يقدم الغطاء السياسي والعسكري الدولي لكل ما نفذته إسرائيل في الأراضي المحتلة ودون ممارسة أي احتجاج وضغوط تدفعها إلى التوقف عن استئناف سياسة التوسع في مدينة القدس المحتلة. وهو لا يقدم للسلطة الفلسطينية بالمقابل سوى التحريض على شن حرب تستهدف الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية وسوى جزء من نفقات هذه الحرب التي لا يمكن للسلطة الفلسطينية تنفيذها مهما كانت الأسباب.


ومن المقدر أن يسير أولمرت بسياسته هذه تجاه مدينة القدس دون توقف لأنها بنظر المستشارين في مكتبه ستحقق له عدداً من الأهداف المطلوبة لاستمراره رئيساً للحكومة بشعبية إسرائيلية ولتوفير فرصة إعادة انتخابه رئيساً للحكومة للمرة الثانية في عام 2010 موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة.
ويستند هؤلاء المستشارون إلى التجربة التي نفذها إرئيل شارون حين كان في المعارضة واستغل موضوع القدس بشكل عام والمسجد الأقصى خصوصاً لزيادة أنصاره بين الجمهور الإسرائيلي ولزيادة عدد أعضاء الكنيست الذين وافقوا على الوقوف معه لتنسيق موعد الانتخابات تمهيداً لإسقاط باراك وانتخاب شارون. فقد قام شارون في 28 أيلول عام 2000 بزيارة استفزازية إلى الحرم القدسي بحجة «الصلاة» في موقعه الذي يضم الهيكل المزعوم فاندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية وزعزعت استقرار المفاوضات بين باراك وعرفات الرئيس الراحل وأجبر باراك على تسبيق الانتخابات فنجح شارون وسقط باراك.

*

أحزاب إسرائيل تتحول نحو التشدد.. والسلطة الفلسطينية في أضعف حالاتها

2007-12-17


لعل أهم ما حمله مؤتمر أنابوليس من معنى بعد مرور ثلاثة أسابيع على انعقاده هو أنه لم يقدّم أو يؤخّر شيئاً على المسار الفلسطيني بل حافظ في بيانه المشترك ودعوته إلى استمرار المفاوضات على الأمر الواقع الذي تتحرك فيه إسرائيل في الضفة الغربية كما تشاء وتعد نفسها في الوقت نفسه لزيادة فصل قطاع غزة عن بقية التراب المحتل في الضفة الغربية ولزيادة التصعيد العسكري ضده.

فوزيرة خارجية إسرائيل تسيبي ليفني عادت من أنابوليس لتطلق تصريحات تدعم توسيع الاستيطان في القدس وفي أراضي الضفة الغربية وكأن الفلسطينيين لم يطالبوا بوقف الاستيطان منذ اتفاقية أوسلو قبل 14 عاماً!

ومع هذه الشهية المفتوحة تجاه توسيع الاستيطان وزيادة المشاعر العنصرية تجاه الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة منذ عام 1948 والمجاهرة بالرغبة بترحيلهم بدأت الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية تشهد ظاهرتين، الأولى: زيادة الأنصار والمؤيدين لأحزاب اليمين المتشدد الذي يدعو إلى تشكيل إسرائيل الكبرى وعدم الانسحاب من أراضي الضفة الغربية. والثانية: زيادة ميل الأحزاب التي كانت تعتبر نفسها في الوسط أو «اليسار» نحو اليمين لتحقيق المزيد من الأصوات أو الأنصار.

ويبدو أن أكثر الأحزاب التي تتمثل فيها الظاهرة الثانية هي حزب (كاديما) الذي أنشأه شارون من خليط جاء من ثلاثة اتجاهات: اليمين المتشدد ويمثله شارون وأولمرت وليفني والوسط التقليدي ويمثله رجال حزب العمل في السابق شمعون بيريس، وداليا ايتسيك، وحاييم رامون ومن اليسار الليبرالي ويمثله رجال حزب شينوي الذي أعلن عن حله وتوجه نصف قادته إلى تأسيس كاديما.
وظهر البرهان على هذه الحقيقة حين حصل كاديما على 29 مقعداً في البرلمان وأصبح أكبر الأحزاب رغم أنه أحدثها.

وإذا ما قورنت الاتجاهات السياسية للأحزاب الإسرائيلية الممثلة في البرلمان الحالي فسنجد أن اليمين يزداد نفوذاً بشقيه المتشدد والتقليدي والوسط يتراجع ثم يميل إلى تبنّي الاتجاه اليميني للمحافظة على وزنه البرلماني وحصته في أي حكومة ائتلافية يشكلها اليمين بشكل عام.
فمنذ آخر حكومة شكلها إيهود باراك عام 1999 أصبحت قدرة الوسط التقليدي على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسته وبرنامجه معدومة وسيطر شارون على الساحة الحكومية منذ عام 2001 ومازال ظله مستمراً في إيهود أولمرت وحزب كاديما.

ولعل أهم ما يمكن استنتاجه من هذه الحقيقة هو أن أي حكومة إسرائيلية من هذا الطراز لن تفكر عملياً بإعطاء السلطة الفلسطينية أي فرصة لإدارة الأراضي المحتلة أو ما تبقى من هذه الأراضي بعد توسيع الاستيطان وضم الكتل الاستيطانية مرّة إلى القدس المحتلة التي اعتبرتها إسرائيل تحت سيادتها ومرّة أخرى إلى داخل الحدود الإسرائيلية قبل احتلال حزيران عام 1967.
فقادة إسرائيل أدركوا بعد اتفاقات أوسلو مباشرة أنهم يستطيعون تحقيق أهدافهم في التوسع الاستيطاني وتجزئة الفلسطينيين داخل الضفة الغربية وتجزئة أراضيهم حتى لو استمرت المفاوضات العديمة الجدوى مع السلطة الفلسطينية ولذلك حرص شارون على فرض شروط إسرائيلية في خطة خريطة الطريق يستحيل على أي سلطة تنفيذها، فما بالك بالسلطة الفلسطينية التي تعمل تحت سلطة احتلال تحمل أهدافاً تتناقض مع الأهداف المعلنة للسلطة الفلسطينية؟.

فوزيرة الخارجية (ليفني) لم تختلف في أدائها وتصريحاتها الداعمة لتوسيع الاستيطان وتكثيف المستوطنين في الأراضي المحتلة عن أداء وتصريحات سلفها سيلفان شالوم الذي بقي في حزب الليكود ولم ينتقل إلى حزب شارون كاديما.

كما أن أولمرت لم يبتكر جديداً في رئاسته للحكومة منذ كانون الثاني 2006 في أعقاب مرض شارون وغيبوبته التامة، فخطط شارون كانت معدة بتفاصيلها وخطوطها العريضة بما فيها خطة عدوان تموز 2006 على قوات حزب الله ولبنان وأولمرت كان تلميذاً في تنفيذ هذه الخطط، وهذا كله من الطبيعي إن لم يكن من المحتم أن تدركه قيادة السلطة الفلسطينية لأن السياسة الإسرائيلية تتم عملية ترجمتها على الأرض يومياً وأمام أعين قادة السلطة الفلسطينية في الجدار الفاصل وفي زيادة رقعة الاستيطان ورقعة الضم وفي عمليات الجيش الإسرائيلي لقتل وأسر الفلسطينيين يومياً.

وقيادة السلطة الفلسطينية تطلع يومياً على زيادة عدد الأسرى والأسيرات داخل سجون إسرائيل وتدرك أن عددهم كان قبل خمس سنوات أو أكثر 7 آلاف ثم أصبح الآن 12 ألفاً وأن عدد القتلى في السنوات الخمس الأخيرة في حالة ازدياد مستمرة دون أن يؤدي التجاوب مع المفاوضات إلى تجميد هذا العدد أو إلى تجميد المستوطنات والاستيطان؟!

والطريف العجيب أن أحد قادة حركة ميريتس ناعومي حازان تقول أمس في صحيفة جروزاليم بوست إن إسرائيل لا يحق لها مطالبة السلطة الفلسطينية بتنفيذ المرحلة الأولى من خريطة الطريق وهي المرحلة التي تفرض على السلطة (شن حرب على الإرهاب) ومنع (التحريض ضد إسرائيل بجميع أنشطة ومظاهر الحياة).

وتعبتر حازان أن هذه المرحلة دفنت وماتت لأن إسرائيل لم تلتزم بشروط المرحلة الأولى هذه، وهي تجميد الاستيطان وإزالة النقاط الاستيطانية غير القانونية (أي التي أنشئت دون ترخيص مسبق من الحكومة) وطالما أن الجانبين لم يلتزما بتنفيذ المرحلة الأولى فقد أصبح الطريق معبداً برأيها نحو المرحلة الثانية من خريطة الطريق وهو ما لم تقبل حكومة أولمرت به.

ويعترف محللون إسرائيليون بأن خدعة المفاوضات الإسرائيلية كان ينبغي أن تكون واضحة لقادة السلطة الفلسطينية لأن إسرائيل كانت تؤكد التزامها بإجراء مفاوضات حول مسائل رئيسية مركزية تتعلق بالتسوية الدائمة مثل القدس واللاجئين ومستقبل المستوطنات لكنها لم تكن تعلن رسمياً ومسبقاً عن موقفها حين يصل الجانبان إلى مرحلة التفاوض على هذه المسائل.
ويضيف هؤلاء بأن إسرائيل كانت تنفذ ما تراه على الأرض ولا تعلن أنه سيقفل باب التفاوض حول هذه المسائل فالقدس تحولت إلى جزء من السيادة الإسرائيلية من كافة النواحي والمستوطنات جرى ضم جزء منها إلى القدس وجزء آخر أقر بوش ضمه إلى إسرائيل فماذا سيبقى إذن؟ اللاجئون؟!

لقد حاولت حكومة أولمرت إقفال هذا الموضوع بطريقة عملية على غرار ما تقوم به من استيطان على الأرض حين طلبت من رئيس السلطة الفلسطينية الاعتراف بأن إسرائيل دولة لليهود لكي يتحقق لها تجنب تحولها إلى الأراضي التي سينفذ اللاجئون حق العودة باتجاهها..

وقال أولمرت لعباس في ذلك الوقت إنه سيسمح بإنشاء دولة للفلسطينيين وحدهم في أراضي الضفة الغربية وهو يريد منه أن يعترف بإسرائيل كدولة لليهود وحدهم؟!

يبدو أن السلطة الفلسطينية تدرك طبيعة النيات الإسرائيلية لكنها تعول بالمقابل على تبديل هذه النيات وعدم تحولها إلى أفعال بالاعتماد على واشنطن التي كان أنابوليس آخر عنوان لدورها المنحاز والداعم للسياسة الإسرائيلية؟!


*

ورطــة إسرائيــل تتفـاقــم ســواء أجتاحــت القطـاع أم استمـرت على سياستهـا الراهنــة؟

2007-12-16


يعترف عدد من المحللين العسكريين في إسرائيل بأن عجز المخابرات الإسرائيلية وقوات الاحتلال التي تحيط بغزة من كافة الاتجاهات عن اكتشاف مكان وجود الجندي الإسرائيلي الأسير وعدم النجاح في استعادته سواء عن طريق تبادل الأسرى مع حركة حماس أم عن طريق عملية عسكرية يشكل أكبر ضربة معنوية يتلقاها الجيش بعد الضربة التي تلقاها من حرب تموز 2006 من قبل قوات حزب الله.

ويبدو أن هذا العامل بدأ يرتسم على شكل مخاوف كثيرة تنتاب قادة إسرائيل من احتمال دفع ثمن بشري باهظ إذا ما أصدرت الحكومة قرارها بتنفيذ عملية اجتياح واسعة لقطاع غزة، فقد ظهر في الأسابيع القليلة الماضية رأيان داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تجاه طريقة وإستراتيجية التعامل مع قطاع غزة بعد حزيران وخروج السلطة الفلسطينية الرسمية منه: الأول يحمله وزير الدفاع إيهود باراك ويتأثر به كثيراً رئيس الحكومة والثاني يحمله رئيس الأركان الجنرال غابي أشكنازي ويؤيده فيه قادة هيئة الأركان أو معظمهم في أحسن تقدير. فباراك يرى أن استمرار العمليات العسكرية التكتيكية على قطاع غزة أكثر جدوى من الاجتياح الواسع الشامل في هذه الأوقات وبالمقابل يرى الجنرال أشكنازي أن الجيش جاهز عسكرياً ولا ينقصه سوى موافقة القيادة السياسية وأن خططه العسكرية المعدة لضرب قوات حماس في القطاع جاهزة أيضاً.

لكن صحيفة يديعوت أحرونوت تشير إلى حقيقة أن الأمر لا يتعلق باجتياح غزة ودخول القوات الإسرائيلية إلى قلبها بل يتعلق بمخاوف أولمرت رئيس الحكومة ومعه باراك من عدم الخروج من القطاع بالسرعة الممكنة وبالإنجازات المطلوبة، وكان مراسل القناة (1) العبرية أمس الأول قد أكد أن أولمرت يخشى من وقوع إصابات كثيرة في صفوف أفراد الجيش داخل القطاع فيدفع القيادة العسكرية إلى التوصية بالبقاء مدة أطول للانتقام من المسلحين الذين أوقعوا الإصابات في صفوف الجيش. كما يخشى باراك من جانبه أن يقع جندي أو عدد من الجنود أسرى في أيدي قوات المقاومة الفلسطينية في القطاع فيزداد عمق الأزمة والفشل الذي سيتولد عن اجتياح كهذا.

ولذلك أكد أولمرت رئيس الحكومة بموجب ما ذكرته القناة (2) العبرية أنه سيوافق على عملية اجتياح متوسطة الحجم إذا ما أقنعه الجيش بأن الانسحاب سيكون سريعاً من قطاع غزة.
وكشف المراسل العسكري الإسرائيلي للقناة (1) الذي يرافق الآليات والقوات التي تحتشد حول قطاع غزة أن الجيش بدأ يهدد قادة حماس وكوادر إداراتها الموجودة في مراكز وأبنية ثابتة في القطاع بالقصف والتصفية الجسدية إذا لم يتوقف قصف صواريخ القسام عن مستوطنات إسرائيل في الجنوب قرب بئر السبع وعسقلان.

وذكرت بعض التحليلات السياسية الإسرائيلية أن القيادة السياسية لا تعتقد أن الحرب على الفلسطينيين في القطاع تستوجب اجتياحاً وإعادة احتلال ثم انسحاباً سريعاً بل حرب استنزاف دائمة وقصفاً مدفعياً وجوياً وعمليات تصفية جسدية ريثما تستخدم السلطة الفلسطينية أنصارها في داخل القطاع لاستعادة سيطرتهم على قطاع غزة ومؤسساته الأمنية، لكن هذا الرأي يصطدم برأي آخر يحمله قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية السرية والمخابرات العسكرية الذين يحذرون من تصاعد عمليات تهريب أسلحة متطورة وخصوصاً الصواريخ إلى قطاع غزة ومن اكتساب كوادر المقاومة الفلسطينية داخل القطاع للمهارات العسكرية ما دامت هذه الفرصة بدأت تتوافر لهم منذ حزيران 2007.

ويرى قادة المخابرات أن سقوط صواريخ القسام على المستوطنات لا يشكل الحجة المركزية التي يتعين أن تدفع الحكومة لاتخاذ قرار الاجتياح والتصعيد العسكري لأن الخطر الداهم على إسرائيل يتمثل في زيادة القوة المسلحة للمنظمات الفلسطينية داخل قطاع غزة ونجاحها في تهريب الأسلحة والذخائر إلى القطاع.

وكان آخر تقرير تقدم به الشاباك (جهاز الأمن السري الإسرائيلي) قد جاء فيه: إن أطناناً من المتفجرات يجري تهريبها إلى داخل قطاع غزة وأن السكوت عن القطاع سيزيد من قوة التحصينات التي تعمل المقاومة على إعدادها.

ويقول روني دانيال المراسل العسكري الإسرائيلي للقناة (2) العبرية: إن باراك يميل إلى رسم خططه بحذر شديد لأن أي فشل جزئي في قطاع غزة سيدفع خصومه إلى تشكيل لجنة على غرار فينوغراد وإلقاء المسؤولية عليه فيتساوى في الفشل والانتقاد مع إيهود أولمرت. ولذلك يحاول قادة الجيش إقناعه بأن توسيع العمليات والدخول إلى عمق أكثر داخل قطاع غزة لن يكون محفوفاً بمخاطر الفشل أو التورط لمدة طويلة.

ويبدو أن القيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية لم تستطع إخفاء هذا التخبط تجاه مواجهة الحالة الخاصة والمميزة داخل قطاع غزة خصوصاً أن أحد المستشارين العسكريين لرئيس الحكومة أولمرت حذر من خطر النجاح أو الفشل على السواء. فقد ذكر أن نجاح أي عملية اجتياح واسعة سيؤدي إلى قتل العشرات إن لم يكن المئات من المدنيين وعندما يحدث ذلك لن تستطيع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية إلا التجاوب مع صرخات شعبها ناهيك عن إمكانية تصاعد العمليات المسلحة الفلسطينية من داخل الضفة الغربية.

ويرى هذا المستشار أن الفشل الإسرائيلي سيزيد في النهاية من رصيد منظمات المقاومة الفلسطينية ويعزز نفوذها وقدرتها داخل الضفة الغربية وسيخفض بالمقابل ما تبقى للسلطة الفلسطينية من رصيد في كلتا المنطقتين الضفة الغربية وقطاع غزة على السواء.

ويصف أحد الصحفيين الإسرائيليين ورطة إسرائيل تجاه قطاع غزة واستمرار انطلاق صواريخ القسام منه بالمقامرة التي يحاول المقامرون المحترفون تجنب المراهنة عليها لأن المكسب سوف يكون قليلاً على حين أن الخسارة ستكون أكبر من حجم ما وظف في هذه المقامرة بسبب أبعادها على أكثر من اتجاه ومجال.

ولذلك دافع أحد الوزراء الإسرائيليين من حزب كاديما أمس عن موقف أولمرت الحذر والمتريث تجاه أي تصعيد على قطاع غزة وقال للقناة (1) أمس الأول: إن إسرائيل تستطيع العيش والاستمرار في الجنوب ما دام لا يتسبب القسام بأضرار بشرية لكنها ستخسر كثيراً إذا ما اجتاحت القطاع لإعادة احتلاله، وما بين الحذر والتصعيد يصبح التوقيت الذي ستختاره القيادة السياسية الإسرائيلية للاجتياح رهناً بقدرة العسكريين على الإقناع بالبدء بتحديد ساعة الصفر لعملية اجتياح بحجم متوسط.

في أغلب الاحتمالات، ومهما كان القرار الإسرائيلي المقبل خلال أيام أو أسابيع قليلة أصبح من الواضح أن إسرائيل تواجه ورطة حتى حين تعمل على التشجيع والتحريض من أجل استمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة.


*

ليفنـي بعـد أنابوليـس: مـا زلنـا ننتظر مـن السلطــة الفلسطينية شن حربها على «إرهاب» الفلسطينيين؟!

2007-12-10


يبدو أن جدول عمل المفاوضات المقررة غداً الأربعاء بين فريقي التفاوض الإسرائيلي والفلسطيني أصبح معروفاً من ناحية المواضيع والنتائج على السواء خصوصاً بعد مرور أسبوعين على انتهاء مؤتمر أنابوليس. فبعد عودتها من ذلك المؤتمر عقدت (تسيبي ليفني) وزيرة الخارجية الإسرائيلية اجتماعاً لكتلة حزب كاديما البرلمانية التي يرأسها إيهود أولمرت رئيس الحكومة وتعد (ليفني) أحد قادتها في الثالث من كانون الأول الجاري وقالت بموجب ما نشره موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية الإلكتروني: «إن الأسبوع الماضي كان أسبوعاً جيداً لإسرائيل ولأمتنا ولأهدافنا السياسية».


وأضافت: «عند عودتنا من أنابوليس كان من المناسب أن نسأل أنفسنا إذا ما كنا قد حققنا الغاية التي ذهبنا من أجلها إلى أنابوليس، ودعوني أؤكد أننا حققنا ما يلي:


استمرار المفاوضات مع الطرف البراغماتي في السلطة الفلسطينية، واستمرار حريتنا في شن العمليات المسلحة ضد «النشاطات الإرهابية» في كل مكان سواء في قطاع غزة أم في الضفة الغربية. وطلبنا في أنابوليس أن تنفذ السلطة الفلسطينية كافة الالتزامات التي تفرضها عليها خطة خريطة الطريق وحركنا هذه المسألة مشترطين أن تبرهن السلطة الفلسطينية على قدرتها في ضمان أمن إسرائيل مقابل موافقتنا بعد تنفيذ هذا الشرط على إنشاء دولة فلسطينية».


وبدأت ليفني أمام أعلى هيئة قيادية في حزبها كاديما توضح وتستشرف ما يمكن أن يحدث بعد ذلك وخصوصاً ما يمكن أن تقوم به أو لا تقوم به السلطة الفلسطينية وكيفية استغلال إسرائيل لهذا العجز أو التعثر في تنفيذ التزامات خريطة الطريق. وأشارت إلى أن إسرائيل حققت إنجازاً كبيراً حتى في البيان المشترك الصادر عن الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني واعتبرته وثيقة مهمة لأنه يتضمن التأكيد على تنفيذ السلطة الفلسطينية لكل التزامات خريطة الطريق قبل أن تتحرك إسرائيل في تنفيذ التزاماتها.


وقالت: إن البيان المشترك لم يتضمن أي فقرة تتحسس منها إسرائيل أو تناقض مصالحها في المفاوضات مؤكدة أن إسرائيل رفضت وجود أي جدول زمني يتحدد في نهايته التوصل إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية. وكان من بين أهم ما أشارت إليه أن إسرائيل فرضت على المجتمع الدولي ألا تجري المفاوضات بين الجانبين إلا على قاعدة ثنائية ودون مشاركة أي طرف آخر فيها.


وبالمقابل كانت السلطة الفلسطينية منذ إعلان الرئيس بوش في تموز 2007 عن مبادرته لعقد مؤتمر دولي يبحث في التوصل إلى اتفاق على فكرته الداعية إلى وجود دولتين إحداهما الدولة الفلسطينية والأخرى دولة إسرائيل تتطلع إلى تجاوز مراحل خطة خريطة الطريق ولاسيما المرحلة الأولى منها والبدء بالتفاوض على المسائل المرتبطة بالحل الدائم بين الجانبين وهي: اللاجئون، والقدس، ونزع الاستيطان وإنشاء الدولة الفلسطينية ورسم الحدود.


وبدا مما نتج عن أنابوليس وعما ذكرته ليفني لقادة حزبها أن إسرائيل رفضت ذلك وأجبرت السلطة الفلسطينية على العودة إلى نقطة الصفر في خطة خريطة الطريق وخصوصاً المرحلة الأولى التي تفرض فيها إسرائيل على السلطة الفلسطينية تنفيذ التزامها «بنزع البنية التحتية المسلحة» في الضفة الغربية وقطاع غزة وإزالة كافة أشكال التحريض ضد إسرائيل والقيام بإصلاحات مؤسساتية في هيكلية السلطة الفلسطينية.


وفي اجتماعها مع قيادة الحزب حاولت ليفني التأكيد على أن تنفيذ السلطة الفلسطينية لتعهداتها في محاربة «الإرهاب» يستلزم من الدول العربية تقديم الدعم المطلوب في هذا الاتجاه للسلطة الفلسطينية وقالت: «ولن يستطيع أي رئيس للسلطة الفلسطينية إنجاز هذا الالتزام إلا إذا حصل على دعم غير مشروط من العالم العربي» وربطت هذا الدعم بضرورة شروع بعض الدول العربية بالتطبيع مع إسرائيل وإقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة معها. بل إن ليفني استخدمت وسيلة براغماتية لإجبار بعض الدول على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل حين قالت: «وينبغي علينا الآن بعد عودتنا من أنابوليس أن ننفذ سياسة خاصة مع هذه الدول العربية تقوم على مطالبتها بترجمة هذا الدعم ونقله إلى إجراءات فعلية تجاه إسرائيل مقابل ما تقوم به إسرائيل تجاه الفلسطينيين» وبشّرت ليفني قادة الكتلة البرلمانية قائلة: «وإن معركة السلطة الفلسطينية ضد الإرهاب سوف تبدأ» وقالت: «أما المرحلة المهمة التي آمل أن نكون قد دشنا بدايتها فهي الانتقال إلى المسار الذي سوف يسمح للدول العربية بالقفز عن السياج والتقدم نحو ترجمة الدعم للعملية السلمية واتخاذ إجراءات إيجابية باتجاه إسرائيل».


ويظهر من كل ما تقدم أن هذا البرنامج الإسرائيلي المعد من قبل حكومة أولمرت هو الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه سواء عقد مؤتمر أنابوليس أم لم يعقد، سواء تلي البيان المشترك أم لا ومن ثم لم يكن أنابوليس سوى محطة أميركية أو شبه دولية تسعى إسرائيل الآن إلى استغلال ما حققته فيها لتغيير واقع الضفة الغربية والقدس وإشغال الفلسطينيين بالانقسام.


فإسرائيل لا تزال هي وواشنطن تشترط على السلطة الفلسطينية عدم إرجاء أي حوار مع حركة حماس في قطاع غزة ولا في الضفة الغربية مثلما تشترط على بعض الدول العربية عدم التوسط بين الجانبين وكأن مصير ومستقبل (1.5) مليون من الفلسطينيين في قطاع غزة أصبح خارج أي اهتمام سياسي في العملية السلمية أو لدى السلطة الفلسطينية!؟


ومن المقدر ألا تعمد إسرائيل إلى تسهيل نجاح المفاوضات المقررة غداً وستطرح استفسارات حول الأنباء التي تتحدث عن احتمال وجود وساطة مصرية لإجراء حوار بين حركتي حماس وفتح قريباً.


فإسرائيل تريد من السلطة الفلسطينية الآن شن حرب أهلية بين الفلسطينيين باسم تنفيذ المرحلة الأولى من التزاماتها في خطة خريطة الطريق بموجب ما أعلنته (ليفني) أمام كتلة كاديما ولعل هذا هو أحد أسباب تأجيل إيهود باراك وزير الدفاع لتنفيذ عملية عسكرية مكثفة وواسعة ضد قطاع غزة.
فقد ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أمس أن رئيس الأركان غابي اشكنازي يلح على تنفيذ هذه العملية ويعلن أن الجيش والمعدات جاهزة لكن باراك يؤجل ذلك، وبهذه الطريقة يصبح الفلسطينيون تحت خطر المذابح الإسرائيلية المقبلة.


 

 

*

هـل أصبحــت مسألـة الاستيطــان وتوسيعــه خارج طاولة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية؟!
2007-12-09