2007-12-29
حقوق ليست للبيع

عوني صادق

 

 

انتهى “مؤتمر باريس للمانحين” بمشاركة أكثر من 90 دولة ومنظمة متجاوزا حدود الكرم الذي تطلعت إليه حكومة سلام فياض، إذ تعهد المشاركون الكرماء جدا بتقديم 4.7 مليار دولار على مدى السنوات الثلاث المقبلة. والسؤال ليس ما إذا كانوا سيوفون بتعهداتهم، أم أنها ستبقى مجرد أرقام على الورق أدت مهمة محددة في لحظة محددة، بل السؤال الأهم هو: مقابل ماذا كل هذا الكرم؟ وهل هو من أجل أن يرى الفلسطينيون دولتهم الموعودة، وما علاقة الأموال الممنوحة بقيام هذه الدولة؟

 

كثيرون يرون أن مؤتمر باريس جاء استكمالا لاجتماع أنابولس، وأن ما اتفق عليه من أرقام مالية في باريس هو ثمن ما اتفق عليه من خطط سياسية في أنابولس، والمدقق في الظروف والحيثيات يجدها ناطقة بالعبرية الفصحى! ففي الفترة بين الاجتماعين، ازدادت النشاطات العدوانية “الإسرائيلية” على كل الصُعُد: الاغتيالات والتوغلات وتوسيع الاستيطان وحتى استئناف الحفريات في باب المغاربة. لقد وصل عدد الشهداء في قطاع غزة وحده في هذه الفترة إلى حوالي ستين شهيدا إلى جانب عشرات الجرحى، كما أعلن عن عطاء لبناء 300 وحدة سكنية في جبل أبو غنيم، وكشف عن مخطط لبناء مستوطنة جديدة في القدس الشرقية تضم حوالي 15000 وحدة سكنية، وتواصلت تصريحات المسؤولين الأمنيين الصهاينة عن اقتراب عملية عسكرية واسعة لقطاع غزة تستهدف إعادة احتلال محور صلاح الدين، وأخرى تعيد التأكيد على أن القدس الكبرى وحق العودة والتجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية هي خارج نطاق المفاوضات النهائية، وكأنما “الدعم المالي” الذي قدم للسلطة في رام الله كان غطاء كافيا لكل تلك النشاطات العدوانية والتوسعية.

لقد كانت تصريحات المسؤولين الصهاينة عشية انعقاد مؤتمر باريس مفرطة في الوضوح ولا تدع مجالا للاجتهاد “المغرض”، وتشير إلى أن ما انطوت عليه كان أمرا تم الاتفاق عليه في أنابولس بحيث يتحول مؤتمر باريس إلى مجرد حفل للتوقيع عليه. وفي الاجتماع الأسبوعي لحكومة إيهود أولمرت الذي سبق افتتاح المؤتمر مباشرة، قال أولمرت لوزرائه: “بالطبع تبقى المسألة الأساسية ل”إسرائيل” هي قدرة السلطة الفلسطينية على مواجهة المسائل الأمنية وتفكيك المنظمات الإرهابية وضمان ألا يمارس الإرهاب ضد “إسرائيل”. وفي الإطار نفسه، وفي كلمتها في مؤتمر باريس، أكدت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني المعنى نفسه عندما قالت: “تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين والمخاوف الأمنية “الإسرائيلية” هما طرفا معادلة واحدة”، وهي تعني أن تحقق الأولى مرهون بتحقق الثانية.

وتعليقا على خطط بناء مستوطنات جديدة وتوسيع المستوطنات القديمة، لم تزد وزيرة الخارجية الأمريكية عن القول: إن توسيع المستوطنات لا يساعد على (بناء الثقة) بين الفلسطينين و”الإسرائيليين”! أما مساعدها، ديفيد وولش، فكان (أبعد نظرا) حيث قال: الإدارة الأمريكية تريد معرفة ما إذا كانت هناك عطاءات مستقبلية للبناء في المستوطنات! والمسؤولان الأمريكيان معذوران أن ينسيا أن الاستيطان كله كان غير شرعي حتى جاء جورج بوش الابن فجعله شرعيا، وهو ما لا يجب أن ينساه الرئيس محمود عباس وكبير مفاوضيه صائب عريقات اللذان اعترضا رفعاً للعتب. وقد ردت ليفني عليهما بالتذكير والتشديد على “عدم إمكان الدخول إلى غرفة المفاوضات مع اتهامات متبادلة”!

وقد بررت كلمة عباس في مؤتمر باريس كل تجاهل لحقوق الشعب الفلسطيني التي يفترض أن تعنيها مقولة “الدولة الفلسطينية”، إذ أكد على مواقف تمثل “كلمة السر” في كل ما حصل عليه من دعم سياسي ومالي، فرفض التفاهم مع حركة “حماس” وفي الوقت نفسه شدد على أنه لن يتخلى عن قطاع غزة.

لكن الأخطر في خطاب عباس تأكيده على “الالتزام بخريطة الطريق” وتشديده على أن (مكافحة الإرهاب) هي الأولوية الأولى لديه! فكيف يمكن أن يعتبر اتهاما أن يقال إن المعنيين “أقنعوه” أن كل ما حصل عليه شيء مرهون بتصفية المقاومة الفلسطينية؟ وفي الإطار اقترح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إرسال قوات دولية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة (لمساعدة الأجهزة الأمنية للسلطة) في التصدي والقضاء على منظمات المقاومة في الضفة وفي قطاع غزة على حد سواء، فعندها فقط يمكن إسقاط كل الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني والتغلب على كل عقبات الطريق إلى قيام “الدولة الفلسطينية”. وقد فضح البيان الختامي الصادر عن مؤتمر باريس كل ما تم الاتفاق عليه في اجتماع أنابولس، وما تم التوقيع عليه في باريس، بكلمات قليلة افادت أن الدعم السياسي والمالي الذي قدمه المشاركون في المؤتمر “سيكون لمواكبة عملية السلام التي انطلقت من أنابولس”، وأن هذا “الدعم السياسي والمالي القوي مقدم إلى حكومة الرئيس محمود عباس ورئيس وزرائه سلام فياض ورؤيتهما لمستقبل الدولة الفلسطينية”! وبالمقابل، فقد قرر المؤتمر ضمنا ولكن بشكل واضح، أنه لا دولة فلسطينية خارج هذه الرؤية، التي هي في آخر التحليل رؤية “إسرائيلية” تسقط كل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني التي نسوا جميعا أنها ليست للبيع.