على الكورنيش البحري لمدينة صيدا يجر الولد الفلسطيني محمد الموعد (ابن العشر
سنوات) خلال العطل المدرسية، عربة صغيرة صفت على مدار حافتها عرانيس الذرة
الشهية. ليس محمد بائع عرانيس، بل هو بائع أي شيء في موسمه. الموسم للعرانيس،
لكن الحمل كبير على ابن العاشرة. هكذا، كلما مالت دفة العربة، يحاول الولد
تلافي اندلاق المياه الحارقة لشدة سخونتها والتي تسبح فيها بعض عرانيس الذرة
منتظرة من يشتريها، كي لا تحرقه. من الكورنيش ينتقل الى الشوارع الداخلية بحثاً
عمّن قد يشتري منه، فيزيد حصيلة نهاره بضعة آلاف تكون بمثابة بحصة تسند خابية
جيب الوالد، العامل ليل نهار لإعالة العائلة المؤلفة من تسعة أفراد.
ولمحمد، وهو من مخيّم عين الحلوة، طموحاته «المعلقة»، بانتظار تحسن الأحوال.
وعمله «المؤقت» لا يجعله ينسى تلك الطموحات. يقول «أريد أن أصبح مهندساً كبيراً
وسأجتهد» مضيفاً كمن يردد حكمة اليوم «نحن الفلسطينيين سلاحنا هو العلم. بس
الدولة (اللبنانية) عم تقسى علينا كشعب فلسطيني». يبدو كلام الولد أكبر من عمره
وبالطبع من قامته التي تطل من أعلاها عينان يقظتان ولسان «جواباته تحت باطه»
كما يقول التعبير الشعبي. وأولاد اللاجئين خصوصاً في مخيمات البؤس، يكبرون قبل
أوانهم. والكثير منهم لا تعنيهم «الملذات الطفولية» كاللعب وامتلاك الدمى أو
الحصول على ثوب جديد أو «بلايستايشن». فالواقع الأمني للمخيم وكذلك الواقع
الاجتماعي، يفرضان حضورهما القوي على أطفاله. هكذا تسمعهم يرددون كلام الكبار
كمن يفهم ماذا يقول «السلاح يجب أن يكون ضد إسرائيل مش ضد بعضنا»، يقول الفتى
أحمد ياسين الذي يشكو أيضاً فقر والده الذي يعمل سائقاً. وهو فقر «يمكن ما
يخليني حقق حلمي بأن أصبح طبيباً. ولكن، أنا بدي ساعد بابا وبحبو كتير لأنه
بيتعب حتى يعيّشنا».
وأسئلة أولاد عين الحلوة دائماً تكون على شاكلة الأسئلة المتعلقة بالمصائر.
يقول الفتى محمد السعدي «ليش نحنا أطفال عين الحلوة وفلسطين غير عن كل أطفال
العالم لا نعيش بسلام ولا يوجد لدينا ألعاب ومنتزهات»؟. لا أحد يجيبه عن هذا
السؤال المحرج. فكونه لاجئاً لا يجب أن يترافق مع حرمانه من حقوقه الاساسية،
ولكن من يشرح له الحال؟ أياً يكن، ليست هذه الطموحات بذاتها أولوية للسعدي، فهو
اعتاد شظف الحياة، و«الطخطخة» أي إطلاق النار باللهجة الفلسطينية خلال
الاشتباكات في المخيمات وخارجها. «من حقنا أن نعيش بسلام ودون طخطخة» يقول لك.
وذلك لا شك من حقه، فمخططات محمد لا يمكن أن تتحقق من دون أن تتوقف «الطخطخة»
على الأقل. وهو، مثل أترابه الذين حكينا معهم في أحد أزقة عين الحلوة الشقية،
يعرب عن رغبته في أن «أتعلم وأستقر وأتزوج» متى كبر، بعد أن «أصبح محامياً».
لكنه ينتبه فجأة الى أن طموحاته غير قابلة للصرف، فيستدرك بجملة جارحة للقلب «بس
يمكن ما أقدر، ما أنا فلسطيني؟».
