ترفقَ بي صاحبي حين حدثني عن رحيلٍ إلى موطىء للقدمْ
تساءلتُ : - ياصاحبي كم مواطىءَ قد زُلزلت قبلُ من تحت أقدامنا ؟!
وكم من رياحٍ محت ما تجرأ من خطونا أن يقيم دليلا
على أننا ذات يوم مررنا هنا !
ما ادعيت بأنا لبثنا هنا
ρρρρρρρρρρ
وفاجأني صاحبي أن موطئه الآن لا كالمواطىءِ،
موطئه رقعةٌ خلف ظهر الوطن .
تناءت إلى ما وراء أريحا وعمق سدوم ،
وزمجرَ من روعِه :
- سمّها ما تشاءُ ،
فناءً من الخلف ، محضَ قفا، غير أنك لا تستطيع ادعاءً
سوى أنني حجرٌ، شجرٌ مُشهرٌ عُريهُ إن أردتَ ،
ولكنني فوق أرض الوطن ،
وفي وهج الشمس ، أقسم لي أنه لن يظلله غير فيء العلم.ْ
ρρρρρρρρρρ
وأفزعني عندما زارني بعد عام طويلْ ،
وفي صوته بحَةٌ وألم ْ،
ومن غور عينيه غـيمٌ تدافع َ،
ما نبست شفتاهُ ، ولا اغـرورقت مقلتاهُ
ولكن طيفاً ألمّ ، وغشّى على ناظريهِ ،
فألفيته ذاهلاً يائسًا
حين أفصح لي صاحبي دون همسٍ
عن الهم والأمل المستحيلْ ،
عن الأخطبوط ِ، وألف ذراعٍ تطوق في الغور جيد النخيل ،
وعن قاتلٍ مجهشٍ بالبكاء يغذ الخطا خلف نعش القتيل ،
وألف يهوذا يبيعون بالثمن البخس طفل الجليل .
ρρρρρρρρρρρ
وحين دعاني إليه أجبتُ ،
تجرّعت ذ لَّ " المحاسيم "، (1)
مَسّحتُ بصقة جنديهم عن جبيني،
تبسّمتُ في وجهه رغم أنفي ، وقلت: - " شالوم"
ولاحت على البعد مستوطنهْ ،
على هامة التل ، قرميدها مثل قبعةِ الإنكشاريِّ ،
لم تخفَ يوماً عليَّ
لها مثل لون د مي ونبيذ الكروم .
تعالى سياجٌ يُزِنرُها ، يتمدد للسفح ، للذبح ،
يهوي على ألف زيتونةٍ تتضاءل وسط حصار الهشيم ،
فأنكرتُ بستان جدي القديم
على كتف " اللحف" (2) يمتد مُسترسلا للبياد ر ،
ناديت في لهفة بقرات ٍ ثلاثٍ لجديَ
للتوِّ فارقتها ، منذ خمسين عاماً فقط .
وأجهشت شوقاً " لحَجلة " شوقاً "لعِنابة" ولأم التوائم
"نوارة "، (3) في جنون الربيع يطوف بها طائفٌ ،
ثم يتركها تذرع السهل والوعر،
والطفل يعدو ، يولول ، يعثر ، ينهضُ ،
ينهش ساقيه جيشٌ من الشوك يصطف ، يفغر أفواهههُ
النَهِماتِ على جانب الدربِ، يغرز أنيابه والغاً في دماه ْ.
يهيم على وجهه ، غيّبتهُ تلاليف أقصى الحقول .
يطاردني فزعٌ أن تضيع َ
وأن لا تعود إلى البيتِ .
يخجلني لوم جدّي ، بأنيَ ما كنت يوماً جديراً،
وما كان دوماً يطيرُ بلبّي ،
ويدهش قلبي
سوى أنها سبقتني إلى الدار ، ما ضيّعت دربها أو توانت
على عادة السائرين
ρρρρρρρρρρρ
سلامٌ على بيت جدي القديم ،
حجارته تتناثر تحت سنابك مستوطنهْ ،
على جذع زيتونةٍ يُستباحُ، ولكنه لا يُخلي المكان ،
يظل يزاحم غرقدةً تتطاول فوق ضريحِ ولِيٍّ كريم ،
نذ رنا له في الزمان النذور ، وطفنا بساحته حالمين
على أنه اليوم لا وقت للحُلمِ.
أيقظني من ذهولي انتهاء الزيارة : - غادرعلى الفور.
أبلغني مرغماً صاحبي .
فودعتُ موطئه والقدم ْ
وعدتُ بلا موطىء أو قدم ْ
وكل الذي قد خبرتُ بهذي المفازة ما زاد عن زلةٍ للقدم.ْ
(2)الِلحِف : الأرض الطينية الحمراء في سفح الجبل بالعامية الفلسطينية
(3)"حَجلة و عِنابة ونُوّارة: أسماء بقرات كانت لجدي أيام زمان