فيلم 'المر والرمان لنجوى النجار' فاز بجائزة الفيلم العربي في 'ترايبيكا ـ الدوحة'

  نجوى النجار: بطولة الفلسطيني الحقيقية في قدرته الدائمة على الحياة

 رحاب ابو هوشر

15/12/2009

عمان ـ 'القدس العربي' لم تذهب المخرجة نجوى النجار بعيدا عن حكايتها الفلسطينية عندما اختارت 'المر والرمان' عنوانا لفيلمها الروائي الأول. تذكرتْ أسطورة كانت قرأتـْها من الموروث الشعبي الفلسطيني، وتقول الأسطورة أن في كل رمانة بذرة تأتي من الجنة، هي بذرة الأمل والحياة، فمزجت حلاوة الرمان بمرارة عيش الفلسطيني تحت الاحتلال، وكتبت بالمذاقين سيناريو وحوار الفيلم أيضا.

الفيلم جاء مغايرا في طرحه لنمطية سادت سينما القضية الفلسطينية، كما تميز بأسلوب إخراجي ناضج، ظهر جليا في سيطرة المخرجة على عناصره الفنية، وفي قدرتها العالية على التوظيف الرمزي لفنون أخرى كالرقص في تشكيل رؤيتها الإخراجية، فأحرزت نجاحا كبيرا في شد حواس وأحاسيس المتلقين حتى النهاية.


'المر والرمان' فيلم يجسد العذابات التي يواجهها الفلسطينيون في ظل الاحتلال، بلغة سينمائية حرصت على إبراز الوجه الإنساني للفلسطيني في تفاصيل عيشه اليومية، من خلال قصة تجري أحداثها في فلسطين، عندما يتزوج (زيد) من (قمر) العاشقة للدبكة والرقص الشعبي، ويأتي بها من القدس لتقيم معه في رام الله، حيث يعمل في مزرعة زيتون تمتلكها أسرته، وتلتحق زوجته بفرقة للدبكة والرقص الشعبي في المدينة. لا تمض أيام على الزفاف، حتى تداهم قوات الاحتلال المزرعة لمصادرة الأرض واعتقال زيد، بعد مواجهة عنيفة أبدعت المخرجة في تصويرها، لتصبح العروس زوجة معتقل، محاطة بالمحظورات الاجتماعية، ولا تجد إلا الرقص ملاذا للتحرر، فتتسلل عائدة لفرقة الدبكة، حيث تلتقي مدربا جديدا، هو (قيس)، الفلسطيني القادم من لبنان، وتنشأ بينهما مشاعر مبهمة، تظل حبيسة الصمت والصراع الذي تعيشه (قمر) ما بين وفائها لزوجها المعتقل وإعجابها بالمدرب، والذي تحسمه بالعودة لزوجها بعد الإفراج عنه.

شارك فيلم 'المر والرمان' في عدة مهرجانات سينمائية دولية، وحصل على جوائز منها جائزة مهرجان سان سباستينان الاسباني عام 2008، كما افتتح 'الليالي العربية' في مهرجان دبي السينمائي عام 2008، وكانت آخر مشاركاته في مهرجان ترايبيكا الدوحة، حيث انتزع جائزة الجمهور لأفضل الأفلام العربية قبل بضعة أيام. والمخرجة نجوى النجار، درست الإخراج السينمائي في الولايات المتحدة، وفي رصيدها بضعة أفلام وثائقية وروائية قصيرة، وتقيم بين عمان ورام الله. التقيتها في عمان حيث يعرض فيلمها حاليا، وحاورتها لمعرفة المزيد حول تجربتها السينمائية في هذا الفيلم:

كنت المؤلفة وكاتبة السيناريو والمخرجة للفيلم، من أين أتيت بفكرة الفيلم؟

أردت تقديم قصة واقعية عن الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال، لم أرغب بتقديم فيلم وثائقي عن ظروف الاحتلال كما اعتدنا في الكثير من أفلامنا. فكرت بقصة حول أناس عاديين، يمارسون حياتهم اليومية في ظل المعاناة المستمرة، وفي نفس الوقت لا يتجاهلون إنسانيتهم. إنهم مثل كل البشر، يحبون ويتزوجون ويفرحون ويتألمون. الفلسطينيون قبل أن يكونوا موضوعا لقضية، هم ذوات إنسانية لا تختلف عن أي انسان في هذا العالم، وهم شعب لأفراده ملامحهم الاجتماعية وتقاليدهم التي تخصهم. هذه كانت الفكرة الأساسية التي أردت إبرازها، وقمت بصياغتها عبر قصة حب وزواج، لا يهنأ بها العروسان بسبب الاحتلال، فيسجن الرجل لدى الاحتلال، وتسجن المرأة في ثقافة المجتمع، في معادلة ما بين قيود الجسد في السجن الصغير، وقيود المجتمع الكبير الذي أسر زوجته، وبالتالي يأسرنا كلنا.

هل هو فيلم تجميلي للواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، ألم يكن 'ناعما' بالنسبة لفيلم عن القضية؟

بالخلفية كان الاحتلال واضحا في قسوته، نقاط التفتيش والحواجز، الجدار العازل، ومصادرة الأرض، السجن، المعاناة والخوف، قطعا لم يكن تجميليا. لكنني ركزت على فكرة كوننا قادرين على صنع الحياة، وعيشها بتفاصيلها الإنسانية بالرغم من الألم والواقع المأساوي. إن نحن فقدنا القدرة على الحياة أو توقفنا عن الحب، عندها فقط يكون الاحتلال قد انتصر، لأنهم يريدوننا أن نموت. نحن لسنا أبطالا فقط، أو شهداء ومعتقلين، نحن بشر قبل كل هذا.

كيف تتحدد ملامح البطولة التي تصل حد الترميز في شخصية، وما هي المسافة التي تفصلها عن ملامح الإنساني؟

بالنسبة لي ليس البطل فقط من يقوم بأعمال خارقة ضمن مفاهيمنا السائدة، والتي تفقد الإنسان إنسانيته، عندما نحوله إلى رمز لا يجوز المساس به، منزه عن الأخطاء والضعف البشري. إنني مع بطولة تكشف الإنساني العميق في الشخصية، 'قيس' في الفيلم بالنسبة لي بطل، بما واجهه خلال لجوئه في لبنان، وبقدرته على الصمود، واصراره على الاستمرار واستكمال حلم والده، بالعودة إلى فلسطين. والبطل بالنسبة لي هو إنسان يشبهني، ويمكنني رؤيته والإحساس به. هذا هو البطل الحقيقي بنظري. ما عدا ذلك يصبح أبطالنا آلهة، وأنا لا أبحث عن آلهة.

أثار 'المر والرمان' جدلا واسعا، وطالته انتقادات تعلقت بموضوعه، كما اختلفت قراءاته السينمائية؟ لماذا برأيك أثار كل ذلك الجدل؟


لم أصنع الفيلم بقصد إثارة الجدل، ولم يكن اختياري لقصة الفيلم لتكون مثار جدل، فوجئت حقيقة بحجم الجدل الذي أثير على مدار سبعة أسابيع من أول عروضه في مدينة رام الله، من قبل النقاد والصحافيين، وللأسف كان منها بعض الآراء التي تناولت الفيلم بشكل أسيء فيه فهم رسالته، وكشف لي ذلك ما وصلنا إليه من انغلاق فكري، رغم أن مجتمعنا كان يتميز دائما بالانفتاح الاجتماعي والثقافي، ورغم تميزنا تاريخيا أيضا بالتحضر، وتقبل الاختلاف الفكري. على أنني من جانب آخر سررت بهذا الجدل، لأنه دلالة حراك ثقافي على الأقل. كان لا بد للاختلاف في قراءة الفيلم من أن يثير جدلا، وهذا من الإيجابيات التي حققها الفيلم.

تشكل شخصية المعتقل أو السجين قيمة رمزية في تاريخ النضال الفلسطيني، وقد تعرض الفيلم لهجوم من بعض الأطراف في الداخل، باعتباره شكل إساءة لشخصية السجين وزوجته. هل كان كسر هذه الرمزية مقصودا لديك لرغبتك في تقديم رؤية جديدة؟


السينما هي أداة للتعبير عن الفكر الحر، لا تحتمل قيودا ولا ضوابط ولا خطوطا حمراء، كما لا تحتمل أيضا الاختلافات في الفكر والرؤية، بين هذا التيار وذاك، ولكل مجتمع خطوطه الحمراء التي أتفهمها، لكنني كمخرجة أو فنانة لا يمكنني الالتزام بها كإطار يحدد عملي. كيف يمكنني تقديم ما أعتبره إبداعا، أو ما يشكل إضافة، اذا التزمت فقط بما يريده المجتمع، وما الحاجة للإبداع كله إذن؟ علاوة على ذلك، فإن ما قدمته في الفيلم، ربما لاقى اعتراضا من البعض، لكنه لامس هموم آخرين كثر. التقيت بسجناء محررين، وبزوجات سجناء، قاموا بشكري على الفيلم، وذكروا لي بأن ما قدمته لا يقارن بالمعاناة الفعلية التي تعيشها الزوجات خلال سجن أزواجهن. أحدهم قال لي: لن تصدقي وأنا السجين السياسي (الرمز) ما فعله أهلي بزوجتي. كل همي كان تسليط الضوء على هؤلاء الذي يدفعون الثمن من حياتهم وحياة أسرهم، ثمنا لحرية شعب ومجتمع بأكمله، لكنهم في نفس الوقت منسيون ولا يشعر أحد بمعاناتهم ومعاناة زوجاتهم كبشر، لديهم احتياجاتهم الإنسانية وآلامهم أيضا.

هل هذه الطروحات، على إنسانيتها، تعد من أولويات الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، ويعاني من القصف والترويع والتجويع؟ هل المرأة التي تجهد لتربية أولادها وحمايتهم، تجد متسعا لهموم الأنثى العادية في أي مكان في العالم؟

أود التأكيد بداية على تميز المرأة الفلسطينية، وإثباتها لذاتها في كل مكان تتواجد فيه، فهي امرأة واعية، عاملة، قوية، وقادرة على إدارة حياتها، ونتيجة لظروف الاحتلال القاسية، كثيرا ما يلقى عليها عبء العائلة بأكمله، وتنجح في مهمتها بشكل مشرف. وخلال عملي على الفيلم في الداخل، لقيت تعاونا كبيرا، ولم أشعر بأي تعصب أو رفض، الوضع قاس وشديد الصعوبة، لكن المرأة الفلسطينية موجودة دائما وفي كل مكان، ولا زال المجتمع منفتحا هناك في فلسطين.
ربما كان في سؤالك إشارة إلى بعد طبقي، وفي الحقيقة لم أهتم به في الفيلم. كنت أشتغل على الإنساني الموجود لدى كل امرأة، وأتساءل هل إذا كانت المرأة منهمكة بحياة أولادها، ألا تشعر بالوحدة؟ وهل تموت احتياجاتها ورغباتها، ومخاوفها وآلامها كإنسانة؟ ربما تختلف أشكال التعبير وفقا لشخصية كل امرأة ومستواها التعليمي والثقافي والاقتصادي، لكنني أعتقد أن الإحساس الإنساني واحد، وقد قابلت نساء عديدات في مرحلة الإعداد للفيلم، ومن مختلف المستويات والظروف، حتى أمسكت بملامح الشخصيات التي رسمتها لكل امرأة في الفيلم.

يتميز الفيلم باحتفائه بالمكان وبالبيئة الاجتماعية، ويكشف عن طقوس الحياة الفلسطينية، وهو ما ندر أن رأيناه في السينما الفلسطينية. هل تعتقدين أن الفلسطيني-الإنسان غائب الحضور سينمائيا؟

نعم، لقد ظلت الحياة الفلسطينية مغيبة سينمائيا في معظم ما أنتج من أفلام، ولم يطلع العالم على جوانب الحياة اليومية للفلسطينين، بوصفهم شعباً، لهم أسلوب حياة ممتد، لهم تقاليد وطقوس ومأكولات، بالإضافة إلى تراثهم في الغناء والرقص. خلال عملنا على الفيلم، تركز معظم الجهد على تلك التفاصيل، عملنا عليها بعناية. في مرحلة الإعداد، قمت بإجراء دراسات مطولة، حتى توصلت لما يتوجب تقديمه. وبالتأكيد فإنني أردت الاحتفاء بالمكان أيضا، لأن فلسطين جميلة جدا، بجغرافيتها وطبيعتها ومعمارها. عادة لم نكن نرى سينمائيا إلا جانبا واحدا من الواقع الفلسطيني، وهو المأساة، وعلى أهميته، إلا أن الجانب الآخر، الاجتماعي والتاريخي الذي يشير إلى وجودنا وبقائنا، ظل مهمشا. كثير من الناس ومنهم عرب، لا يعرفون شيئا حتى الآن عن أسلوب حياة الفلسطينيين، وقد واجهت هذا في مهرجان دبي، جاءتني ممثلة بحرينية، بعد عرض الفيلم، وقالت لي: الآن عرفتكم وعرفت كيف تعيشون.

ينفتح الفيلم على مشهد واسع للأرض الفلسطينية. أنت الفلسطينية الأمريكية المولد، كيف تشكل وعيك بهويتك كإنسانة ثم كفنانة؟ كيف انبنت علاقتك مع الوطن-الأرض؟

هذا سؤال ملتبس، لأن خصوصية الهوية لا تعنيني حقا، فوالدي نشأ في القدس لكن جذوره تمتد إلى مدينة السلط الأردنية، أما والدتي فهي من مدينة يافا. لقد نشأت في بيت عربي، لا يقيم وزنا لكل هذه الفروقات، وفي نفس الوقت، نشأت على الانتماء لعروبتي ولقيمي الانسانية. أما علاقتي بفلسطين، فهي لا تنفصل عن علاقتي بكل ما هو إنساني. قضية فلسطين بالنسبة لي هي قضية حق عادلة، لا تختلف نظرتي لها عما كان يجري مثلا في جنوب إفريقيا. القضية بالنسبة لي إنسانية أكثر من كونها وطنية في إطار ضيق، بغض النظر عن انتماءاتي العائلية.

في الفيلم إبراز لهوية الأسرة الدينية، خلال طقس الزواج مثلا، وفي أكثر من موضع. لماذا اخترت لفيلمك أسرة مسيحية وليست مسلمة؟

لم يكن ذلك مقصودا تماما، فالمسيحيون وأنا منهم موجودون في فلسطين إلى جانب المسلمين، وهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، لذلك لم أجد مشكلة أو محاذير في تقديمهم، بالإضافة إلى بعد آخر مهم بالنسبة لي، وهو ما يحدث مؤخرا، من تراجع لخطاب القضية بوصفها قضية وطنية لصالح اعتبارها قضية دينية - اسلامية، أنا هنا أشدد على أنها قضية وطنية، وتمس كافة فئات الشعب الفلسطيني، وهي في جذورها، مثلما جرت مصادرة الأرض في الفيلم، قضية أرض محتلة. فالصراع في نظري ليس صراع الإسلام ضد اليهودية، وإنما صراع الشعب الفلسطيني ضد الاسرائيليين.

هل يحمل الفيلم رؤيتك الخاصة للصراع، تغلق (أم حبيب) باب مقهاها وهي تقول: 'بره في مشاكل'. هل الأمر مجرد مشاكل؟ و'زهقت الاسرائيلية والفلسطينية'. هل تضعين الطرفين في نفس الكفة؟

شخصية أم حبيب تحمل رؤيتي للشعب الفلسطيني، فهي ترمز للروح الفلسطينية، وللمرأة الفلسطينية القوية المكافحة، والتي لا تخشى المواجهة، وفي نفس الوقت هي الممتلئة بالحياة والباحثة عن الحب. وهي أكثر الشخصيات التي أحببتها، وقد استلهمتها بالمناسبة من امرأة فلسطينية، تدير مقهى في مخيم قلنديا، ذات شخصية ملفتة بقوتها.

العبارات التي قالتها (أم حبيب)، كانت تعليقا على الأخبار الواردة من الراديو حول مباحثات السلام، والكلمات المستهلكة مثل الشجب والإدانة... الخ، وفي نفس اللحظة، كان الجنود ينتشرون في الخارج. هذا كان تعبيرا عن تردي الحال في الداخل، وعن الإنهاك النفسي والمادي الذي يعانيه الناس هناك، لقد تعبوا من الكلام المستهلك والفشل الدائم، وتعبوا من الاحتلال وفقدان الأمل، لأنهم بشر ببساطة، ومن حقهم عيش الحياة مثل كل البشر. لم يكن ثمة موقف سياسي بالمعنى الذي أشرت إليه أبدا.

لغة الفيلم السينمائية بدت هادئة، واتسمت بمقاربات غربية، والبعض يقول أن بعض المشاهد في جرأتها نسبيا، وغير المألوفة في السينما الفلسطينية، كانت لحسابات المشاركات الغربية وغير ذلك. ما رأيك؟
ما هو مفهوم اللغة السينمائية لدينا؟ هل السينما مجرد تأثير واحد، أو أسلوب واحد؟

هل المطلوب مني أن أشتغل دائما على الصراخ والثرثرة لأتناول القضية. وهل تعد هذه ميزة أم عيبا تتسم به السينما العربية أو على الأقل معظم الأفلام المنتجة حتى الآن؟

الأمر بالنسبة لي مجرد أسلوب سينمائي، لم أفكر بمقاربة سينما الغرب، او تقديم ما يناسبهم ليصفقوا لي، الجمهور الغربي ليس هدفا لي. كل ما فكرت به هو صناعة فيلم يعبر عن أفكاري، سواء شاهده العرب أو الغرب، لم يكن هناك ما يجبرني على وضع ما يتعارض مع أفكاري لأكسب الغرب، ومع ذلك، فحين عرض الفيلم في المهرجانات العديدة في أمريكا وأوروبا، لاقى صدى طيبا، والصالات كانت تمتلئ بالجمهور، أما على مستوى تقنيات الأسلوب، فهذا يعود للمؤثرات الخاصة بي، أسلوبي الفني باعتباري خريجة جامعة أمريكية ربما حمل ملامح مختلفة قياسا بأسلوب مخرج درس السينما في مصر مثلا. هذه التصنيفات كلها لا تعنيني.

تميز أداء الممثلين بالصدق والعفوية، على ماذا اعتمدت في رؤيتك الفنية لأداء الممثلين؟

بشكل من الأشكال كانت لديّ بالتأكيد رؤيتي الفنية تجاه الأداء التمثيلي، ولكن لا أستطيع الحديث عن أسلوب خاص في الإخراج، فهذا فيلمي الروائي الأول. تصوري للأداء ارتبط بتجسيد حياة واقعية، لذلك اعتمدت على فكرة الحديث، كنا نتحدث كل يوم، نجلس جميعا وأطلب منهم ان يتحدثوا، ولكن دون الإخلال بالسيناريو، اشتغلت من خلال الحديث على إبراز التفاصيل في شخصيات تحيا حياتها اليومية، وصولا إلى أداء واقعي يتلاءم مع أجواء الفيلم. حين عرض الفيلم في مهرجانات اوروبية، كان أداء الممثلين أكثر ما أثار اعجابهم، ووصفوه كما قلت بالعفوية، لأنهم تمكنوا من الاحساس بالشخصيات، كانت قريبة منهم عاطفيا وانسانيا.

كيف قمت باختيار الممثلين؟ وهل كان اختيارك لياسمين المصري، الممثلة الفلسطينية المقيمة في لبنان لأداء دور (قمر)، لما يتطلبه الدور من جرأة نسبية، غير متاحة لدى ممثلات في مجتمع لا زال محافظا كالمجتمع الفلسطيني؟

لم يقع اختيارها ضمن مثل هذه الحسابات. ذهبت إلى عدة بلدان في مرحلة الإعداد بحثا عن ممثلين. كنت أفكر بممثلين عرب، في حال عدم توفر ممثلين فلسطينيين، وكان يهمني أيضا إجادة اللهجة. قمت بعشرات تجارب الأداء لممثلات في عمان، بيروت، لندن، وغيرها لا سيما وأن معظم الممثلات الفلسطينيات متوزعات على بلدان مختلفة، فهيام عباس تقيم في أمريكا، وياسمين المصري في لبنان. أعجبت بأداء ياسمين المصري، وأقنعتني بقدرتها على تقمص شخصية (قمر)، بالإضافة إلى لياقتها العالية ومهاراتها في الرقص، وهو ما يتطلبه الدور في الفيلم، فوقع الاختيار عليها، وبالتالي لم تكن تلك المسألة في ذهني.

معظم الأفلام فلسطينية يتم إنتاجها بتمويل خارجي، أوروبي على الخصوص، ما رأيك بتلك الأفلام؟ هل ترين أن الأفلام الفلسطينية كانت ستنال ذلك الاهتمام العالمي لو لم يقف خلفها تمويل أوروبي؟ وهل نجاحات السينما الفلسطينية نابعة من المستوى الفني للفيلم أم من موضوع القضية؟

فيلمي تم إنتاجه بتمويل عربي وفلسطيني بنسبة 80 'والباقي كان أوروبيا. بالنسبة لي فأنا لا أفضل التمويل الخارجي، حتى أظل حرة في اختيار موضوع فيلمي، وفي أسلوب تنفيذه، وحتى في آليات بيعه وتوزيعه وعرضه، هذه المسائل كله قد يتدخل فيها الممول، لهذا لا أحبذه. اما بالنسبة لتجارب الآخرين من السينمائيين الفلسطينيين، لدينا بالطبع مخرجون مهمون، عملوا بتمويل أوروبي، مثل ميشيل خليفي وايليا سليمان وهاني ابو اسعد. هؤلاء أسماء كبيرة في السينما الفلسطينية، أصبحت معروفة عالميا، لما قدموه من اعمال مهمة، حيث نجحوا في تقديم القضية ومعالجتها بمستوى فني رفيع، وبالتالي قاموا بخدمة القضية، كما أسسوا لحضور اسم فلسطين إبداعيا في السنيما العالمية، رغم التمويل الاجنبي. ولكن هذا لا ينفي وجود البعض ممن عمل بتمويل أجنبي دون تحقيق نجاح يذكر، سواء بالنسبة لرصيد السينما الفلسطينية أو بالنسبة للقضية.

هل تؤمنين بدور وظيفي للسينما؟ وهل تقدمين ما يمكن تسميته بسينما القضية، أم تسعين لتقديم أنماط مختلفة من الأفلام شكلا ومضمونا؟

بشكل أساسي أنا من المؤيدين لمفهوم السينما للسينما، ولكننا نعيش في منطقة تحتم علينا معالجة كثير من القضايا وتسليط الضوء عليها، إذا ما كنا مؤمنين بدور للثقافة والفنون في التغيير، لكنني أتمنى أن أتمكن يوما ما من تقديم سينما وحسب، بما تتضمنه من اهتمام خالص بالشكل والجماليات البصرية. عندما فكرت بالفيلم، كانت البداية بسيطة، وتتمثل برغبتي في أن أحكي قصة، فأنا أحب القصص، وأردتها أن تكون قصة بشكل جميل سينمائيا. أما مقولة الدور الوظيفي للسينما، فلست مؤمنة بها أبدا، وأرفض أي مضمون مهما كانت أهميته، إذا كان على حساب الشكل الفني، وبخلاف ذلك لا يمكن تسمية ما يقدم بأنه سينما.

أنا مخرجة سينمائية فقط، ولا أحب أن أصنف، ربما يدور فيلمي المقبل حول فكرة إنسانية مختلفة تماما، لا أدري.

ضمن تجربتك السينمائية، ومشاركاتك في عدة مهرجانات عربية وعالمية، كيف تقيمين تأثير السينما على فهم العالم لقضيتنا؟

التأثير ملموس ويتضاعف يوما بعد يوم، كلما ازداد نشاطنا السينمائي حول العالم، مما يعزز فرص التقارب بيننا والشعوب الأخرى، ويساهم في فهم قضيتنا بشكل أوسع، وهذا ما نلمسه كسينمائيين في المهرجانات المتعددة، التي تقام اليوم في مختلف أنحاء العالم. للسينما بالتأكيد دور إيجابي كبير، خصوصا مع وجود سينمائيين فلسطينيين وعرب، حققوا مكانة مرموقة عالميا.

ودعيني أركز هنا على أن ما ذكرت يرتب مسؤولية على المجتمعات العربية لدعم السينمائيين والفنانين بشكل عام، فلن نتمكن من مواصلة العمل دون وعي المجتمعات بأهمية السينما الخارجة منها، فنيا وثقافيا واجتماعيا، وتلقينا دعمهم بمشاهدة أعمالنا. اتمنى ان ارى أفلامنا تحل بديلا عن أفلام هوليوود التي استهلكت ذاتها، ولم تعد قادرة على تقديم أية قيمة فنية أو إنسانية.

 

القدس العربي 15/12/2009