الاستفتاء على المآذن - جوديث سوندرلاند*

 دعوة للتحامل على المسلمين والتحيز ضدهم


09/12/2009

زيادة التحامل على المسلمين في غرب أوروبا والتحيز ضدهم... هذا هو مع الآسف لسان حال التصويت المقرر يوم الأحد على تعديل الدستور السويسري لحظر بناء المآذن.


إذ وكما يظهر من حملة الاستفتاء الناجحة لحزب الشعب السويسري ضد المآذن، فإن الأحزاب اليمينية المتشددة، بعد أن تجرأت إبان ظهورها القوي في انتخابات البرلمان الأوروبي شهر حزيران/يونيو المنقضي، بدأت تعكف على بث المخاوف من التغيرات السكانية والإرهاب الدولي بلعبها على وترين: بناء المساجد وارتداء الحجاب الإسلامي. وملصق حملة 'صوتوا بنعم' في سويسرا يُلخص الأمر بشكل فج؛ مآذن مُشرعة كالصواريخ من أرضية العلم السويسري وراء امرأة ترتدي النقاب.


ولطالما استفزت مخططات بناء المساجد في المدن الأوروبية الاحتجاجات القوية، وأحياناً انطوت الاحتجاجات على أعمال تخريب مروعة، واُستخدمت فيها الخنازير، التي يعتبرها الكثير من المسلمين مخلوقات غير طاهرة. وفي آذار/مارس وُضع رأس خنزير بلا عينين على سور مسجد في منطقة كيجي في براغ وعليه الرأس لافتة تقول 'أوقفوا الإسلام'. كما تم وضع أسياخ تعلوها رؤوس خنازير في موقع لمسجد من المقدر بناؤه في النمسا عشية رأس السنة الجديدة لعام 2007. وقام رئيس مجلس بلدة تابع لرابطة شمال إيطاليا في مدينة بادوا بدحرجة خنزير على أرض مخصصة لمسجد جديد في عام 2008.


وتبنى حُكّام بعض المدن مخططات بناء مساجد رسمية، لكن هناك بلديات ومحليات لا حصر لها في شتى أرجاء البلدان الأوروبية أوقفت وأعاقت الموافقة على إجراءات الموافقة على بناء المجتمعات المحلية المسلمة للمساجد.


إن حرمان الأقليات الدينية من إقامة الشعائر الدينية ينتهك حقها في حرية المعتقد الديني. وفي تشرين الأول/اكتوبر الماضي حذرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سويسرا من أن حظر المآذن ينتهك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأدانت أسما جاهانجير خبيرة الحريات الدينية في الأمم المتحدة هذا الحظر، وقالت إنه وبوضوح ينتهك الحق الأساسي في تعبير المرء عن معتقده الديني.


كما يعيق الخلاف حول المساجد وإلى درجة عميقة تحقيق الأهداف الهامة الخاصة بمكافحة التمييز وتشجيع اندماج مجتمعات أوروبا الجديدة في الثقافات الأوروبية القائمة. وبينما وفي بعض الحالات ربما كانت هناك آليات وأنظمة محلية مشروعة لمعارضة بناء المساجد، فإن المعارضــــين الأبرز للموضوع كثيراً ما يؤطرونه في صــــــورة الحفاظ على الموروث المسيحي الأوروبي، أو مكافحة التطرف الإسلامي. وبعرض الإســـلام كدخــــيل خطير، فإن هذه الحجج تصم المسلمين بالعار وتدخل في زمرة التمييز كما نعرفه.


وقد أجرت وكالة الحقوق الأساسية بالاتحاد الأوروبي استطلاعاً موسعاً في 14 دولة أوروبية، وانتهى إلى أن واحد من كل ثلاثة مسلمين في أوروبا عانى من أحد أشكال التمييز على مدار الشهور الاثني عشرة المنقضية. وواحد من عشرة مسلمين قال إنه تعرض خلال نفس المدة لاعتداء أو تهديد أو مضايقة جسيمة، وكان التطرف من دوافع هذه التصرفات. والأغلبية العظمى لم تُبلغ حتى عن التعرض للحوادث من هذا القبيل، إذ أنها لا تثق في إمكانية تلقي المساعدة أو التعويض على ما حدث.


وكما هو حال قضية المآذن، فإن السياسات الوطنية والمحلية في فرنسا وألمانيا وبلجيكا تحظر النقاب أو تضيق على ارتدائه، مما يُرسل برسالة ضارة بأن المسلمين غير مُرحب بهم، وهو ما يؤدي إلى تقويض ثقة المجتمعات المسلمة في حصولها على معاملة تتسم بالمساواة.


وفي كلمة ألقاها مؤخراً الرئيس نيقولا ساركوزي عن الهوية الوطنية الفرنسية، أكد على أن ما دعاه باسم 'البرقع'، غير مُرحب به في فرنسا. ومنذ حزيران/يونيو الماضي عقدت لجنة برلمانية فرنسية جلســات لتحديد سياسات وردود مشروعة على المتصور كونه زيادة ارتداء النساء للحجاب الكامل، وهناك قانون خاضع للمناقشة عن حظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة.
وفي المانيا كان لإجراءات تقييدية أكثر محدودية آثار مُدمرة على حقوق المرأة المسلمة. فهناك قوانين معمول بها في ثماني ولايات ألمانية تحظر على المُدرسات وغيرهن من الموظفات ارتداء الحجاب في مكان العمل، مما يُجبر النساء على الاختيار بين معتقدهن الديني وعملهن. والنتيجة كانت أن فقدت ألمانيا مُدرسات موهوبات كثيرات.


يميل مؤيدو الحظر إلى الاستناد إلى ثلاث حجج أساسية: الحاجة لحماية حقوق المرأة، ودمج المهاجرين المسلمين بالمجتمعات الأوروبية، والحيلولة دون ظهور الإرهاب محلياً. لكن الحظر المعمم أداة فجة، ويُرجح أن يكون ضررها أكثر من نفعها. فالحظر يصم النساء اللاتي يخترن ارتداء الحجاب بالعار ويهمشهنّ، كما ينتهك حقوقهن الأساسية، فيما لا يفيد أدنى فائدة من يرتدين الحجاب بالإكراه.


لقد ألهب التصويت السويسري حماسة الأحزاب اليمينية المتشددة في شتى أنحاء أوروبا. فحزب الشعب الدنماركي، وحزب فلامس بيلانغ في بلجيكا، ورابطة شمال إيطاليا، والحزب الهولندي للحريات، سرعان ما أشادوا جميعاً بالتصويت، وتعهدوا بالسعي لإعداد مبادرات شبيهة في بلدانهم. ويراقب المُشرعون في شتى أنحاء أوروبا النقاش الدائر حول الحجاب الإسلامي في فرنسا، في دول منها إيطاليا، حيث تم إعداد مشروعي قانون يحظران النقاب في شتى أرجاء إيطاليا.


وسوف تستمر المناقشات الدائرة على المستوى الوطني بشأن التعددية الدينية والثقافية في المجتمعات الأوروبية التي تعاني من الخوف من الإرهاب واندماج تجمعات المهاجرين. إلا أنه من الواجب صياغة خطة لمنع التطرف العنيف ولترويج الاندماج، على أن يكون أساسها منح المهاجرين وأبنائهم نصيب عادل من وطنهم الأوروبي، وتشجيعهم على المشاركة وليس العزلة. وهذا يعني احترام الحقوق الأساسية في عدم التعرض للتمييز وحرية المعتقد الديني.

*باحثة أولى في قسم غرب أوروبا في هيومن رايتس ووتش