| 14/12/2009 |
| في يوم 17 كانون الأول/ديسمبر عام 1979 اختطف
المناضل ناصر السعيد في أزقة بيروت واختفى إلى هذه اللحظة. توجهت حينها أصابع الاتهام إلى أطياف وميليشيات تعمل على الساحة اللبنانية حينها جندتها أموال النفط لإخراس صوت إنسان كان لا يمل من النضال والمواجهة منذ بداية الخمسينيات على ارض وطنه الأم ومن ثم في المنافي العربية. وحسب روايات المقربين إليه كان ناصر السعيد في طريقه إلى إجراء مقابلة صحافية، فتوجه من دمشق مكان إقامته إلى حي معروف في بيروت الغربية ولم يعد. وفي خضم الحرب الأهلية اللبنانية والتعتيم الإعلامي في الحقبة السعودية الإعلامية اندثرت قضية اختطاف الرجل، وصمت الجميع حتى هذه اللحظة ما عدا محاولة إعلامية متواضعة للتذكير بمأساته ومأساة عائلته التي فقدت والدا تجاوز حدود بيئته الضيقة، ونذر حياته للعمل السياسي الذي تجاوز الهويات الضيقة، وأثبت قدرة على التنظيم على خلفية مجتمع لم يكن يعرف بعد سوى مفاهيم السلطة كسيف ومنسف. ولد ناصر السعيد في مدينة حايل عام 1923 وكان من الأوائل الذين عاشوا فترة القمع السعودي الذي أرسى دعائمه حاكم المنطقة الجديد عبد العزيز بن مساعد الجلوي أحد أقرباء الملك عبد العزيز الذي تقاسم هذا الشرف مع أخيه عبد الله الذي سلط سيفه على رقاب أهل الاحساء تلك المنطقة المهمة على ضفاف الخليج، وذلك قبل حقبة النفط لموقعها الاستراتيجي وقربها من أهل القرار البريطانيين في الكويت والبحرين، حيث كانت المعبر للإمدادات البريطانية الآتية إلى الداخل السعودي، هذا بالإضافة إلى أهميتها كمصدر للدخل الذي توفره تجارة الموانئ الراسية في مرافئها. تربى ناصر السعيد مع جدته، ويذكر أنه دخل السجن معها وهو في عامه السابع على اثر حادثة وملاسنة بين هذه الجدة وأمير المنطقة الجديد. هاجر ناصر السعيد إلى مخيمات ارامكو الحديثة طلبا للعمل بعد أن شحت موارد العيش في بلدته فانخرط في العمل مع صفوف العاملين من أبناء الجزيرة المهاجرين إلى حقول النفط والوافدين من الخارج، ومنهم الفلسطينيون القدامى الذين هجرتهم حرب 1948 فوجد بعضهم فرصا للعمل البدوي في النقل والحفر وحراسة المنشآت، بالإضافة إلى توفير البنية التحتية لصناعة النفط الجديدة. أكثر ما هاله حينها هو الوضع المزري لعمال ارامكو السعوديين والعرب وحالة العنصرية التي فرضتها شركة ارامكو ومسؤولوها الأمريكيون حيث تبنت أسوأ أنواع المعاملة والفصل بين العمال حسب لون بشرتهم، وتردي وسائل النقل المتوفرة له،م والوجبات اليومية المقدمة لهم. كان ناصر من الأوائل الذين فطنوا لهذه العنصرية والتمييز اللذين احتاجا إلى سيف السلطة السعودية وأمير منطقة النفط. بدأت المواجهة عندما نظم ناصر السعيد صفوف العمال وبدأت التجمهرات والإضرابات والاعتقالات خاصة بعد أن استنجد مسؤولو ارامكو بحماة النفط ومنشآته. اعتقل عدة مرات على خلفية العصيان المدني، ونفي بعدها إلى مسقط رأسه، ومن ثم أعيد إلى عمله خوفا من أن يستغل وجوده بين أهله ومدينته وينشر فكر التمرد ضد الطغيان والاقصائية. وانتهت هذه المرحلة عام 1956 عندما نظم تجمهرا صاخبا لاستقبال الملك سعود ندد فيه باستغلال موارد النفط واحتكارها وتقاسمها حيث حرم منها العمال الذين بجهدهم دخلت السعودية مرحلة الطفرة النفطية. وبعد حملة اعتقالات واسعة رحل ناصر السعيد إلى دمشق لمواصلة تحركه العمالي، وانتقل بين عواصم عربية منها بغداد وصنعاء والقاهرة، ولم يكف عن نضاله السلمي فكتب العرائض والمناشير وسلط الضوء على حقبة التسلط ومصادرة الموارد والنفط، كما حاول أن يحافظ على استقلالية زمن الاستقطاب العربي حينها. وطور فكره ومشروعه من حركة عمالية إلى اتحاد سمي (اتحاد شعب الجزيرة العربية) جمع تحت أطيافه الكثير من ذوي الايديولوجيات المتباينة، وكتب في صحف ومطبوعات متعددة منها "صوت الطليعة" والتي كانت منبرا لمناصرة الحقوق العامة ومواجهة الامبريالية الأمريكية الجديدة في المنطقة. لقد سبق ناصر السعيد شخصية أخرى وهي عبد الله الطريقي ابن مدينة الزلفي والذي أدى نضاله ودعواته لتأميم النفط إلى فصله من وزارة النفط ونفيه أيضا إلى بيروت. وبينما جرت في السعودية محاولة إعادة تأهيل الطريقي ونشر كتاب عن حياته ومواقفه إلا أن ناصر السعيد يظل شخصية لا تتحمل السلطة السعودية حتى مراجعة نضاله أو التذكير به، خاصة وأنه ارتبط بمنطقة لا تزال موضع الشك والارتياب، خاصة فيما يتعلق بولائها للعهد السعودي الجديد، فطمس إرث ناصر السعيد تماما كما طمس تاريخ هذه المنطقة حتى هذه اللحظة. وبعد أن فتحت أرشيفات الخارج وخاصة في الولايات المتحدة حيث تقبع مراسلات المسؤولين الأمريكيين عن التحركات العمالية في مخيمات ارامكو أبوابها للباحثين والمؤرخين لاستقصاء الحقائق وجد البعض مادة دسمة تدين العنصرية الأمريكية المتواطئة مع نظيرتها السعودية التي أدت إلى قمع الحركة العمالية. فصدرت حينها مراسيم تحرم الاعتصام والتظاهر والتجمهر، وكالعادة استنجدت السلطة السعودية بمطاوعتها لتحرم على شعبها المطالبة بحقوقه المشروعة بطرق سلمية، وانتشرت فتاوى التحريم التي توارثتها الأجيال اللاحقة والتي لا تزال خطابات مقدسة يعمل بها حتى هذه اللحظة. من أهم الأبحاث التي تطرقت للتواطؤ السعودي الأمريكي هو كتاب روبرت فيتاليس وعنوانه "مملكة أمريكا" حيث بذل جهدا كبيرا في تسليط الضوء على الإمبراطورية الاقتصادية ومعاونيها المحليين. وبالطبع لم يلق خطاب هذا الكتاب استحسانا من أطياف كبيرة في الولايات المتحدة والسعودية ذاتها لأنه يفضح حقيقة صريحة وهي الترابط بين الاقتصاد والسياسة، حيث لا يمكن للأول أن يصل إلى أرباحه المتوقعة دون تواطؤ السياسي المحلي. ويذهب ضحية ذلك ليس فقط الحقيقة بل شخصيات مناضلة أدت إلى حادثة اختطاف ناصر السعيد عام 1979. وكان هذا العام حافلا بالأحداث فمن حركة جهيمان في المسجد الحرام إلى اتفاقية كامب ديفيد مرورا بالثورة الإيرانية ومن ثم الاحتلال السوفييتي لأفغانستان استطاعت الجهات المنظمة لعملية الاختطاف أن تقوم بفعلتها الشيقة وسط مرحلة تاريخية مضطربة أدت إلى إسدال الستار على حدث يدين الكثير من الأصابع المشاركة في إخفاء شخصية وحراك بدأ يأخذ أبعادا كبيرة. ولكن ستظل حادثة اختطاف ناصر السعيد حاضرة في ذاكرة الكثيرين مهما بذل من جهد لإخفائها وإبعادها عن مخيلة الباحثين. ومؤخرا وجدت سيرته ونضاله طريقها إلى الأرشيف الجديد المرتبط بالثورة المعلوماتية الحديثة على الانترنيت حيث تتناقل المواقع سيرته وتفاصيل حركته وسيرة نضاله وتصبح هذه السيرة إلهاما لأجيال قادمة ترفض التقوقع ومقايضة الحقوق بالمال والرشاوى. لقد علم ناصر السعيد جيله أبجديات التنظيم ومعنى الرفض ومفهوم الجماعة الذي ما تزال الأجيال اللاحقة تفتقده، ولا تستطيع حتى أن تبدأ في تعلمه في ظل القمع الحالي الذي يمنع مفهوم الجماعة ويشخصن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليوفر ذلك فرصة اقتناص الرافضين واحدا واحدا دون أن يكون لهم فرصة لجمع طيف كبير خلف أي قضية مهما كانت صغيرة أو كبيرة. حاليا تتفرد السلطة السعودية بالناشطين، وهي بذلك تقطع عليهم فرصة تكوين مجموعة قد تمثل حركة شعبية ضاغطة مستقلة وحتى لو كان ذلك عملا تطوعيا أو خيريا فما بالك لو كان هذا الحراك يطالب بحراك شعبي ينتزع حقوقا للجميع. لقد نجحت أموال النفط وفتاوى تحريم مثل هذا العمل في إيصال المجتمع إلى المرحلة الفردية والأنانية فلا يتحرك إن سجن أحدهم أو حتى اختفى من الوجود كليا وحتى هذه اللحظة. وفي يوم حقوق الإنسان سنجد الكثيرين من الذين غيبوا في سجون منتشرة في عرض البلاد وطولها لمجرد أنهم فكروا في تنظيم تجمهر أو اعتصام كمساندة لقضية ما ومنهم خالد العمير وزميله محمد العتيبِي عندما فكروا في اعتصام يساند أهل غزة. لن تستطيع السعودية أن تطمس تاريخها الحافل في مجال حقوق الإنسان الذي أودى بحياة الكثيرين في فترة سابقة كالشمراني وعبد الرؤوف الخنيزي وسعود المعمر ومحمد الربيع وغيرهم. سيبقى هذا الأرشيف حيا وان لم تفتح أرشيفها المحلي فسيعتمد جيل جديد من الباحثين على صفحات أصبحت مفتوحة في مناطق كثيرة من العالم، ولن يفيدها في عملية التغييب هذه ما تصرفه على كتاب السير الملكية الحاليين أصحاب الخطاب المعروف بسطحيته ونكهته النفطية. ستبقى قضية ناصر السعيد قضية حية لن تحل ألغازها إلا محاكمة مفتوحة موثقة بدلائل صارمة تعيد لآبي جهاد مكانته التي يستحقها في سيرة نضال شعب الجزيرة العربية قبل أن تصبح كلمة الجهاد كلمة تلوكها ألسنة كثيرة. |
* كاتبة وأكاديمية من الجزيرة العربية