مؤتمر الاسرى الدولي الذي عقد مؤخراً في اريحا كان حدثاً
سياسياً وحقوقياً وأخلاقياً شديد الاهمية لنصرة قضية المعتقلين، اذ تحول اليوم
الأول من المؤتمر الى تظاهرة بمشاركة مسؤولين وحقوقيين واعلاميين فلسطينيين
واجانب، الى جانب عدد كبير من المحررين. وكانت التغطية الاعلامية لافتة، ولم
تقتصر على الاعلام المحلي والعربي، بل ان وسائل اعلامية عالمية ابدت اهتماماً
بهذا النشاط.
ان تبادر وزارة شؤون الاسرى والمحررين لتحويل قضية الاسرى الى قضية عالمية
حقوقية، هذه خطوة نوعية، تستحق التثمين، حيث يمكن القول ان تطوراً في آليات
العمل بات ملموساً، بخاصة وان الوسائل التي اتبعتها الوزارات السابقة والمؤسسات
التي تعنى بهذه القضية، ظلت غارقة في المحلية، وكأننا اقفلنا على انفسنا الباب
وأخذنا نخاطب بعضنا بعضاً، بعيداً عن العالم ومؤسساته الحقوقية.
بيد أن نقل النقاشات والمؤتمرات والنشاطات من مستوى فلسطيني الى دولي هو بمثابة
توسيع للآفاق وخروج على المألوف التقليدي، ومحاولة للتحليق في الأفق الحقوقي
العالمي، لعل من يعملون في مؤسسات تسترشد بالقانون الدولي، يقدحون زناد الفكر
ويشمرون عن سواعد مبادراتهم، لإنصاف اسرانا الذين لا يتم التعامل معهم وفق
الاتفاقات والمباديء الدولية المتعلقة بأسرى الحرب.
لقد بذلت مجموعات العمل خلال ايام المؤتمر جهداً كبيراً في الخروج برؤى قانونية
واعلامية وثقافية واجتماعية ترتقي الى مستوى تحديات القضية، حيث خرج المؤتمر
بمجموعة الاوراق، من شأن تطبيقها ان يجعل الوضع القانوني للأسير الفلسطيني
حاضراً دولياً، بما لذلك من تأثير، لكن هل الاوراق والرؤى هي نهاية المطاف؟
بالتأكيد كلا، لأنها بداية الطريق، بمعنى ان هذه الاوراق تشكل مفاتيح عمل ونشاط،
ولكي نحرك هذه المفاتيح في ابواب العمل بطريقة سليمة بغية العبور الى ساحة
الفعل الحقيقي، يتوجب تنفيذ مجموعة من الاجراءات، نذكر منها على سبيل المثال
الآتي:
1. ان تتابع وزارة الاسرى بالتنسيق مع المؤسسات ذات الصلة، توصيات المؤتمر، وان
تكون المتابعة يومية ومنهجية.
2. ان لا يقاس نجاح المؤتمر بحجم الحضور او الاعلام، وانما بمقدار تطبيق
التوصيات ومتابعتها.
3. ان تساند وزارة الاسرى المؤتمر بسلسلة من النشاطات والفعاليات الاخرى
للتعريف بإبداعات الاسرى ودورهم الثقافي والفكري والتنظيمي والاجتماعي، وان يتم
اختيار نماذج متقدمة وترجمتها الى لغات عالمية.
4. القيام بتحويل متحف ابو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة الى محطة يتوقف فيها
الزائرون الاجانب لبلادنا، للتعرف على ما ابدعه الاسير الفلسطيني، حيث سيتزود
الزائر من هذه المحطة بأفكار ومعلومات حول تجربة الحركة الاسيرة، لأن العالم
يجب ان يدرك ان الاسير هو انسان من دم ولحم، له احلامه وتطلعاته، ويستطيع
التعبير عن نفسه بأشكال ابداعية تمثل احتراماً لإنسانية الانسان وتوقاً للحرية
والعيش الكريم، في حياة بلا اصفاد واسلاك شائكة، حياة تغيب منها الى الابد
هراوة السجان، بينما يترسخ القلم والريشة والكتاب والقصيدة والقصة والرواية
واللوحة الفنية والأغنية. حياة ترتقي فيها الانسانية الى اعلى درجاتها، لأن
كلمة سر حركتنا الاسيرة، من المفروض ان يكون الانسان كقيمة سامية.
وبناءً على ما تقدم، نأمل ان لا تلقى توصيات المؤتمر مصير التوصيات اليومية
التي تخرج بها مؤتمرات وورشات عمل كثيرة تعقد بإستمرار في بلادنا، بينما ينتهي
الأمر بمجرد اعلان البيان الختامي. فالمقياس اذن لما حققه مؤتمر الاسرى، هو
التطبيق والمتابعة، والبناء على ما انجز.
14/12/2009