
ثلاث كلمات تعني ماضي وحاضر ومستقبل كامل الوطن العربي وشعوبه. لأغلبية الساسة والقادة العرب لا تعني شيئاً، بينما هي الشغل الشاغل والهم الوحيد لكافة زعماء العالم الديمقراطي للدفاع عن أمن شعوبهم وسلامة أوطانهم.
في عديد من المؤتمرات المهرجانية ذات العناوين الوطنية البراقة والجذابة، سمعنا الكثير من الخطابات الإنشائية المُفعمة بالعاطفة والممزوجة بالقلق على مصير الوطن والأمة، وشُكلت العديد من اللجان من المفكرين والسياسيين للبحث عن أطروحات ودراسات وأفكار تدور كلها حول الأمن القومي العربي وسبل الدفاع عنه. خرجت هذه اللجان بكثير من التوصيات، واضعة النقاط على الحروف بصراحة وجرأة، ولا ندري لمن؟. وحتى يومنا هذا يزداد الأمن القومي العربي تردياً وهشاشة.
انطلاقاً من الالتزام القومي والانتماء الوطني ومبدأ تسمية المسميات بأسمائها، ومن عمق الديمقراطية، صاحبة الجلالة هنا في الغرب، ولما يدور اليوم على مسرح الأحداث الشرق أوسطية والدولية، ولقربنا واضطلاعنا على عامة المطابخ السياسية لدول الاتحاد الأوروبي، حليف الولايات المتحدة، ومن يدور في فلكها، نود التأكيد على أن الأمن القومي العربي أصبح في نصف الهاوية وينحدر رويداً رويداً إلى قعرها. رغم ذلك ما زال بإمكان الأمة العربية والإسلامية الدفاع عن وجودها وأرضها ومقدساتها.
من الضرورة الإشارة إلى الدواعي التي أدت إلى الوصول لهذه الكارثة الوطنية والقومية، وأولها وأهمها النظم الديكتاتورية وانعدام الديمقراطية الأصيلة في كامل المؤسسات. أفراد نُصِّبوا على كراسي الحكم وارتقوا إلى مناصب القادة ليحكموا بالحديد والنار، بالتهديد والوعيد. أداروا ظهرهم للوطن والشعب، بل وحتى للإله، جل جلاله. همهم المال والحكم، فسدوا وأفسدوا. يعينون ويطردون، يُوَزِّرون ويُنَوِّبون. ملكوا الأرض ومن عليها، يتعاونون مع العدو المحتل، يفاوضونه وينسقون مع مخابراته واستخباراته، يتخذون القرارات الفردية الأحادية، يسمحون بإقامة القواعد العسكرية العملاقة على أرض الوطن العربي الكريم لحماية كراسيهم ومصالحهم، وللحفاظ على دولة العدوان، المخلب الصهيوني الأمريكي في قلب الأمة العربية. شكلوا جيوشاً عتيدة وصرفوا مئات البلايين على تسليحها، زيادة على عشرات البلايين من العمولات. أفسدوا قياداتها لِتكنَّ لهم الولاء والوفاء ولتُخمد صوت الشعوب، لا للدفاع عن الوطن والأرض والعرض والكرامة والشهامة وردع العدو الصهيوني المتغطرس المحتل.
ثانيها، تركوا العدو يسرح ويمرح في شتى بقاع العالم، يسرق المياه التي تشكل عصب الحياة ويُحول مجاريها. ها هو في إفريقيا يقوم بنشاطه الكبير وسياسته الجذابة المخادعة والماكرة وزيارات قياداته السياسية والعسكرية والاستخبارية وبعثاته التقنية. يعمل بالتواصل على الالتفاف على مصر والسودان وإثارة المشاكل بين دول منابع النيل من أجل تحويل مجرى النيل وقطع مياهه إن كانت زرقاء أم بيضاء عن البلدين العربيين. يفتعل المشاكل الدينية والعرقية والسياسية بين البلدان الإفريقية وشعوبها والدول العربية وأبنائها الذن يعملون في هذه الدول.
ثالثها، النزاع العربي العربي الذي تفتعله وتؤججه السياسة الأمريكية والبريطانية والصهيونية على أساس مذهبي وطائفي وعرقي ومصالح زائفة، لتحطيم العمود الفقري للعمل العربي المشترك. فها هي الجامعة العربية المليئة بقرارات القمم العربية واتفاقيات الدفاع المشترك والمقاطعة لإسرائيل والتجارة والتعليم وحرية التجوال تتحول إلى متحف للوثائق. فها هي النزاعات طويلة الأمد في المغرب العربي. أما المشرق العربي، فحدِّث ولا حرج. أمِنَ المعقول أن تقف كثير من الدول العربية ضد سوريا العروبة في صمودها ضد العدو ومن أجل تحرير أرضها العربية المحتلة ودعمها الصادق للمقاومة الوطنية والإسلامية في فلسطين ولبنان والعراق؟
رابعها، إحياء النزاع العرقي العربي الفارسي. لقد جندت الصهيونية والولايات المتحدة ودول غربية كل وسائلها الإعلامية وأجهزتها الاستخباراتية ودوائرها السياسية لإشعال نار الفتنة المذهبية السنية، التي تنتمي إليها دول عربية عملاقة، والشيعية، التي تقودها جمهورية إيران الإسلامية، مستغلة الفوضى الهدامة نتيجة الحرب الساعرة والأرض المحروقة التي شنتها الولايات المتحدة على العراق، مما سهل لأذرع الموساد المجرمة القيام بعمليات إرهابية دامية مستهدفة إشعال نار الفتنة بين أتباع المذهبين، التي ما لبثت أن امتدت إلى عامة دول الخليج العربي واليمن. بهذا استطاعت هذه القوى العدوانية أن تضرب الاستراتيجية الجغرافية والأمنية لكافة دول المنطقة.
خامسها، تسخير المال العربي لخدمة اقتصاد وشعوب أعداء الأمة العربية والإسلامية، حيث تودع مئات البلايين من هذه الأموال في بنوك هذه الدول، وعلى رأسها البنوك الصهيونية، مما يُدعّم اقتصاد هذه الدول والحفاظ على قيمة عملاتها، إلى جانب الاستثمارات الضخمة في الشركات والمشاريع الكبرى، وكذلك يقوي استمرارية مساعدة هذه الدول لإسرائيل. ألم يكن أسلم وأفضل وأثوب من أن تستثمر هذا الأموال في دول عربية كمصر والسودان واليمن وفلسطين وغيرها، لتكون هذه الدول درعاً واقياً وحصيناً لكثافة سكانها وثروة وخصوبة أراضيها، مُدِرَّة ربحاً وجزاء من الله.
سادسها، التطبيع العربي مع إسرائيل، حيث تحولت هذه الدول، وفي مقدمتها السلطة الفلسطينية، لقوات أمنٍ للمحافظة على سلامة دولة العدوان والاحتلال، مما أفسح لها ولجيشها المرتزق المجال للتفرغ إلى تطوير قواتها الهجومية العدوانية وبناء المستوطنات وتهويد القدس ودثر معالمها التاريخية العربية والإسلامية والشروع في تهويد كل فلسطين شعباً وأرضاً، مما يسمح لها أن تتحول إلى العين الراصدة والمراقبة لتنفيذ مشروعها الصهيوني بإقامة إسرائيل الكبرى. وهنا ينتهي ما نسميه بالأمن القومي العربي، إن بقيت هناك دول عربية في الستقبل القريب.
سابعها، الانحلال الخلقي وفقدان القيم لدى الجيل الناشيء. لقد استطاع الغرب، عن طريق وسائله الإعلامية المرئية وبرامجه وأفلامه، وكذلك الانترنيت، أن يغسل دماغ الأكثرية من الشباب العربي باسم التمدن والتحضر والتقدم. ونجح في تبديل كثير من العادات والتقاليد العربية الأصيلة وتبديد الارتباط العائلي الذي يميز العالمين العربي والإسلامي عن عامة الأمم بالخلق السامي والوفاء واحترام الوالدين والأهل وذوي القربى. إلى جانب تغيير ثقافتنا الغذائية الأكثر صحية، حيث نجح في تعميم مأكولاته بوسائله الدعائية الجبارة وزرع في كل ركن من أركان المدن العربية، من المحيط إلى الخليج، محلاته كالماكدونالدز والبورغر والكنتوكي... إلخ. إضافة إلى تعميم احتفالاته، من دينية إلى اجتماعية. لقد أضحى الانتماء الروحي لأغلبية هؤلاء الشباب هو فقط مزاولة الصلاة كروتين يومي، بعيدين كل البعد عن مفاهيم وتعاليم وشرائع الله التي هي مثل أعلى للتعامل والاعتزاز والتفاخر بالانتماء والنضال حينما تتعرض الأوطان للعدوان. إن التفكك في المجتمع وترك القيم هو فتح المنافذ للنفاذ والاختراق السهل لأعداء الأمة والدين لبناء الطابور الخامس الذي هو أحد العوامل الخطيرة ضد الأمن القومي.
حاولنا أن نسرد بعض المسببات الأولية لتهديد الأمن القومي العربي. إنه لموضوع بالغ الأهمية، ويحتاج إلى تمحيص أكثر وأكبر وأعمق.
د. راضي الشعيبي
BARCELONA ARAB CENTER
Centre Ārab de Barcelona
مركز الدراسات الاستراتيجية