متى تتوقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل؟

 نبيل محمود السهلي

 09/12/2009 

 

شكلت المساعدات الأمريكية لإسرائيل أحد أهم وابرز دلالات العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فتجاوبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 1948 مع الاستراتيجية التي تقوم على تطوير التحالف مع إسرائيل وترسيخه في مختلف الميادين السياسية ،والاقتصادية، والثقافية ،والدبلوماسية ، وقد تجلى ذلك بالدعم الأمريكي لإسرائيل في أروقة المنظمة الدولية واستخدام حق النقض الفيتو ضد أية محاولة لاستصدار قرار يدين ممارسات إسرائيل ؛ وذهبت الإدارات الأمريكية الى أبعد من ذلك في إفشال استصدار أي قرار دولي يدين الأعمال التعسفية لإسرائيل في المنطقة ، وقد توضح التوجه الأمريكي لدعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً خلال ستة عقود من العدوان الإسرائيلي والتوسع في المنطقة العربية ،ومن أهم ملامح الدعم الأمريكي لإسرائيل في المستوى السياسي والدبلوماسي دعمها الدبلوماسي والسياسي لإسرائيل سياسة الضغط المستمر على المنظمة الدولية التي أجبرت على إلغاء القرار الدولي الذي يوازي بين العنصرية وإسرائيل.

واللافت أن المساعدات الأمريكية لإسرائيل برزت بكونها الأهم في إطار الدعم الأمريكي لإسرائيل، فحلَت تلك المساعدات العديد من الأزمات الاقتصادية الإسرائيلية مثل التضخم في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم ، كما حدت من أزمات اقتصادية إسرائيلية مستعصية واكبت تطور الاقتصاد الإسرائيلي ،كما كان ولايزال للمساعدات الأمريكية لإسرائيل الدور الحاسم في تحديث الآلة العسكرية الإسرائيلية، وتجهيزها بصنوف التكنولوجيا الأمريكية المتطورة ،من طائرات وصورايخ مضادة للصواريخ (أرو) وغيرها ، وبالتالي تمويل العدوان الإسرائيلي على الدول العربية وخاصة على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة .

وتبعاً للمساعدات الأمريكية اللوجستية الحكومية السنوية لإسرائيل ، وكذلك المساعدات الطارئة ، فإن قيمة المساعدات الأمريكية التراكمية لإسرائيل خلال الفترة (1948- 2009) وصلت إلى نحو (104) مليار دولار منها نحو (60) في المائة هي قيمة المساعدات العسكرية، و(40) في المائة قيمة المساعدات الاقتصادية، ومن المقدر أن تصل قيمة المساعدات الأميركية الحكومية التراكمية لإسرائيل إلى نحو مائة وسبعة مليارات دولار بحلول عام 2010.وإذا أضفنا القيمة التراكمية للمساعدات الأمريكية غير المباشرة لإسرائيل منذ انشائها قبل أكثر من ستة عقود ؛ والمقدرة بنحو خمسين مليار دولار ،فإن حجم المساعدات الأمريكية الحكومية المباشرة وغير المباشرة سيصل الى (154) مليار دولار أمريكي حتى العام الحالي 2009 .

وبالمقارنة مع حجم المساعدات الخارجية السنوية المقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية الى العديد من دول العالم ، فإن إسرائيل تستحوذ على نحو خمسة وعشرين في المائة من إجمالي تلك المساعدات .

حيث باتت تلك المساعدات من أهم مكونات البنية الهيكلية للاقتصاد الإسرائيلي الذي تطور منذ عام 1948 وفق نسق يخدم التوجهات الاسرائيلية الاستراتيجية . ومن الاهمية الاشارة الى ان المساعدات الأمريكية لإسرائيل كانت تقتصر قبل عام 1967على المساعدات الاقتصادية فقط، بيد أن توسع إسرائيل في الأراضي العربية عام1967 غيرَ من أهمية إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ، واعتبر العام المذكور منعطفا تاريخيا بين المرحلة التي كانت تؤدي فيها إسرائيل دورا مهما في إطار المصالح الأميركية، وبين المرحلة التي أصبحت فيها تؤدي الدور الرئيسي لتحقيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط، ووبناً على ذلك أخذت نسبة المساعدات العسكرية بالتزايد ،حيث بلغت ذروتها في سنة 1974 ،وهي السنة القياسية للمساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل خلال الفترة التي تلت حرب حزيران ، وقام إبانها باحتلال الجيش الإسرائيلي لأراضي سورية ومصرية ، إضافة الى احتلاله باقي الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ،وذلك بغية تعويضها عن بعض خسارتها في حرب تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1973 في الجبهتين المصرية والسورية ،وقد ازدادت المساعدات الأميركية الحكومية لإسرائيل مع زيادة الاعتماد الأميركي على دورها في الشرق الأوسط، فوصلت قيمة المساعدات خلال الفترة (1975 -1982) إلى (17804) مليون دولار، منها (66.3)في المائة كانت على شكل مساعدات عسكرية، وكان الدعم العسكري في العام 1979 قياسيا خلال تلك الفترة فبلغ 83 في المائة من إجمالي المساعدات في السنة المذكورة ، ومرد هذا الارتفاع في نسبة المساعدات العسكرية، المحاولات الأميركية الحثيثة لتعويض إسرائيل عن انسحابها من شبه جزيرة سيناء المصرية، واقامة قواعد عسكرية ومطارات إسرائيلية فضلا عن رادارات لمراقبة المناطق العربية المحيطة بالدولة العبرية بعد اتفاقات كامب ديفيد التي وقعت بين رئيس مصر السابق أنور السادات ومناحيم بيغن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق برعاية الرئيس الامريكي أنذاك جيمي كارتر. استمرت الولايات المتحدة في دعمها المالي والعسكري لإسرائيل فوصلت قيمة تلك المساعدات إلى 17879 مليون دولار خلال الفترة (1983 -1988) ، اذ قدمت الولايات المتحدة الأميركية مساعدة اقتصادية طارئة لإسرائيل خلال العام 1985 بلغت قيمتها نحو 1500 مليون دولار، وذلك لإنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي من أزمات التضخم التي بلغت أعلى معدلات في تاريخ الدولة العبرية ، وتوالت المساعدات الأميركية لإسرائيل خلال الفترة (1989 -2009) وبنفس الوتائر السابقة، على الرغم من حدوث حرب الخليج الثانية من جهة ،وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق من جهة أخرى، وبلغت قيمة تلك المساعدات خلال الفترة المذكورة نحو ستين مليار دولار ، أي بواقع ثلاثة مليارات دولار سنويا، منها مليار ومائتي مليون دولار على شكل مساعدات اقتصادية، ومليار وثمانمائة مليون دولار هي قيمة المساعدات العسكرية. وقد قدمت الولايات المتحدة خلال بداية عقد التسعينيات من القرن المنصرم مساعدات اقتصادية إضافية لاستيعاب المهاجرين اليهود من دول الاتحاد السوفيتي السابق والذين تجاوز مجموعهم منذ العام 1990 وحتى عام 2009 مليون ومائتي الف يهودي ، يشكلون نحو اثنين وعشرين في المائة من التجمع اليهودي الاستيطاني في فلسطين، ناهيك عن مساعدات عسكرية طارئة تحت حجج سياسية مختلفة .

لقد مولت الولايات المتحدة الامريكية اسرائيل في كافة حروبها على العرب ، فزادت من قيمة المساعدات العسكرية والاقتصادية قبل أي عدوان ، وكذلك هي الحال بعد العدوان لتعويض إسرائيل عن خسائرها الاقتصادية والعسكرية في ذات الوقت . وبالنسبة إلى مستقبل المساعدات الأميركية لإسرائيل، فهذا يرتبط إلى حد كبير بالعلاقات الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية، من جهة، وبنفوذ اللوبي اليهودي في مراكز القرار الأميركي من جهة أخرى، والمتتبع لتلك العلاقة يلحظ إن نفوذ اليهود المنظم في الولايات المتحدة، وكذلك أهمية دور إسرائيل في إطار المصالح الأميركية الشرق أوسطية سيبقي على تلك المساعدات في المدى المنظور، وسيتحمل دافع الضريبة الأمريكي في ظل الأزمة المالية فاتورة تلك المساعدات ، التي تؤثر ولو بشكل قليل على دخله الفردي من الناتج المحلي الأمريكي .

وتبقى الإشارة إلى أن الحديث في الأوساط الأميركية والإسرائيلية عن إمكانية استغناء إسرائيل عن تلك المساعدات في ظل تحقيق إسرائيل لمعدلات نمو اقتصادي يفوق معدلات النمو السكاني فيها، هو ضرب من ضروب الخيال في المدى المنظور، خصوصا وان تلك المساعدات ساعدت إسرائيل في استيعاب الآلاف من المهاجرين اليهود في الماضي، وحدّت من تفاقم بعض المشكلات الاقتصادية الإسرائيلية ،هذا فضلا عن تمويل التوسع والحملات العسكرية الإسرائيلية المختلفة.

نبيل محمود سهلي: فلسطيني من قرية بلد الشيخ في قضاء مدينة حيفا/ مقيم في سورية
-التحصيل العلمي : بكالوريوس اقتصاد من جامعة دمشق 1985 و دبلوم من معهد البحوث الإحصائية 1986 من بغداد .
-العمل: كباحثً في مكتب الإحصاء الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في دمشق منذ عام 1982 و حتى 30-11-2007.