
رشاد أبوشاور
11/12/2009
في نهاية شارع الطيبي، الذي يتقاطع مع شارع جامعة بيروت العربيّة، توقف على الرصيف
وتأمّل الجالسين على كراسيهم أمام مقهى أم نبيل.
اليوم الأحد، وحركة الشارع قليلة. من شارع كليّة الهندسة، من بين مقهى أم نبيل،
وقاعة جمال عبد الناصر، رأيته مقبلاً يمشي مشية هندي أحمر، بضفيرة هندي أحمر. خُيّل
إليّ أنه قفز ألوف الكيلومترات وحطّ في الفاكهاني، بسترته الجينز، وبنطلونه الجينز.
كانت تنقصه بلطة، وهو يقفز من حفرة في تلّة، أو من وراء شجرة، وهو يصرخ في وجه قاتل
من أولئك الذين اعتادوا سلخ فروات رؤوس الهنود الحمر.
خطر في بالي كيف كنت أشاهد (البطل) الذي يواجه الهنود الحمر، وهو يقفز عن حصانه،
ويلاحقهم بمسدسه الذي لا يفرغ من الرصاص. شيء ما في داخلي لم يكن يصدّق ما أراه على
الشاشة، وهو ما دفعني بعد أن وعيت ما جرى للهنود الحمر: لماذا كانت تضخّ تلك
الأفلام في دور السينما العربيّة؟!
مرّ بي سريعا، فاستدرت بسرعة وناديته:
ـ brother
هرولت قليلاً ، إذ لم يكن قد ابتعد عنّي. تأملت وجهه وضفيرته التي رأيتها تتأرجح
على ظهره، وتوحي لي وكأنه حصان برّي.
وجدتني أقول له:
ـ we are brothers
شدّ على يدي وهزّها بقوّة، وإذ التقت نظراتنا وجدتنا في نفس اللحظة نتعانق دون أن
أعرف من بادر منّا أولاً.
أخذ يردد :
ـ of course we are brothers. as you see, I am here with you
أنا أخذت أردد بالعربيّة والإنكليزيّة:
ـ نعم أنت هنا معنا، نحن معا .معا. .معا..
بعد انتهاء معركة بيروت ورحيلنا إلى تونس وغيرها- أنا توجهت إلى تونس- لم أعرف أين
رحل.
ترى: هل رجع إلى أمريكا؟ إنها بلده في كل حال. صحيح أن قومه انقرضوا تقريبا، لكن،
لا بدّ أنه عاد إلى بلده. أسفت لأنني لم أسأله عن اسمه، وأكتب عنوانه.
كثير من الفلسطينيين الذين سألتهم عنه آملاً أن يكون أحدهم قد احتفظ بعنوانه
واسمه،أخبروني أنهم رأوه كثيرا في الفاكهاني، ولكنهم كانوا يكتفون بتبادل التحيّة
معه، فلم يخطر ببالهم أن المعركة ستفاجئنا، وأننا بعد كل تلك الأيام من القتال
والصمود سنتفرّق محمولين في السفن إلى بلاد عربيّة بعيدة.
ذلك الشاب هو أول هندي أحمر أراه في حياتي، وأتبادل معه كلمات قليلة، ومع ذلك
يمكنني القول بأنني أفتقده، وأوّد الاطمئنان عليه، فهو على نحو ما منذ تلك اللحظة
التي رأيته فيها، وتبادلنا الكلمات القليلة،والتحايا في مرّات متباعدة، صار صديقي...