موقع الصفصاف تلقى نسخة من حوار أجراه الكاتب الفلسطيني أديب قعوار مع المناضل القومي الكبير أبو ماهر اليماني ، وقد خصص لكتابه الجديد "شهادات لمقتلعين فلسطينيين" الذي سينشر بعد عدة أيام على هامش افتتاح أعمال معرض الكتاب في بيروت. ونظرا للأهمية البالغة للمقابلة نعيد نشرها في موقعنا هذا ونعتبرها وثيقة تاريخية فلسطينية وشهادة على عصر الإجرام الصهيوني والعجز العربي.
إدارة الموقع
من كتاب " شهادات لمقتلعين فلسطينيين " ننشر حوارا متميزا مع شيخ الثورة المستمرة أبو ماهر اليماني
ونقتطف هنا إحدى الشهادات الواردة في الكتاب للمناضل العربي الفلسطيني الذي ساهم في معركة الدفاع عن الجليل الفلسطيني، أعتقل وشرد حيث استقر في لبنان ولكن نضاله لم ينته إلى هذا الحد، فهو لا يزال بالرغم من سنوات عمره ال 82 يناضل ولا يكل ولا يساوم في سبيل التحرير الكامل والعودة . من مؤسسي "حركة القوميين العرب" و "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".
أحمد حسين اليماني*
(أبو ماهر)
أبو ماهر - أحمد اليماني إنسان لا يكل ولا يتعب، إنسان من طينة خاصة
قلَ مثيله في النضال والتخطيط لاستعادة
الأرض السليبة والدفاع عن كرامة الإنسان العربي ووحدته وحريته وعودته إلى فلسطين الكاملة
مسقط الرأس: سحماتا / الجليل
الولادة: 1924
الإقامة الحالية: بيروت / لبنان
س. حدثنا عن الأيام أو الأسابيع الأخيرة قبل الاجتياح الصهيوني للجليل.
ج. بلغت الجنة المركزية دعوة من قيادة جيش الإنقاذ في بنت جبيل، القريبة من الحدود اللبنانية ألفلسطينية، للقاء عدد من القادة العرب الذين وصلوا الى جنوب لبنان من الأقطار العربية على رأس جماعات من المتطوعين العرب، وكان في طليعتهم أكرم الحوراني (سوريا) واحمد حسين (رئيس حزب مصر الفتاة) برفقة زملائه في قيادة الحزب، أديب الشيشكلي، خليل الكلاس، ألعقيد مدلول عباس، العقيد مهدي صالح والدكتور أمين رويحة.
رحب أعضاء اللجنة المركزية بالقادة والمناضلين ألعرب، وحددوا بالتعاون مع قيادة جيش الإنقاذ المواقع التي سيتمركز فيها المناضلون العرب. وقد بينا لهم المجالات التي سيساهم فيها الأهالي في المجهود ألحربي. عدنا برفقة القادة الميدانيين العرب: العقيد مهدي صالح والعقيد مدلول عباس وهما صلة الوصل مع قيادة جيش الانقاذ في قريتي بنت جبيل وعيثرون في الجنوب اللبناني.
س. هل كان هناك تعاون بين المقاومة الفلسطينية وأهالي الجنوب اللبناني؟
ج. أثناء زيارتنا الى بنت جبيل تعرفنا على أهالي المنطقة من عائلات بزي، بيضون، شرارة والزين وغيرهم الذين قدموا ما باستطاعتهم أثناء القتال مع العدو الصهيوني وبعد النزوح لأهالينا المشردين من أرضهم وطيلة وجودهم في جبل عامل.
س. هل وصلتكم نجدات من مناطق عربية أخرى؟
ج. العقيد يوسف كمال (رئيس اللجنة العسكرية) يرافقة قائد الكتيبة شكيب وهاب، وبعض قادتها بجولة في المنطقة لتحديد المواقع الملائمة لتمركزها ومنها: بيت جن، الرامة، كسرى وشفا عمر. وبعد دراسة ميدانية للمناطق قرر القادة التمركز في منطقة شفا عمر بالقري من حيفا. استقبل الوفد القيادي بفرح من قبل الأهالي وانضم الكثيرون منهم الى صفوفها للمشاركة في القتال وخصوصا في مجال رصدهم تحركات العدو الصهيوني في المستعمرات المنتشرة في تلك المنطقة ومنها كفر آتا، بيالك، موتسكين التي يعرفونها جيدا.
س. ما هو الدور الذي لعبته قيادة اللجنة المركزية؟
ج. من أهم المشاكل التي واجهتنا في مقاومة الغزو الصهيوني هو الشح في الإمكانيات المادية والسلاح والزخيرة، الى قصر المدة الفاصلة بين انتهاء الإنتداب البريطاني وبدء المعركة الحاسمة. فكما هو معروف كانت سلطات الإنتداب تمنع لا بل تقاوم بكل قوة وبطش تملك العرب الفلسطينيين للسلاح والتدرب عليه، بينما كانت تسلح وتدرب العدو لمساعدته على الإستيلاء على فلسطين.
قدمت اللجان المحلية واللجنة المركزية واللجان المتفرعة عنها خدمات للمواطنين بحيث أمنت لهم حاجياتهم الأساسية من لبنان، تنظيم الحراسات المحلية، والمشاركة في المعارك ضد ألعدو الصهيوني الى مهاجمة بعض المستعمرات الصهيونية القريبة من ألحدود اللبنانية، كما أمنت المساعدة للأهل المشردين من قرى قضائي الناصرة وطبرية كتأمين المأوى والطعام والماء خصوصا هؤلاء المشردين باتجاه لبنان. هذا، كما قامت اللجنة بحل المنازعات بين المواطنين وقد تولى ذلك المحامي جميل حميد المسؤول عن اللجنة القضائية هذه المهمة.
س. هل حدثت تجاوزات من قبل بعض ألمواطنين الفلسطينيين ألعرب إبان المعركة مع العدو الصهيوني؟
ج. في أحد الأيام حضر الى مقر اللجنة المركزية لمنطقة الجليل في ترشيحا للمدعو الشيخ جبر الداهش من قرية بركا برفقة صديقين له، وادعى أن شريكا بدويا له بعدد من رؤوس الماشية أخذ حصته من البقر والماعز وفر بها، وطلب تصريحاً للحاق به. وقد تنبهت الى أن المذكور كان يحضر لعملية لتهريب الماشية الى المناطق التي احتلها العدو. وقد نسقنا مع مقر قيادة العقيد مهدي صالح لافشال عملية التهريب هذه، وقد تم لنا ذلك، اذ إن جهاز معلومات جيش الانقاذ كانت لديه معلومات معينة حول أوضاع الشيخ جبر وعلاقاته مع العدو. ومن المعلوم أنه أصبح لاحقا عضواً في الكنيست عن حزب العمل الصهيوني.
س. كيف تعاملتم مع جيش الانقاذ؟
ج. طلب العقيد مهدي صالح منا، نحن أعضاء اللجنة المركزية، التوجه الى الرامه لمقابلة العقيد عباس قائد فوج حطين، حيث اجتمعنا به في منزل الأب الخوري يعقوب الحنا، وطلب منا ما ملخصه:
1- امكانية التحاق عدد من المقاتلين المحليين، بقوات فوج حطين، المنتشرة في مواقع متعددة مقابل المستعمرات الصهيونية ومنها العفولة ونهلال.
2- الإسهام بنقل الجرحى الى المستشفيات الميدانية في الرامة وترشيحا وعند اللزوم نقلهم الى مستشفيات صيدا وصور... وطبعاً تعاونا في هذا المجال وأعربنا عن استعدادنا لكل ما يلزم لاغاثة المناضلين العرب الذين جاءوا للدفاع عنا وعن أرضنا.
عدنا الى ترشيحا حيث بينا للعقيد مهدي صالح ما تم الاتفاق عليه مع العقيد عباس وبدأنا الإتصالات بحاميات القرى، وكانت حامية ترشيحا هي الأفضل تنطيما وتدريبا وتسليحا، التي أبدى قائدها المناضل محمد كمال السعيد آغا ومساعدوه كل الاستعداد للانضمام الى فوج حطين.
وقبل أن يتوجه مقاتلو الحامية للاتحاق بفوج حطين انتشر خبر معركة الشجرة القرية القريبة من الناصرة، واصابة العقيد مدلول عباس بجروح خطيرة. كما استشهد مساعده أكرم الديري، واستشهد الشاعر ألفلسطيني عبد الرحيم محمود في ميدان المعركة وهو يردد:
ساحمل روحي على راحتي والقي بها في مهاوي الردى
فاما حياة تسر الصديق واما ممات يغيظ العدى
قدرت خسائر فوج حطين بما لا يقل عن مئتين بين شهيد وجريح، وعند طلب العقيد صالح أوفدت قيادة جيش الانقاذ بعثة طبية برئاسة ألطبيب أمين رويحة التي عالجت الاصابات البسيطة في المستشفى الميداني ونقلت ذوي الاصابات الخطرة الى مستشفيات صور وصيدا وبيروت ودمشق.
على أثر ذلك وصل المقدم أديب الشيشكلي الى الرامة ألتي اتخذها مقراً له.
قامت القيادة بتصفية آثار معركة ألشجرة ومن ثم وزع جيش الانقاذ والمقاتلين المحليين على قرى المنطقة ومنها: الرامة، ألمغار، ميرون، الأصفصاف، المالكية، قدس، مجد الكروم، شعب، سخنين، كفر مندا، كوكب، عيلبون، كفر عنان، السموعي، سعسع، سحماتا، ترشيحا ومعليا.
س. ما هي النتائج ألعكسية لمعركة الشجرة؟
ج. على اثر هذه المعركة والخسائر الكبيرة التي لحقت يجيش الانقاذ، ركز العدو الصهيوني على شفاعمر حيث اندفعت قواته البرية برفقة دباباته قادمة من مستعمرة "كفراتا"... وأعلنت اذاعته أن شفاعمر سقطت بدون قتال... ثم انطلقت قوات العدو نحو قرية صفورية القريبة من الناصرة، وكانت قوات جيش الانقاذ قد إنسحبت منها، تاركة فيها المقاتلين من أبناء القرية لوحدهم... مما سهل دخول العدو إليها ومسحها من الوجود، مثل ألكثير من ألقرى الفلسطينية بعد أن نهب محتويات بيوتها.
س. لا شك أن ذلك عرض مدينة الناصرة للغزو الصهيوني، فما رأيكم؟
ج. كما قلنا انسحبت قوات جيش الانقاذ على أثر معركة الشجرة وسقوط شفا عمر مما مكن ألعدو من شن عدوانه على الناصرة، مركز لواء الجليل، وبدا تشريد الأهالي، لافراغ المنطقة من سكانها العرب واقتلاعهم من أرضهم وبيوتهم وطردهم الى لبنان وهم لا يحملون سوى أطفالهم ومرضاهم والعجزة وثيابهم ألتي على أكتافهم.
س. بالإضافة الى النتائج العكسية التي خلفتها معركة الشجرة هل زاد سقوط الناصرة الحال سوءاّ؟
ج. مع الأسف نعم، فقد أثر ذلك على معنويات الأهالي في القرى التي لم تصلها القوات الصهيونية الغازية وخلق في نفوسهم اليأس ومن ثم الهلع. ومع ذلك واظبت اللجان المحلية تقديم ما يتوفر وما تستطيع جمعه من الطعام والايواء.
س. وبالنسبة للجنة المركزية؟
ج. اجتمعت اللجنة وأتخزت المقررات:
1- مطالبة الأهالي بالصمود في قراهم وعدم النزوح الى لبنان أو غيره من الدول ألعربية حتى ولو إحتلها العدو، فهذا هدف ستراتيجي للعدو الصهيوني الذي يريد إفراغ فلسطين من أهلها.
2- السماح للأهالي للخروج من قراهم نهاراً الى الحقول وكروم الزيتون لحماية أنفسهم من غارات العدو الجوية.
3- تشديد الحراسة ليلاً وتشكيل دوريات المقاتلين.
4- تكليف العقيد يوسف كمال، الضابط السابق في قوات الحدود الفلسطينية - الأردنية، والمسؤول عن اللجنة العسكرية بوضع الترتيبات المتلائمة مع المجموعات العسكري المحلية وامكانياتها.
ولكن مع كل هذه الاجراءات والترتيبات التي زامنها وصول المواطنين المقتلعين من مدينة الناصرة وقراها، وانتشار أخبار المجازر الوحشية ألتي يقوم بها ألعدو، وما وصل من أخبار مجزرة دير ياسين، التي قامت الآلة الدعائية الصهيونية بنشرها لالقاء الفزع في نفوس المواطنين العرب ودفعهم للهرب، وقيام الطائرات الصهيونية بالاغارة على القرى، قام البعض فيها بالطلب من اللجنة المركزية السماح للنساء والأطفل بمغادة القرى، مع بقاء الرجال للدفع عنها.
س. هل وافقت اللجنة المركزية على هذا الطلب؟
ج. بالرغم من ضغوطات الوضع الميداني المتأزم، وضغوطات بعض الأهالي، فقد بقيت وبعض الأخوة في اللجنة، على قرارها بعدم السماح لأحد، بغض ألنظر عن السن والجنس، بالنزوح بل واظبنا على دفع الأهالي على الصمود في أرضهم، لا بل دعوناهم للتحدي والمواجهة. وكانت حجتنا أنه اذا سمحنا للنساء والأطفال بالنزوح، فسيقوم بعض الرجال عندما تشتد ألأمور باللحاق بعوائلهم وبذا يحققون الهدف الصهيوني.
وقمنا بحملة توزيع بيانات مختصرة للأهالي نقول لهم فيها: ان الصهاينة يسعون لتشريد ألعرب، واغتصاب أرضهم، كي يتمكنوا من استيراد المزيد من الصهاينه ليحلوا مكانهم في بيوتهم وأراضيهم... اصمدوا في قراكم ولا تغادروها ابداً.
س. هل ساهمت أنت شخصياً بحمل السلاح والقتال؟
ج. بينما كان بعض أهالي قرية السميرية في طريقهم الى لبنان اشترى والدي رشاش ستن من أحدهم بمبلغ ست جنيهات فلسطينية وسلمني اياه، محتفظا لنفسه بالبندقية القديمة التي كان قد اشتراها خلال ثورة 1936. والى جانب قيامي بمهمات أمانة سر اللجنة المركزية، كنت أساهم مع الأخ يوسف كمال بتعبئة المقاتلين، وتجميعهم وارسال النجدات التي يطلبها منا قادة قوات جيش الانقاذ. وتشجيعا للمقاتلين وشد هممهم، قمت بمرافقة المجموعات التي توجهت الى قرية معليا، استعدادا لمهاجمة قلعة جدين التي كانت مركزاً لتجمع القوات الصهيونية بينما كانت تستعد لمهاجمة قرانا.
س. وماذا بالنسبة لأشقائك؟
ج. ما أن وصلنا الى مركز التجمع الذي اعدته قيادة جيش الانقاذ في القرية حتى وصل شقيقي هاني وهو بدون سلاح، وتقدم مني ملحا بأن أسلمه الستن ليحل محلي وإلا بقي في القرية أعزلا من السلاح، وقال لي من الأفضل أن تعود أنت الى مركزك ومهمتك في اللجنة المركزية. عند الحاحه ونزولاً عند استعداده للتضحية بالرغم من صغر سنه سلمته الرشاش وعدت إلى ترشيحا.
س. لا شك بأنكم فكرتم بالوضع الأسوأ، فهل قمتم بالاستعداد لذلك؟
ج. استمرت هجمات العدو وغاراته الجوية على قريتي معليا وترشيحا، وكنت في ذلك ألصباح في سحماتا، فتوجهت مباشرة مع الأخ فارس جميل عبد الطيف الى ترشيحا، وقبل وصولنا اليها أغارت الطائرات الصهيونية على أطراف القرية ، ومع ذلك تابعنا السير حتى وصولنا الى مقر اللجنة ألمركزية، وباشرنا على الفور بتجميع الأوراق والمستندات والتقارير وأحرقناها جميعا كي لا تقع في أيدي ألعدو فيما لو احتل القرية والمركز.
بعد الإنتهاء من حرق الأرشيف قررت أن أتوجه الى مقر العقيد مهدي، وبينما نحن في الطريق اليه اغارت الطائرات الصهيونية مجددًا وبشدة على مدخل قريتي ترشيحا ومعليا وكذلك على قريتنا.
عند وصولنا الى المركز وجدنا معه الدكتور أمين رويحة، سألنه عن تقديره للموقف، ولا أزال أذكر ما قاله جيدا: "اذا استمرالقصف الجوي والمدفعي، علينا أن نتوقع هجوما شاملاً على المنطقة، انهم يستهدفون تدمير قواتنا، وتشتيت تجمعاتنا القتالية. ساتابع الاتصالات مع مقر القائد العام فوزي القوقجي في عين ابل (لبنان) وسنبقى على اتصال بكم عند أي جديد، الدكتور رويحة وأنا نبحث في نقل المستشفى العسكري الميداني الى قرية حرفيش الواقعة خلف خطوط المواجهة.
س. هل قام العدو بمجازر في ترشيحا وغيرها من القرى؟
ج. تركنا العقيد والطبيب يتابعان بحثهما بخصوص نقل المستشفى، وقمنا بجولة في أحياء ترشيحا... كانت المناظر مروعة مؤلمة: منازل باتت أنقاضا، نساء وأطفال، رجل عاد من نوبة الحراسة ليبحث عن زوجته واطفاله تحت الأنقاض، رجال يبكون أهلهم، طفل خرج من تحت الأنقاض وحيدا ليبكي والدته واخوته الذين فقدهم تحتها، مواطنون يحملون بعض المتاع يهيمون على وجوههم طلبا للنجاة... بعض العجز يبكون خارج بيوتهم ولا يستطيعون ألسير.
س. ما كان تأثير الغارات الجوية الصهيونية على نتيجة المعركة في الجليل؟
ج. تتابعت الغارات الجوية على قرى المنطقة، مما أدى الى نزوح كثيف للأهالي نحو الشمال في طريقها الى لبنان، وراح الأهالي يغادرون منازلهم منهم من التجأ الى كروم الزيتون والبعض الآخر الى القرى الأكثر أمنا،أو بالأحرى، الأقل خطورة من قراهم والتي لم تصلها الغارات الأجوية بعد، أما البعض الآخر فكانوا يسيرون هائمين على وجوهم، ولم يأت المساء الا وكانت القرية شبه خالية من أهلها، أما أهلي فقد لجأوا الى مغارة في كرم زيتون بالقرب من منزلنا.
أما جيش الانقاذ فقد نقل مقر قيادته والمستشفى العسكري إلى مواقع خلفية في الشمال الشرقي.
س. هل كان لكم دور فعال في حث المقاتلين على متابعة القتال والمقاومة بالرغم من تأزم الوضع الميداني؟
ج. ذهبت لتقصي الأخبار الى الموقع ألذي أقيم فيه جهاز الارسال التابع لجيش الانقاذ في بيت فهد أحمد مرة خارج القرية، وكان بادارة محمود حسن ضاهر من دير القاسي وحمد حجو من ألقدس، خاصة أن محمود كان زميل دراسة في مدرسة ترشيحا، الذي راح يحدثني عن تدهور الأوضاع في ساحات القتال وعن طلبات النجدة التي لم تلبى. وبالرغم من الالحاح في الاستغاثة فقد كانت الأوامر تصدر للسرايا بالتراجع. فقد فتح ألعدو جبهة من الشرق واحتل قريتي الصفصاف والجش، وقد توجست القيادة أنه اذا استمر الاندفاع السريع لقواته أن تقطع ألطريق أمام قواتنا المتواجدة في منطقة التلال ألمحيطة بترشيحا وسحماتا، ويتم ألقضاء عليها. وقال حمد بأنه يفكر بترك ألمركز لرفيقه محمود والذهاب الى قريته، دير القاسي، ليعرف مصير عائلته. أجبته ماذا تستطيع أن تعمل لأهلك أكانوا أحياءً أم أمواتاً، أنت الان مقاتل في وسط المعركة، ولديك مسؤولية أساسية، أنت تقوم بتأمين الاتصالات بين القيادات المحلية والخلفية، اقتنع مني وبقي في موضعه الى جانب زميله، وعند طلبه أحضرت لهما الطعام خصوصا أن سيارة التموين لم تمر في ذلك اليوم بموقعهما. وقد كان زميله قد ذهب بسيارة الاسعاف الى قريته حرفيش وسيعود بعد قليل.
وأنا في طريقي لاحضار الطعام شنت طائرة عدوة غارة على موقع جهاز الارسال والطريق الرئيسة، عدت لإستطلع نتائج الغارة فاذا بي أرى الصديق محمود ممدداً حيث كنا نجلس فقد أصابته شظية ودمرت المنزل بما فيه. قام الأخ سعيد جميل قدورة بنقله الى مستشفى الميدان في حرفيش، ومن هناك تم نقله الى لبنان حيث توفي في بنت جبيل... رحمه الله فقد كان شهماً، ووفيًا ومخلصاً.
س. هل تجاوب معك أفراد عائلتك في نشاطك النضالي والتنظيمي؟
ج. بعد زيارتي لموقع الارسال عدت الى المنزل لأجد أنه قد أصيب بقذيفة غارة جوية استهدفت القرية وأصيب مع غيره من البيوت المجاورة، ولكن من حسن الحظ كانت العائلة قد غادرته ،فقد التجأت إلى المغارة القريبة كما سبق وذكرت. لحقت بهم وهناك أخذ والدي يحدثني عن ارادة الله، ووالدتي تشكر العناية الإلهية التي دفعتهم الى مغادرة المنزل قبل حدوث الغارة.
طلب مني والدي أن أخرج معه من المغارة لأنه يريد أن يحدثني بامر هام، وعندما أصبحنا وحدنا قال لي:" والآن يا أحمد.. ما رأيك.. ألا ترى بعينك قوافل المغادرين من أهل ألقرى المجاورة، وسيارات الجيش، حتى أن أهل قريتنا غادروها.. لماذا تعاند القدر يا بني.. ولماذا لا تفكر بالمستقبل؟ لماذا؟ لماذا؟..."
رحت أهدأ من روعه، وأطلب رضاه، ,أحاول اقناعه بأن جيش الانقاذ ما زال معنا.. والمدفعية جاهزة، والسيارات العسكريه تروح وتجيء حاملة الذخائر والنجدات... لماذا يا أبي الخوف، لماذا نترك بيوتنا، يجب أن نبقى مع الجيش فهو يحمينا ونحن ندعمه معنوياً، فلماذا نترك من جاء لنجدنا... و... ولما لم يجد مني استجابة لدعوته وبقيت على عنادي واصراري على الصمود، قال لي والدموع تغشى عينيه، قال الله يرضى عليكم يا بني ويحميكم.
إنتقلنا معا الى مكان مطل على الطريق الرئيسي، واذا برتل من الشاحنات العسكرية يقف بالقرب منا، فذهبنا نستطلع ألأمر، وكان بين الموجودين الضابط أكرم الديري، الذي كان قد جرح في معركة الشجرة، اقتربنا منه، وبعد السلام واستطلاع الخبر، رد: "قررت القيادة نقل المدفعية الى التلال القريبة من قرية فسوطة، بالشمال من سحماتا، وسينقل مقر القيادة من ترشيحا، وربما اتحذنا من قريتكم محطة..." سالته اذا كان يريد مساعدة منا، اجاب بكلا فنحن بانتظار وصول بقية السيارات. عندها حاولت اقناع والدي، ونحن في طريقنا الى المغارة، بأن لا داعي للقلق والياس، فهز برأسه، ولا أدري أكان اقتناعا بما سمعه من الضابط ألديري، ومني أم استخفافاً.
س. ماذا استنتجدت أنت شخصياّ من تحركات جيش الإنقاذ؟
ج. عدنا الى المغارة، وحدثت الأهل بما سمعناه، وبعدها عدت الى الشارع الرئيسي، لأشاهد قوافل السيارات العسكرية تمر محملة الى جهة الشرق، وبعضها قادم من مجد الكروم في طريقها الى لبنان، حيث مقر قيادة جيش الانقاذ... أدركت أنها حركة انسحابية!!!
س. ماذا بعد؟
ج. عدت الى المغارة حيث بادرني الوالد قائلاً: "أنا لم أصدق ما قاله لنا الضابط بأن المدفعية ستنتقل الى تلال فسوطة وأن القيادة ستتخذ من قريتنا مقراً لها، ألا ترى أن هناك حركة انسحابية؟ حاولت من جديد أن أقنعه بأن ما سمعناه صحيح، ولكن أخذ يساومني، قاال: "خذ أختك وأخاك الكبيرين وغادروا القرية، وابقى أنا مع أمك والصغار هنا". أجبته بشييء من ألعناد: "اعفني يا ابي من هذه المهمة. أنا سوف لن أغادر القرية بتاتاً... سأبقى لأموت فيها، وهذا آخر ما أقوله لك" ويبدو أن صوتي كان من ألحدة والارتفاع ما به الكفاية بحيث خرجت والدتي وأخوتي لاستقصاء الأمر، وتابعت كلاامي بحدة متوجها الى الجميع وقلت لهم: " اذا كنتم تريدون النجاة بأرواحكم فغادروا القرية واتركوني لوحدي، أما اذا شئتم الصمود والموت في أرضنا وقريتنا فلنبق معاً... فالانسان يموت مرة واحدة... أذهبنا الى لبنان أو سوريا... اننا سنموت في النهاية... وأنا أفضل أن أموت في سحماتا برصاصة عاجلة من عدو، خيراً من أن أموت بعيداً عن مهبط رأسي نادماً على ما اقدمت عليه".
هكذا أجبت والدي على مسمع من الإخوة، وكلهم لم يألفوا مني مثل هذا العناد من قبل، عندها لم يتمالك والدي نفسيهما فأجهشا بالبكاء.
وبالعناد ذاته رحت أخاطب أخوتني: "الى أين ستذهبون وكيف ستعيشون؟ أنا زرت لبنان ووصلت صيدا، وقابلت المحافظ، ورأيت أحوال الذين فروا من فلسطين، وكيف يعيشون في الشوارع، فاذا كنم تصرون على ترك القرية إتركوها، ولا تسألوا عني، فأنا لن أغادرها ما دمت حياً.
وعدت متوجهاً بالحديث الى الوالدين: "اذا كانت قضية تدنيس للعرض، وبقر بطون النساء، وتعريتهم هي التي تدفعكم لمغادره القرية صوناً للشرف، فانني أقول لكم: ها هو الرشاش أمامنا، وبجانبه كمية من الرصاص.. فاذا اقترب ألعدو منا فلن أمكنه من أنفسنا.. أطلق عليكم الرصاص، والرصاصة الأخيرة مكانها صدري... فنموت شرفاء، ونستريح من مشاق ألرحيل، وذل حياة التشرد والحرمان..."
سال والدي: "مارايكم بما قاله أحمد؟" أجابته الوالدة: " كلنا نفضل ألموت ولن نترك أحمد وحده"... بكيت وبكى الجميع... وسألني الوالد: "ما رايك لو نذهب الى قرية كفر سميع، وهي قريبة من سحماتا ويشاع أن أهلها لن يرحلوا، وهكذا نبقى جميعا في فلسطين بالقرب من قريتنا؟"
أجبته: "لا مانع طالما نبقى في فلسطين". وكان لوالدي معارف وأصدقاء من آل فلاح، ولي زميل دراسه منهم. قام والدي تواً وقال: " أذهب أنا وبعض اخوتك ومعنا بعض ألمتاع الى كفر سميع، وتبقى أنت ووالدتك وأخيك ألرضيع ريثما أعود اليكم، ونذهب جميعا ونستقر هناك، الى أن يقضي ألله ألأمر".
س. هل تمكنتم من الوصول الى كفر سميع؟
ج. عندما غادرنا الوالد والاخوة بدأنا نسمع دبابات العدو قادمة من اتجاه ترشيحا وهي تطلق مدافعها ورصاص رشاشاتها في الهواء ارهابا للمواطنين، فقد كان جيش الانقاذ قد أتم انسحابه من المنطقة. تاكدت عند ذلك صحة تقدير والدي بأن جيش الانقاذ سيغادر المنطقة!!!
لم يذهب والدي الى كفر سميع، لأنه لم يرد أن يثقل على أصدقائه في هذه الظروف الصعبة، فقد أرسل لنا أخي هاني ليخبرنا بأنه ذهب الى عين طريا حيث يوجد نبع ماء وبساتين بالقرب من قريتنا، ووالدي يعرف صاحب البستان ولديه بيت غير مأهول سنقيم فيه. وفي طريقنا ألى عين طريا أصيب أصبع قدم الشقيقة هنية بشظية رصاصة طائشة كانت قوات العدو تطلقها عشوائياً. وبعد أن وصلنا الى العين منهكين، استأذنت والدي بأن اذهب الى قرية البقيعة لمقابلة ألعقيد يوسف كمال، عضو اللجنة المركزية لمنطقة الجليل لنتدارس الأمر، وكان يتواجد في البيت الواقع في مدخل القرية عدد من وجهاء البقيعة وسحماتا يتدارسون الموقف الذي سيتخذونه عند وصول القوات الصهيونية الى المنطقة.
س. ضمن هذه ألظروف القاسية هل قرر المجتمعون النزوح؟
ج. افتتح ألعقيد يوسف كمال ألجلسة قائلاً: "نحن كلجنة مركزية لم نعد قادرين على فعل أي شيء لحماية المواطنين، فقد قرر جيش الإنقاذ الانسحاب من المنطقة. والعدو يملك كل الامكانات، ونحن عاجزون عن المقاومة، وكل ما يمكننا صنعه هو البقاء في منازلنا، وانصح الجميع أن يحافظوا على الهدوء، وأن لا يقدم على عمل يعرض القرى للانتقام".
قرر الجميع عدم النزوح بل نصمد في بيوتنا.
على الأثر انفض الاجتماع، واتفقنا نحن أبناء سحماتا على العودة اليها. وأذكر منهم: حسن أيوب، كامل سليم سمعان، فهد عيد سمعان، عاطف الجشي، علي محمد عزام، مصطفى محمد الحجار، يوسف حمادة، علي سليمان، عبد الرحمن حسين قدورة وخالد محمد حسن قدورة.
كم كان مؤلما مشاهدة قطع القماش البيضاء ترفرف على أسطحة منازل البقيعة، قبل أن يصل اليها ألعدو حتى لا يدمرها كما كان الناس يتخوفون.
وصلنا الى القرية ليلاً، وكان الاتفاق أن نلتقي عند الصباح مع من لا يزال فيها لتقرير ما علينا فعله. ولكنه تبين لنا أنا العدو قد دخلها من الجهتين الشرقية والغربية، وأخذ يداهم البيوت الخالية بحثا عن السلا