من صحافة الاحتلال

  بقلم : دافيد ليبكين

صنع في (إسرائيل) ... قريباً في الأسواق السعودية

 

 


إن اولئك الذين يبحثون عن حلبة صراع مشروعة كانوا يستطيعون الانتقال في الاسبوع الماضي الى مؤتمر منظمة التجارة العالمية الذي انعقد في هونغ كونغ، حيث واجهوا قضايا دعم الزراعة. في ذلك الوقت في اسرائيل الصغيرة استشرفت العيون خاصة موضوعا آخر بُحث في المؤتمر: ضم السعودية كعضو الى المنظمة. اشتُرط ضم المملكة المسلمة بأن تقبل قوانين المنظمة المختلفة، التي تشتمل على حظر اجراء حظر على دول اخرى اعضاء فيها. فجأة أصبح يبدو أن القطيعة العربية لاسرائيل توشك أن تنحل.
من اجل احراز غايتهم، التزم السعوديون التزاما صريحا للادارة الاميركية، ووعدوا أنهم ينوون إبطال جميع أنواع القطيعة وأن اختبارهم الكبير قد أصبح يلوح في الأفق. في الاسابيع القريبة يُفترض أن يحاول رجال اعمال اسرائيليون أن يُقدموا علنا جعل السعودية مزودة لاسرائيل بالغاز - وهي صفقة تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات. ستحاول شركات هاي تيك اسرائيلية ايضا أن تبيع السعوديين تطويراتها مباشرة، بلا وسطاء في الامارات الخليجية. في واقع الأمر، العلاقات التجارية غير المباشرة بالسعودية موجودة منذ توقيع اتفاقات اوسلو. فمنتجات ري وهاي تيك من انتاج اسرائيلي تُباع من أرباب النفط في المملكة السعودية، ولكن بطرق غير مباشرة.
في واقع الامر، الى الآن فشلت جميع المحاولات لابتياع منتجات وقود من المصافي السعودية. إن رجال اعمال سعوديين مستعدون لمحادثة اسرائيليين في المؤتمرات الدولية، ولكن عندما يطرحون عليهم امكانية انشاء علاقات تجارية مباشرة، يكون الجواب واحدا: "ما زال مبكرا صنع الصفقات. يحسن أن ننتظر التطورات في المنطقة". احيانا يتملصون ببساطة ويقولون انهم "ينتظرون ضوءا أخضر من السلطات".
بالرغم من الصعوبات، تنجم مؤخرا علامات تغيير. فمصممة الأزياء غليت ليفي تقول انها قد تلقت طلبية مقدارها 2ر1 مليون شيكل لبيع نساء سعوديات فساتين مسائية، إثر معرض في نيويورك. لكن البعثة لن تصل مباشرة الى ارض شبه الجزيرة، بل عن طريق فرنسا ونيويورك. ولا تعِد ليفي ايضا أن يُلصق على الفساتين ختم مكتوب عليه صُنع في اسرائيل.

ما زالوا ينتظرون اليابانيين
لا شك على الأقل في شيء واحد: أن قائمة منتظري قرار السعوديين طويلة جدا، وتشتمل على دول كثيرة في الشرق الأقصى وفي اوروبا. في رأس القائمة اليابانيون، وهم معروفون بحساسيتهم الشديدة لموضوع القطيعة العربية. بسبب تعلقهم الكبير بالنفط في الشرق الاوسط، وبخاصة من السعودية، اتخذ أناس ارض الشمس المشرقة في السنين الأخيرة استراتيجية خطوة الى الأمام واثنتين الى الوراء. فمن جهة يقيمون علاقات تجارية مع اسرائيل، ومن جهة اخرى يكشفون عن عدم استعداد لتنفيذ استثمارات ذات شأن، ما عدا عدة صناديق هاي تيك.
بعد أن وُقعت اتفاقات اوسلو فورا، عبر اليابانيون عن استعداد لإزالة تحفظهم من العلاقات الاقتصادية باسرائيل، وأعطوا ضوءا أخضر للشركات التجارية الكبيرة أن تدخل في نشاط في صهيون. ومن بين جملتها، سُمح لشركات السيارات اليابانية ان تبيع سيارات في البلاد، ويقف الاستيراد اليوم من هناك عند 80 - 90 في المائة من سوق السيارات.
وصل التعبير العملي عن تغيير العلاقات عندما افتتحت مكاتب خمس شركات تجارية كبيرة في تل ابيب. بعد أن فحص الممثلون في هذه المكاتب عن امكانات مختلفة للاستثمار أو لشراء التقانة، جاءت انتفاضة الاقصى وهشمت الأحلام. اليوم تعمل في تل ابيب شركة تجارية يابانية واحدة فقط، وهي تقوم بخطواتها الصغيرة ايضا بالإقلال من الظهور. سنذكر كدليل على الخوف الياباني أن ممثل الشركة طلب ألا نكشف عن هويته.
يمكن فقط أن نفترض أن قرار السعوديين سيؤثر تأثيرا كبيرا في استعداد اليابانيين لزيادة نشاطهم في البلاد، على نحو يشبه الاعمال الكثيرة التي يقومون بها في امارات النفط.
النشاط الاميركي المتعاظم لوقف القطيعة أصبح يطلق في الهواء توقعات جديدة، لكنه ما زال لم يأت بالقضاء على مكتب الجامعة العربية في دمشق، الذي يعتني بالقطيعة العربية منذ 1951. يُجري المكتب مرة كل عامين اجتماعا يبحث في الموضوع، وكل تدهور في علاقات اسرائيل بالسلطة الفلسطينية يُفضي الى رفع مجدد لعلم القطيعة. إن من يقف وراء هذا النشاط هو عمرو موسى، الذي كان وزير الخارجية المصري، ويتولى اليوم الأمانة العامة للجامعة العربية.
على مدى سنين جرت محاولات كثيرة لتقدير مقدار الأضرار التي تسببت بها القطيعة لاسرائيل. تراوح المعطيات بين 44 مليار دولار - تقدير رابطة الغرف التجارية، وبين أرقام أقل تعرضها معاهد أبحاث مختلفة. ومع ذلك، فلا ريب أن الضرر الرئيس الذي تسببت به القطيعة العربية للاقتصاد الاسرائيلي ليس هو رفض شركات معروفة في العالم أن تبيع منتجاتها في السوق الاسرائيلية، بل امتناع شركات متعددة الجنسيات من الاستثمارات في البلاد. في واقع الأمر، على مدى سنين كثيرة كان الاقتصاد الاسرائيلي "خارج المجال" من جهة الشركات الضخمة، ولم تكن مستعدة لدخول مبادرات مشتركة مع شركات اسرائيلية حتى في دول اخرى. هذا الوضع استمر حتى توقيع اتفاقات اوسلو في ايلول 1993.
التحول الكبير في كل ما يتعلق بالقطيعة العربية جاء مع انقضاء حرب الخليج الاولى في 1991. الكويت، التي تضررت تضررا شديدا في الحرب، واجهت آنذاك مشروع اعادة إعمار شاملا وطلبت تجنيد مبادرين اميركيين لتنفيذ اعمال البنى التحتية. كانت المشكلة أن قيود القطيعة تعارضت مع التشريع في الولايات المتحدة، الذي حظر على شركات اميركية أن تشارك بنصيب في القطيعة العربية.
كانت النتيجة أن حكومة الكويت التزمت إلغاء القطيعة الثانوية والقطيعة من الدرجة الثالثة - لكنها لم تلتزم إلغاء القطيعة المباشرة للمنتجات الاسرائيلية. ساعد هذا التغيير في اقناع شركات ضخمة في اوروبا والولايات المتحدة أن عليها أن تفحص عن نشاط مُعلن في اسرائيل وفي ضمنه افتتاح المكاتب.
في واقع الامر، في بداية التسعينيات ابتدأ تصدير اسرائيلي الى جزء من دول الخليج، وقد تم بتوسط الاردن ومصر. وكان نتاج ذلك زوال الاضطرار الى شركات وهمية أُقيمت في قبرص وفي اسبانيا من اجل الاتجار بمنتجات الري، والبذور ومنتجات الالكترونيكا الاسرائيلية.

أصبحت البحرين في الصورة
يُطلق التزام البحرين للادارة الاميركية آمالا جديدة ايضا، وهو التزامها أن تترك جميع أنواع القطيعة العربية لاسرائيل. نقل رسالة صريحة في هذا الشأن وزير المالية البحريني، احمد بن محمد آل خليفة، الى ممثل التجارة في الادارة الاميركية، روبرت فورتمان، كشرط لاتفاق تجارة حرة بين الدولتين. في هذا الاطار قرر الكونغرس الاميركي أن يفحص في كل سنة هل يثبت وعد البحرين في امتحان الواقع.
الآن ينتظرون أن تطلب الادارة في الولايات المتحدة الى دول عربية اخرى أن تعلن عن وقف القطيعة، في الأساس في أعقاب تطبيق الانفصال من قطاع غزة ونية العمل في المستقبل وفق خريطة الطريق. يقرر التوجه الاميركي أن الدول العربية يجب عليها أن توقف جميع أنواع القطيعة العربية، ولو فقط من اجل تأييد جهود السلام في المنطقة.
الطريق الى التعاون الكامل لا تزال طويلة جدا. فبالرغم من أن اسرائيل لها علاقات بجزء من دول الخليج العربي، فاننا لا نرى منتجات اسرائيلية في الحوانيت في قطر أو في دبي. إن منتجات من انتاج اسرائيلي، مثل منتجات الهاي تيك والري تصل خاصة الى هاتين الإمارتين، لكن أحدا لا يستطيع أن يتعرّف الى مصدرها.
فمن جهة، ربما كانت إحدى علامات الزمن أنه قبل عشرة ايام شارك وفد ماس اسرائيلي، يترأسه رئيس البورصة آفي باز، في معرض مجوهرات وساعات، أُجري في دبي وهو يُعد الأهم في المجال في الخليج العربي.
جاءت السنة الأخيرة ايضا ببشرى الاتجار مع العراق، ومقداره يقف عند عشرات ملايين الدولارات. "قائمة المشتريات" العراقية تشتمل على منتجات تدريع، وأغذية وري ومواد بناء، يشتري بعضها الجيش الاميركي. ومع ذلك فان توقعات أن تستوعب السوق العراقية منتجات اسرائيلية بمقدار مئات ملايين الدولارات - في اطار الخطط لاعادة إعمار الدولة - لم تتحقق بسبب الوضع الأمني الشديد فيه.
تميزت سنة 2005 ايضا بتقوية علاقات التجارة بين اسرائيل ومصر. قامت في المركز صفقة ابتياع الغاز من مصر على يدي شركة الكهرباء، وفي ظلها ما زالت تلاحظ محاولات متطرفين للاعلان عن قطيعة للمنتجات الاسرائيلية.
طرأ تطور مثير للاهتمام على علاقات الطيران لشركات اسرائيلية بقطر والمغرب. فشركة "أركيع" مثلا وقعت اتفاقا مع شركة طيران قطر، وبحسبه يستطيع مسافرون الى عمان الخروج في طائرات قطرية لرحلات تستمر نحو الشرق الاقصى. حتى ان "اركيع" تجري اتصالات بدول اخرى في الخليج العربي من اجل استعمال رحلات متابعة، وبفضل رخصة الطيران فوق ارض المغرب يمكن لها أن تطير نحو اميركا اللاتينية.
في الادارة الاميركية يهتمون الآن في أن يهدموا تماما سور القطيعة العربية، وينوون طلب إزالتها من كل دولة عربية تطلب التوقيع على اتفاق منطقة تجارة حرة. التقدير هو أنه ستوافق دول عربية معتدلة اخرى في إثر البحرين على التوقيع على اتفاق مماثل. إن مسارا كهذا يُلبي توقعات الاميركيين، الذين يعتقدون أن تقدم العلاقات الاقتصادية بين دول المنطقة سيُقدم ايضا قيم الديمقراطية في الشرق الاوسط.

عن "معاريف"