قراءة في التفاعلات التاريخية مع المسيحيين العرب

 عوني فرسخ

 24-12-2007

من مظاهر الواقع العربي المأزوم نكوص البعض عن التفاعلات التاريخية المتميزة مع المسيحيين العرب . وفي مرحلة من ابرز معالمها السعي الامريكي – الصهيوني لتقسيم الأقطار العربية واثارة الفتن الطائفية والعرقية فيها ، يغدو مهما الوقوف مع المغالاة في تفسير بعض النصوص بما يتناقض مع عدل الاسلام ورحمته ، والممارسات الغالبة منذ فجر الاسلام ، بحيث تميزت الحواضر العربية كيفيا في التعامل مع الآخر ، بشهادة غالبية المستشرقين .

 

ومن النصوص موضوع الجدل حول تفسيرها "غير المغضوب عليهم ولا الضالين " من سورة الفاتحة ، والقول بأن المقصود بذلك اليهود والنصارى . وذلك ما راجعني بشأنه اكثر من مفكر ومثقف عربي . وفي الرد على المتسائلين ذكرتهم بأن القرآن الكريم يشرح بعضه بعضا ، وموقفه من أهل الكتاب غاية في الايجابية . إذ ليس من آية تعادي اليهودية والنصرانية كدينين ، أو اليهود والنصارى كبشر . وانما هناك آيات تنتقد السلوكيات الخاطئة مع التمييز بين الصالحين والضالين بقوله تعالى : "ليسوا سواء من أهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واؤلئك من الصالحين " . (آل عمران ، الآيتان 113 و 114 ) . والضالون والمغضوب عليهم الذين يدينهم القرآن الكريم ليسوا من دين واحد . فضلا عن أنه لا يصح ايمان المسلم إن لم يعتقد بقدسية ما أوحي لابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام .

 

      ولقد أرسى القرآن الكريم أسس التآلف الاجتماعي وعدم التمييز العنصري على أساس التمايز الديني بقوله تعالى: "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" (المائدة الآية 5) وبالتفاعل الايجابي فيما بين مكونات المجتمع الذي نشأ بعد الفتح تبلورت ضمن حدود الوطن العربي أمة ذات طبيعة تركيبية تضم التنوع ضمن اطار الوحدة ، وثقافة عربية اسلامية للمسيحيين العرب دور في تبلورهما .

 

ولقد تعددت الاجتهادات في تفسير آيات الذكر الحكيم ، وفي دلالات الاحاديث النبوية الشريفة ، وفي ذلك يقول حسن البنا "الدين آيات واحاديث ونصوص يفسرها العقل والرأي في حدود اللغة وتوابعها ، والناس في ذلك جد مختلفين " . ومما يميز الاسلام انه لا يفرض تفسيرا او مذهبا بعينه . ويذكر للامام مالك قوله : "إن تعدد المذاهب رحمة بالعباد من رب العالمين " . فيما يقرر احمد امين ، المختص بالدراسات الاسلامية ، إن تفسير القرآن الكريم متأثر بالواقع الاجتماعي والثقافي الذي يصدر فيه .

 

والقول بأن أهل الكتاب هم المقصودون بغير المغضوب عليهم والضالين منسوب للمجتهد ابن تيمية ، الذي عاش زمن تحالف الافرنج والمغول وموالاة بعض الجماعات لهم . وليس مستغربا ان يميل للتشدد في تفسيره بتأثير الواقع المأزوم. وهو واقع وإن بدا مشابها للواقع العربي الراهن ، إلا أن مرحلة التحرر الوطني التي تعيشها الامة العربية تتطلب الحرص على الوحدة الوطنية ، باعتبارها الدرع الواقية في مواجهة القوى المعادية وأدواتها الاقليمية والمحلية .

 

ثم إن السلف الصالح حدد قواعد التفاعل مع شركاء المسيرة والمصير ، استناداً لعهود الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وقادة الفتح ، التي في ضوئها صاغ الفقهاء نظام "أهل الذمة " مقراً لغير المسلمين حرياتهم الدينية والمدنية مع احتفاظهم بتمايزهم ، بحيث لم يهمشوا في أي نشاط اقتصادي او اجتماعي او ثقافي . ويعتبره د. ادمون رباط " فتحا في عالم الفكر وابتكارا عبقريا " لا سابقة له في التاريخ . ولا مجال لمقارنة ما وفره للمسيحيين واليهود من حقوق بالممارسات العنصرية في المهاجر الامريكية والأوروبية والاسترالية تجاه العرب عامة ، والمسلمين منهم خاصة .

 

وبصدور "التنظيمات" العثمانية بموجب " خط كلخانة " سنة 1856 انتهى العمل بنظام "اهل الذمة" ، واعتبر المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات . وهذا ما يلتقي على القول به بعض ابرز قادة الفكر والعمل الاسلامي المعاصرين ، كراشد الغنوشي ومحمد سليم العوا . والثابت أن الحريات الدينية متوفرة للزردشتية في ايران والهندوسية والبوذية في اندونيسيا وماليزيا .

 

وكما استهدفت غزوات الفرنجة المسماة "الحروب الصليبية" العرب مسلمين ومسيحيين كذلك فعلت القوى الاستعمارية والارساليات التبشيرية الأوروبية والعنصريون من المستشرقين . فما قاله ايرنست رينان بحق الاسلام والمسلمين ليس أكثر عنصرية وافتقاداً للموضوعية مما قاله المبشر الأمريكي واطسون وابنه شارلز – أول رئيس للجامعة الأمريكية في القاهرة – بحق الكنيسة القبطية والاقباط . وفي كل معارك التحرر الوطني العربية التقى الشيوخ والقساوسة والخوارنة على منابر المساجد والكنائس في الدعوة للمقاومة . كما كان ، ولا يزال، للمسيحيين من مختلف الطوائف أدوار قيادية في الأحزاب الوطنية والقومية . ولقد استقبلت المملكة العربية السعودية وأقطار الخليج العربية خلال نصف القرن الأخير عشرات آلاف المسيحيين العرب ، من مختلف الطوائف ، الذين احتلوا مواقع متميزة في القطاعين العام والخاص . كما اقيمت في معظمها الكنائس ومدارس الارساليات بدعم من الحكام ، ويحتفل فيها بعيد الميلاد ورأس السنة الميلادية دون أدنى حساسية .

 

      والذي لا يجوز نسيانه أن بروز الغلاة في تفسير النصوص من الكتاب والسنة يعود في أهم أسبابه لاستغلال الجماعات إسلامية الشعارات في سعي الادارات الأمريكية لاستعادة المواقع التي خسرتها الدول الاستعمارية ، وتوظيف الأنظمة لها في تصفية القوى الناصرية واليسارية . وعلى مدى العقود الاربعة الماضية تعددت المؤثرات السلبية على الفكر العربي ، خاصة الديني منه ، ومن أبرز معالمها نكوص المواقف تجاه المسيحيين العرب . فضلاً عن انعكاسات استشراء الحملات المضادة للاسلام في أوروبا وأمريكا .

 

غير أن الرهان معقود على ما عرفت به الأمة العربية من قدرة فذة على النهوض من الكبوات . وفي تبني المؤتمر القومي – الاسلامي الدعوة للوحدة العربية والتحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتجدد الحضاري ما يبعث الامل في النفوس ، لا سيما وبين رموزه عدد من قادة العمل والفكر الاسلامي . فضلا عن مشاركة العديد من نخب المسيحيين العرب في الحراك السياسي والابداع الفكري والفني ، ما يؤشر الى ان القوى الحية في الامة لما تزل وفية لتراث السلف الصالح الذي يعود له فضل احتفاظ الامة العربية بخاصية امتلاك التعدد ضمن اطار الوحدة .

 

اعتذار الفاتيكان المطلوب عن "الحروب الصليبية

13-12-2007

 عوني فرسخ

نشرت الخليج يوم 27/11/2007 رسالة اعتذار ثلاثمائة عالم ورجل دين مسيحي عن غزو الفرنجة ، المعروف بمصطلح "الحروب الصليبية " ، ومع تقدير أصحاب الرسالة ونواياهم الطيبة ، إلا أن الاعتذار الذي يجب مرارات الماضي ويؤسس لحوار بناء في الحاضر مطلوب من المؤسسة التي دعت للعدوان ورعته . وكان الظن أن يزور قداسة البابا لدى زيارته دمشق ضريح صلاح الدين ، ويعتذر للعرب مسلمين ومسيحيين عما ارتكب بحقهم تحت راية البابوية بدءا من الحملة الأولى ، التي دعا لها البابا اوربان الثاني بخطابه في كليرمونت في 26/11/1095 ، لوقف الصراعات بين المسيحيين في أوروبا وتوجههم للديار المقدسة . مستهدفا تعزيز مركزه في نزاعه على الكرسي البابوي ، حين كان منفيا في جنوبي فرنسا ، ويخوض صراع قوة مع الإمبراطور هنري الرابع . ويتضح أن البابا غلف دعوته الدنيوية بلبوس ديني ، بما لا يختلف عن تغليف الدعوة الصهيونية بأساطير التوراة .

وكما جاء الصهاينة المشرق العربي مسكونين بثقافة عنصرية ، كان غالبية المستجيبين للدعوة الصليبية أسرى ثقافة طائفية مشوهة ، بحيث اعتبروا المسيحيين الشرقيين " هراطقة" والمسلمين "كفرة " وبرابرة" . وفي يوميات معاصريهم شهادات حية عن الإرهاب "المقدس "الذي اقترفوه طوال مقامهم في المشرق العربي ، منها على سبيل المثال : مذكرات الأميرة أنا كومينا ، ابنة الإمبراطور الكسيس كومانين ، إمبراطور بيزنطة غداة الحملة الأولى ، ويوميات صاحب "أعمال الفرنجة" .

وفي تعقيبه على مجزرة القدس كتب جوستاف لوبون : "لم يكتف قومنا الصليبيون الأتقياء بضروب العسف والتدمير والنهب التي اتبعوها ، بل عقدوا مؤتمرا اجمعوا فيه على ابادة جميع سكان القدس من المسلمين واليهود وخوارج النصارى ، الذين كان عددهم ستين ألفا ، فأفنوهم عن آخرهم في ثمانية أيام ، ولم يستبقوا منهم شيخا أو امرأة " . وما بين الرها في الشمال الشرقي ، وإنطاكية في الشمال الغربي ، وحتى القدس والرملة في الجنوب ، تسببت الممارسات العنصرية بتشتت من كتبت له النجاة من أهالي البلاد مسلمين ومسيحيين . وفي هذا يقول د. نقولا زيادة : "الحملة الصليبية الأولى ، والفظائع التي ارتكبتها ، في احتلال القدس ، ليس مما يشرف . وقد ظهر لنا رغبات الصليبيين من خلال تصرفهم السىء مع مسيحيي فلسطين . فقد استولوا على أديرتهم وطردوهم من الكنائس والبيوت . فتبعثر المسيحيون في جهات فلسطين وشرق الأردن ، وسار البطريرك إلى القاهرة ليعيش في حماية الفاطميين " . 

ولقد افتقد أتباع الكنيستين الاورثوذكسية واليعقوبية ، بغياب السلطة الفاطمية ، التزام الحكام بالحرية الدينية التي جاء بها الإسلام . كما عانوا من اعتبارهم أتباعا ثانويين للمؤسسة الكنسية اللاتينية . فبعد سقوط إنطاكية حل بطريرك لاتيني محل الأرثوذكسي ، وفي القدس احتل بطريرك لاتيني محل القبطي . ويقرر المؤرخ ار . سي . سميل "اضطر الأرثوذكس إلى تقديم الطاعة وضريبة العشر إلى رجال الكنيسة الأعلى والمنتمين إلى جنس دخيل والممارسين طقوسا مختلفة " ... ويذكر أن الأقباط منعوا من الحج إلى بيت المقدس لاعتبارهم "هراطقة" . ولما دخل الصليبيون دمياط قتلوا كثيرين من الأقباط ، واخذوا أطفالهم أسرى ، وانكروا عليهم حقوقهم ، وعينوا مطرانا لاتينيا للكنيسة القبطية .

وفي القدس ، وبقيه المدن المحتلة ، حولت المساجد لكنائس ، وأزيلت منها المحاريب ، ورفعت عليها الصلبان ، وسمي مسجد قبة الصخرة "هيكل الرب" ، وحول جزء من المسجد الأقصى إلى كنيسة باسم "هيكل سليمان " واتخذوا بقيته مسكنا للفرسان . وفرضوا على المسلمين "جزية" على النفوس ، وضريبة على محاصيلهم . ولقد اضطرت الحملات المتوالية من أوروبا غالبية المواطنين : مسلمين ومسيحيين ، إلى اللجوء للمناطق غير المحتلة ، تماما كما جرى لعرب فلسطين سنة 1948. ولم تقم بين الفرنجة ومن أجازوا بقاءهم من المسلمين والمسيحيين الشرقيين علاقات ايجابية ، وإنما كان العداء المكتوم والشكوك المتبادلة كامنة لدى الطرفين ، بما لا يختلف عن الواقع في ظل الاحتلال الصهيوني لفلسطين .

وطوال قرني الصراع شكل المسيحيون ، العرب والسريان ، جزءا من المجتمع العربي ، ووجد فيهم الحكام رعايا مضموني الولاء . ويذكر سميل أن الأقباط هم الذين كشفوا مؤامرة أموري الأول ، ملك القدس الفرنجي ، للانقلاب على صلاح الدين سنة 1774 . وحول اندماج المسيحيين الشرقيين في النسيج الاجتماعي العربي كتب يقول : "لا يعود ذلك فقط إلى ارتباطهم بالعرب المسلمين بروابط التاريخ واللغة والعادات ، وإنما أيضا لأنهم عاشوا عدة قرون تحت حكم الخلفاء الإسلامي المتسامح على وجه العموم ، فيما وجدوا أنفسهم تحت حكم كاثوليكي افرنجي لا يوفر حرية العبادة والاعتقاد" .

وتحالف الفرنجة والأرمن مع المغول ، وتعاون معهم بعض أهالي المنطقة ، بحيث واجهت الدولة الأيوبية وضعا حرجا للغاية . وعندما كان لويس التاسع يحاصر المنصورة برز المماليك كفرسان منقذين . ولأنهم لم يكونوا قد تمثلوا الثقافة العربية الإسلامية . تشددوا مع الذين اتهموا بمناصرة التحالف الإفرنجي – المغولي . وتعكس ممارساتهم في المرحلة التالية من حكمهم قدرا غير يسير من الانفتاح تجاه المسيحيين واليهود والشيعة والعلويين والدروز والإسماعيليين ، كنتيجة لتراجع حدة المخاطر الخارجية وتغير الظروف الداخلية .

وخلال قرني الغزو وفي اعقابهما شهدت بلاد الشام إقبالا واسعا على الإسلام . ويعيد د . كمال صليبي ذلك لانتقام المماليك من النصارى لسلوكهم في الفترة الصليبية . بينما يذكر سير توماس ارنولد "إن المسلمين حين استردوا سلطانهم على الأراضي المقدسة بسطوا على المسيحيين روح التسامح التي كانت من قبل " . فيما يقرر فكتور سحاب أن "الغزو الأوروبي أوقع المسيحيين العرب في حرج ألطف ما يقال فيه أنه خيرهم بين الوقوف مع بني دينهم والوقوف مع بني قومهم . ويبدو أن المسيحيين العرب في معظمهم اختاروا الحل الثاني ، فكان المسعى الصليبي وبالا على المسيحية العربية من حيث ظن أو صور انه دفاع عنها " .

وإذا كان مطلوبا من الفاتيكان الاعتذار للعرب مسلمين ومسيحيين عما أصابهم من الغزوات التي دعا لها اوربان الثاني ورعاها خلفاؤه ، فانه مطلوب من جميع العرب ، خاصة الدعاة ، الحرص على الوحدة الوطنية باعتبارها الدرع الواقية في مواجهة تحديات اليوم ، كما كانت في التصدي لغزاة الأمس .

 ******************************************************************************************

 

المسكوت عنه في خطاب الرئيس بوش في انابولس

 عوني فرسخ

لا تقف أهمية الخطاب السياسي عند ما ينطق به ، وإنما عند ما يسكت عنه أيضا . وكثيرا ما كان المسكوت عنه أهم وأخطر ، فيما المنطوق به ستار خادع للمستهدف من الخطاب . وفي خطاب الرئيس بوش في لقاء انابولس ما هو مسكوت عنه أشد خطورة على حاضر ومستقبل شعب فلسطين وأمته العربية مما افصح عنه على خطورته ، ولما كان السكوت في معرض الحاجة بيان فلسكوت شهود الحفل العرب على ما نطق به الرئيس وما سكت عنه دلالات خطرة كذلك .

وحين يتزامن عقد لقاء انابولس مع الذكرى الستين لصدور قرار تقسيم فلسطين ، ويشارك فيه ممثلو الامم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الدائمون وأكثر من ثلثي دول الجامعة العربية ، مع تجنب عقده في رحاب الامم المتحدة ، ففي ذلك دلالة اعادة تأكيد التزام القوى الراعية للمشروع الصهيوني بالغاية من اقامته مع تقصد استبعاد المنظمة الدولية كمرجعية في الحكم على تنفيذ ما هو مستهدف في المرحلة المقبلة . كما انه في قول الرئيس محمود عباس بأن ما قبل انابولس مختلف عما بعدها ، وأنها فتحت الباب لمفاوضات جادة حول قضايا الحل النهائي ، ما يؤشر الى أن ما قاله ولم يقله الرئيس بوش ، وما سكت عنه شهود الحفل العرب ، إنما يؤشر لمعالم طريق المفاوضات التي يبشر بقرب بدئها الرئيس أبو مازن ، والاجراءات التنفيذية الملازمة لها .

فالرئيس بوش أعطى الاهمية الاولى لتأكيد التزام إدارته باسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي ، مستخدما ذات الصيغة الواردة في تصريح بلفور قبل تسعين عاما . وإذا كان الوزير البريطاني قد تجاهل الهوية القومية لعرب فلسطين واسقط حقهم في تقرير المصير ، فإن الرئيس الامريكي تجاوز الامرين على خطورتهما . إذ في تأكيده الالتزام بإسرائيل وطنا قوميا لليهود تجاهل وجود 1.3 مليون مواطن عربي ، هم وحدهم أصحاب الوجود التاريخي والطبيعي والمشروع داخل ما يسمى الخط الاخضر . فضلا عن أن في تغييبه ذكرهم قبولا ضمنيا بالتطهير العرقي ومؤشر سكوت ادارته المسبق على اجراءات التسفير القسري "الترانسفير" التي سيتعرضون لها .

وحين يقصر الرئيس بوش مطالبة اسرائيل على انهاء احتلال عام 1967 فانه بذلك يضفي المشروعية الامريكية على ما كان محتلا قبله ، متجاهلا أن اسرائيل تحتل 50 % من القسم العربي بموجب قرار التقسيم ومعظم منطقة القدس الدولية ، وان 92 % من الارض القائمة عليها املاك شخصية لمواطني 530 مدينة وقرية عربية ، هجر 85 % من أهاليها باعتماد القيادة الصهيونية ، بزعامة بن غوريون ، سياسة التهجير القسري ، كما يؤكد ذلك المؤرخون الاسرائيلون الجدد . فضلا عن كون استعادة اصحابها لها مشمولة بالقرار 194 الذي قبلت اسرائيل عضوا في الأمم المتحدة باعلانها الالتزام بتنفيذه .

والرئيس حين يعيد تأكيد التزام إدارته برسالة الضمانات التي اعطاها لشارون سنة 2004 ، المتضمنة الغاء حق العودة ، فانه بهذا يضيف لاهداره حقوق عرب الارض المحتلة سنة 1948 إهدار حقوق 6.5 مليون لاجىء ، أعادت الجمعية العامة للامم المتحدة تأكيد حقهم بالعودة في كل دورات انعقادها المتوالية حتى العام 1991 ، بحيث صار حقا مشمولا بالقانون الدولي العام في نظر العديد من فقهاء القانون الدولي . وبالتالي يكون الرئيس الامريكي قد أهدر حقوق 7.8 مليون مواطن عربي فلسطيني .

ثم إنه حصر مطالبته اسرائيل بعدم توسيع الاستيطان وبازالة البؤر الاستيطانية "غير المرخصة " ، مما يعني قبول ادارته بالمستوطنات ، وبالحزام الاستيطاني المحيط بالقدس الشرقية ، وبالتبعية بالطرق الالتفافية . في مخالفة صريحة لقرارات الامم المتحدة واتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 التي لا تجيز تغيير الواقع في الارض المحتلة ، فضلا عن تجاهله وجود نصف مليون مستوطن ، مدربين عسكريا يمتلكون (240) الف قطعة سلاح ، ومسكونين بثقافة عنصرية شديدة العداء للمواطنين العرب وحقوقهم المشروعة .

كما أنه لم يشر لرفع حصار الجوع المفروض على قطاع غزة ، والمتوقع تشديده بالالتزام بما تقضي به خريطة الطريق المعتمدة مرجعية للمفاوضات المقبلة . ثم إن الرئيس لم يأت على ذكر جدار الفصل العنصري ، الذي أدانت إقامته محكمة العدل الدولية . فضلا عن أنه لم ينبس ببنت شفة حول ما تشكله ترسانة اسرائيل النووية من خطر قائم ، ولا أعلــن تأييده لدعوة تجريد المنطقة من كل سلاح ذري موجود او قد يوجد .

وفي تأكيده أن تكون فلسطين وطنا قوميا للشعب الفلسطيني ، لم يبين حدود "الدولة " القائمة عليها رؤيته . متجاهلا انه بإقراره مشروعية ما احتل قبل 1967 ، والمستوطنات والطرق الواصلة فيما بينها وبين ما سبق احتلاله ، لا يتبقى من "الدولة" سوى معازل "ابرتهايد " متناثرة . فضلا عن أنه مطلوب من سلطتها ، حتى تفوز بالرضا الصهيوني والقبول الامريكي ، ان تخوض حربا ضروسا مع قوى المقاومة المشروعة في القانون الدولي وشرعة حقوق الانسان . مما يعني في التحليل الاخير أن "دولة" رؤية الرئيس الامريكي لن تخرج عن كونها استنساخ اكثر بؤسا لسلطة حكم الذات التي تمخضت عن اتفاق أوسلو .

وفي مخاطبته ممثلي الدول العربية ورد قوله : "يجب ان تقوم الدول العربية بمد اليد لاسرائيل والعمل اتجاه تطبيع العلاقات معها ، والاثبات بالقول والفعل ان اسرائيل وشعبها لهم وطن دائم في الشرق الاوسط " . متجاهلا ما تميز به العرب تاريخيا من انفتاح غير محدود على مواطنيهم اليهود ، ولم تعرف أي من اقطارهم "معاداة السامية" .

كما أنه تعمد تجاهل أن العداء القائم انما يعود لكون اسرائيل دولة غير طبيعة النشأة والدور ، فرضت عنوة على الارض العربية ، لتكون اداة قوى الاستغلال الكوني في تأصيل واقع التجزئة والتخلف والتبعية ، لكي يتواصل استغلال الوطن العربي موقعا وموارد واسواقا وقدرات بشرية . وكنتيجة لذلك تفجر الصراع ولسوف يتواصل ما دامت مسبباته قائمة . ثم انه لم يشر للجولان المحتل بكلمة مجاملة لممثل سوريا التي دعاها استجابة لالحاح "أصدقائه" العرب كما قال . والسؤال الاخير : بعد الذي قاله وسكت عنه الرئيس بوش أي صدقية أبقى لمسوقي أوهام الرهان على الدور الأمريكي في الصراع العربي الصهيوني ؟!!

...