فــاروق وادي
أن نلوم الضحيّة
15-12-2007
عندما كتبتُ عن "الإغتصاب" في سجن "أبو غريب"، قبل سنوات، تحدّثتُ عن "نادية"، الفتاة التي تناوب اغتصابها بين تلك الجدران الرهيبة، ولعشرات المرّات، جنود جورج بوش "المُحرِّرين" للعراق، فخرجت من هناك مُذلّة مهانة.. تعاني جراحاً لن تندمل، لا شفاء منها، وتحمل جنيناً لا تعرف من الذي زرعه في أحشائها لكثرة الذين تداولوها، ولتجد أن أهلها قد هيأوا سكاكينهم وشحذوها من أجل ذبحها غسلاً للعار، ونصبوا خيمة عزائها قبل موتها المُحتّم. وانتهيت إلى أن الذكور الذين غضّوا الطّرف عن اغتصاب الوطن، ووجهوا سلاحهم نحو الضحيّة، هم الذين كانوا عرضة للاغتصاب الحقيقيّ!
بعد نشر المقال، وصلتني رسالة من قارئة ملأتني رُعباً.
كانت القارئة تدافع عن "غسل العار" بتلك الطريقة، وسألتني عمّا لو كانت نادية إبنتي. ألن أقوم بذبحها دون تردد ؟!
لا أذكر بماذا أجبت القارئة بالدِّقة، لكنني بالتأكيد عبّرت لها عن أنني لن أفعل ذلك. أولاً لأن معاقبة الضحيّة هي ظلم أشدّ مضاضة من الكارثة التي حلّت بها، ناهيك عن أن مهمة الشُّرفاء هي الوقوف إلى جانب الضحايا، بأيديهم وألسنتهم وأقلامهم وقلوبهم. ولأنني، ثانياً، لا أقوى على ذبح دجاجة، لو شئت. وسألت القارئة إن كانت - في حال تعرُّضها لمثل ما تعرّضت له نادية - ستذهب إلى أهلها حاملة كفنها على ذراعيها ليتولوا ذبحها، أم أنها ستبحث عن الوسيلة التي تنتقم فيها لشرفها المهدور، على المستويين الشخصي والوطني على السواء؟! فلم تُجب.
النساء من ضحايا الإغتصاب، سواء أكانت بواعثه ومُحرِّكاته البعيدة إجتماعية أو اقتصادية، أم اغتصاباً أملته شروط حربٍ أو احتلال ظالم، هن ضحايا نزاعات يصنعها، في الغالب، رجال يحرّكهم شبق الهيمنة والتمدد وبسط السيطرة والنفوذ. وما المغتصبات فيها إلاّ ضحايا الطرف المُنتصر والطرف المهزوم على السواء. فكيف نلوم الضحيّة؟!
***
لا يُمكن أن نتحدّث عن الإغتصاب دون أن يطلّ علينا وجه جورج بوش الإبن بعينيه الفئرانيتين. فالسؤال الذي طرَحَتْهُ عليّ قارئتي قبل أعوام، طرحه بوش مؤخراً على نفسه، في معرض تعليقه على حادثة "فتاة القطيف" المُغتصبة: "ماذا لو أن حادث الإغتصاب قد وقع لابنتي؟ كيف ستكون ردّة فعلي؟". وقد أجاب بوش على سؤاله بنفسه، وبراءة الأطفال في عينيه: " لكنتُ قد تأثرت كثيراً وشعرتُ بغضبٍ كبير حيال الذين ارتكبوا الجريمة، وحيال الدولة التي لم تدعم الضحيّة".
إلى هنا، فإنني ألتقي مع جورج بوش، للمرّة الأولى (وقد تكون الأخيرة)، في وجهة نظر مُحددة، وفي الوقوف إلى جانب قضيّة عادلة تدعم الضحيّة وتدين المُغتصب!
لكن السُّبُل تتفرّق بنا من جديد. فبوش يقف إلى جانب فتاة القطيف التي اغتصبها أبناء جلدتها، واغتصبها مرّة أخرى قانون ظالمٍ متخلّف، حكم عليها بالسجن والجَلد.
وكان يُمكن لنا أن نشيد بالنُّبل الطارئ الذي حطّ على قلب جورج بوش، وبالوعي الذي أيقظ وعيه، الغائب دوماً، لولا أن ذاكرة الزمن ما زالت تحفظ للرئيس الأميركي أنه هو المسؤول الأوّل عن حوادث الإغتصاب الرهيبة التي حدثت في "أبو غريب"، وفي العراق من أقصاه إلى أقصاه، وفي غوانتانامو، وقلعة جانغي في أفغانستان، أيضاً.
هل نقول لبوش أن اغتصابه العراق هو أحد أكبر عملّيات الإغتصاب في التاريخ القديم والحديث، إلى جانب اغتصاب فلسطين. وأن وقوفه الأعمى إلى جانب إسرائيل، هو وقوف إلى جانب مُغتصبٍ كبير يتضاءل أمامه كلّ المغتصبين.. ولن يغفر له النُّبل الإخلاقي الذي حطّ على قلبه العطوف على فتاة القطيف، التي غضب من أجلها غضبة مُضريّة، كما قالت الأعراب قديماً.. ونسي الأعراب الجُدد هذه العبارة، قولاً وفعلاً؟!
***
الذين أتاحوا، بقوانينهم الذكوريّة الجائرة، وباسم الإسلام، لجورج بوش الصغير أن يرى القشّة التي في عيوننا ويتغاضى عن جذع النخلة في عينيه، فيُهدد بأنه "سيغضب كثيراً من أيّة دولة لا تدعم ضحيّة اغتصاب" (وهم يعلمون تمام العلم أن "غضب" جورج بوش يصل في بعض الأحيان إلى الإحتلال والاغتصاب الكامل للأرض وتدمير الكيانات التاريخيّة والحضاريّة العريقة)، هم مسؤولون عن تعميم صورتنا النمطيّة السلبيّة التي يتسرّب منها أمثال بوش لمسح ما تقدّم من اغتصاباتهم وما سيأتي في العام الأخير لولايته الثانية، التي لن يتوقّف العالم فيها عن معايشة الإغتصابات المُعولمة.
الإغتصاب في عهد جورج بوش لخّصه تقرير وزارة العدل الأميركيّة، الذي يبدو أن السيِّد الرئيس لا يجد متسعاً من الوقت لقراءته، أو أنه غير معنيّ بالإطلاع عليه، لأنه يتحدّث عن عهده الكارثي، لا على الصعيد الخارجي، وإنما على صعيد الحريّات الديمقراطيّة في بلده: إرتفاع غير مسبوق في عدد السجناء الذي تعدى المليونين وربع المليون نسمة؛ تزايد عدد الخاضعين للرقابة القضائيّة، والذي بلغ خمسة ملايين رجل أميركي وامرأة، وهي النسبة الأعلى في العالم وفي تاريخ الولايات المتحدة الأميركيّة، وتتعدى نسبتها في بلدين يروق لبوش أن ينعتهما بنعوت تتراوح بين انعدام الديمقراطيّة وحقوق الإنسان فيهما، ودعم الإرهاب، وهما ليبيا وإيران. وبذلك، فقد شهد عهد جورج بوش، الغاضب على ما جرى لفتاة القطيف، إنحداراً مريعاً للأوضاع الديمقراطيّة في بلده جعلها تقع في المرتبة الدنيا من الديمقراطيات الغربيّة، وتحتل المرتبة الأولى في العالم من ناحية الإعتقالات. ناهيك عن إتلاف مخابراته المركزيّة مؤخراً تسجيلات أظهرت أساليب تحقيق واستجواب قاسية وعنيفة مع من توجّه إليهم التهمة الأميركيّة المُعلّبة: الإرهاب!
وإذا ما أضفنا إلى ما يمارسه الكيان الإسرائيلي الغاصب للأرض والحقوق الفلسطينيّة برعاية الغاضب الأميركي، لأدركنا المعنى العميق لبيت الشِّعر البسيط الذي تعلمناه في الصغر وجَعَلَنا بوش ننقشه في الكبر، حكمة على الحجر:
قتل امريء في غابةٍ مسألة لا تُغتفر
وقتلُ شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظــر!
في القديم كنّا نتحدّث عن شعبٍ واحدٍ قُتل واغتُصب وشُرِّد. أمّا الآن، وفي عهد جورج بوش الصغير، فقد أصبحنا نتحدّث عن شعوبٍ تُباد، وتُغتصب كياناتها، ويُشرّد أهلها. فهل نغضب؟!