|
صحوة سكران 2006 نضال حمد
|
||
|
|
صحوت على وقع جنازير دبابة خلف بيتي الذي لا تحتمل جدرانه لمسة ذبابة، فكيف الحال والذي اسمعه خلف جدرانه أصوات جنازير دبابة... بلعت ريقي وجلست في فراشي أنتظر بعد هنيهات تعليبي مع بيتي من قبل الدبابة.. فأنا بالنهاية فلسطيني ولاجئ ولن يعتبرونني أهم من الأمريكية راشيل كوري.. فقد جرفها بلدوزرهم الضخم في وضح النهار وأمام الكاميرا.. ثم ماذا فعلوا لها، حتى أمريكا حاكمة العالم المطلقة والمهيمنة على بلاد الدنيا خذلت راشيل ولم تستطع محاسبة القاتل الإسرائيلي.. كذلك أنا لست أهم من المنتج التلفزيوني البريطاني الذي قتله جنود يهوه مع سبق الإصرار، يقتلون الناس ويمشوا بجنازاتهم.. شيء عجيب ، شيء مخيف ، أشياء مرعبة ومحزنة، عالم مجانين، عالم ليس لنا، لكنه ليس عالمهم أيضاً ، فكل احتلال إلى زوال وكل مقاومة لا بد منتصرة.. هكذا يتحدث المنطق التاريخي وهذه من سُنن الحياة .. كانت ليلة الأمس عويصة ومثقلة باللعنات، لم يفرق قريني أمس بين الشتائم والمجاملات، كان سكراناً، يتمايل مع صدى وصفير أصوات القذائف وأزيز الرصاص .. كنا كلنا سكارى من شدة القصف ومن وطأة الحصار .. كان بعضنا مخموراً دون شراب .. وكانت السماء في حالة غضب وتفرض على الأرض عقاب من نوع صهيوني جديد.. كانت تريد حرمانها من المطر وحرقها بما توصلت له عقول البشر من صناعات حربية.. وكنت بعدما لم يتم تعليبي قررت الوقوف أمام المرآة، وقفت وأخذت أسال نفسي عن البقية وعن مفاجآت الساعات القادمة .. كنت اسأل نفسي ولم تجبني نفسي على أسئلتي.. قررت بعد جدل طويل معها وأمام مرآتي أن استحضر نكتة عن جارتي وان اشرح في النكتة سر مماتها وحياتي .. لم أفلح في استحضار النكتة ولا في استحضار ذكرياتي، كل ما فعلته أنني عدت لسماع صراخ حماتي، كانت تولول، تصرخ من هول ما يدور حولنا... فالصواريخ والقنابل الهاطلة علينا كالمطر في شباط جعلتني أنا أيضاً أهتز وارتجف، ظننت أنني مصاب بنزلة صدرية .. التزمت زاوية في غرفتي الصغيرة ، يقولون أنها حقيرة، يقولوا شو ما يقولوا أحببتها هي فقط، ومش مهم شو بيقولوا، المهم ان فيها مرآة وفرشة وحصيرة ومكتبة صغيرة... قبل لحظات فقدنا الكهرباء، وكنا أول أمس فقدنا الماء، مع العلم أننا منذ أسابيع نعاني من نقص في المواد الغذائية وفي الطبابة و الدواء، ولا أحد يسأل عنا لا في الشرق ولا في الغرب، لا عند العرب والعجم ولا عند الروم ولا بي بلاد الهند والسند، وحدنا هنا وخلف ظهرنا وضع الروم رومهم، جاءوا بكل جبروتهم.. ووجهنا للبحر الميت ... وكل هذا وصاحبي الدكتور أبو حسك بقي يردد بسيطة .. طيب بسيطة ..لكن ، بعدين إلى أين نسير يا دكتور؟ لم يعد في غرفتي كهرباء لأن قذيفة مسمارية ونيف من القنابل الإسرائيلية أودوا بمحول كهرباء حارتنا،جعلوه في خبر كان.. بعد ذلك سبحت المنطقة في ظلام دامس .. انتابتني مشاعر مختلفة، ورغبات منوعة، قررت أن أبحث في الظلام عن زجاجة كان أهداني إياها صديقي الدكتور "بسيطة" الذي درس في بولندا..كانت زجاجة جميلة عليها صورة للموسيقار العالمي شوبان، وشوبان هذا يا خال نصفه فرنسي ونصفه الآخر بولندي، بعد موته تقاسمته بولندا مع فرنسا، قلبه لازال موجودا في بولندا... كانت زجاجة انيقة، و "شلبية" مثلما يقول أهل الجليل في فلسطين، زينتها كلمات مطرزة بخطوط ذهبية.. واضح أنها خضعت لعناية ورعاية ذات ذوق رفيع، قد تكون اعتنت بها جيدا أنامل شابات بولنديات جميلات.. مازلت أذكر الأنامل البولندية، إذ أنني في إحدى الليالي الطويلة والقليلة التي نمت فيها هادئ البال،مستسلما لقدري ومنامي، حلمت من كثرة ما حدثني صديقي عن بولندا وناسها بأنني تزوجت من حورية من حواري تلك البلاد.. وكان لي ما أردت وكان لها ما أرادت وكنا معاً نطير على جناح السكر صاحيين .. أيقظتني من حلمي، ثم قطعت حبل أفكاري طرقات قوية هزت بابي..رميت لحافي جانبا وتوجهت لفتح الباب. وجدت مقابلي الدكتور بسيطة..قلت أهلا بك، جئت في ميعادك ..أشرت إلى الزجاجة وسألته فوراً ما هذه يا شاطر ؟.. صاحبي "أبو حسك" الدكتور في الصحافة، خريج جامعة كراكوف خبير بتلك الأنواع من الزجاجات الأوروبية .. قال بعد طرح السلام إنها زجاجة فودكا ذات مكانة رفيعة،في بلاد بولندا التي تشتهر بالفودكا والنساء الجميلات وبمدينة كراكوف التاريخية وبشوبان وموسيقاه الرائعة... قلت جيد أما الفودكا فهي حرام ولا يجوز شربها ، وأما النساء فهن حلال ولكن بعد أن تتم الإجراءات اللازمة يصبحن كذلك، ما عدا ذلك حرام وألف حرام .. وأنا صديقك الشقي لم يعد لي مطامع بالمدام ولا بالحريم فكلاهما حرام.. وأنا الآن رجل ضعيف محاصر معزول يعيش على إيقاع مروحيات الاباتشي الأمريكية المحملة بأشباح الموت الإسرائيلية.. بدلا من سيمفونيات بتهوفن وموسيقى صاحبك شوبان و صاحبنا موتسارت ... كما أن بيتي من زجاج وان أردت من بسكويت كيفما لمسته يقع على من فيه.. ألا يكفيني غضب السماء والشتاء وهمجية الأعداء .. فودكا بولندا يا د. بسيطة قد تُنزل علينا غضب السماء وما فوق السماء وقد لا تكون الدواء أو الشفاء.. دعنا منها وفكر معي بما سنفعله للصغار ... ثم قل لي كيف وصلت إلى هنا والدبابات تسرح وتمرح في الحارة ولا أضواء ولا إنارة .. ضحك الدكتور وسخر مني ثم وجه كلامه لي قائلا : يا صاحبي السكران هل جرعت من تلك الزجاجة أم ماذا؟ لا يوجد دبابات ولا ما يحزنون في الحارة .. الجو اليوم عال العال وتمام التمام، صحو وشمس وهدوء وسلام وأمان.. واضح انك لازلت تحت تأثير المدام أو المنام.. |
|