لا أعرفه، لم أره قط ، لم أشاهد صورته,لم
أسمع صوته, ولم اقرأ اسمه في جريدة أو صحيفة أو مجلة أو كتاب أو حتى في سجلات
الأحياء أو الشهداء
هو لاجئ من فلسطين, من مخيمات الشتات والتشرد وينابيع الثورة المستمرة, من
برتقال يافا وعنب الخليل وموز أريحا وبلح غزة وزيتون وتين الجليل..هو فدائي
مجهول عاش مجهولا ومات مجهولا..
تربى في المخيم على حب الموت في سبيل فلسطين كما حب الحياة في سبيل تحرير
فلسطين ورؤيتها ومشاهدتها ولمس ترابها وتيمم برمل ساحلها من الزيب إلى رفح..
عاش المعاناة قبل أن تلده أمه في بيوت التنك
والطين وخيام العراء والمشردين, رضع حب فلسطين والحنين لتربة حطين مع حليب أمه,
شرب من ماء الحياة الصعبة في كافة مراحل حياته الصعبة.
ولد شبلا من دهر أسد,نشأ وعاش رجلا في زمن كثر فيه أشباه الرجال وتواجدوا في كل
زقاق وعلى كل مفرق يحرسون الحكومات والعروش ويتجسسون على المخيمات والنار
العقائدية المشتعلة في قلوب وعقول أبناء التشرد والشتات واللجوء والحرمان على
حدود الوطن, وبجوار الأرض لكن بعيدا عن القرية والبيت والحقل والدار والبيادر
والمزرعة و أعراس الجليل وليالي الحب والأغاني والمواويل والميجنا والعتابا
وجفرا وظريف الطول واليادي اليادي وكل ما يذكره ببلاده وبلادي, بلادنا التي
سرقت واغتصبت ولازالت تذبح بسكاكين الظالمين وبقوة العنف والإرهاب والأباتشي
وطيور أمريكا المعدنية ودبابات إسرائيل الظلامية.
لا اعرف إن كانت له زوجة أو له أطفال أو لازالت عائلته على قيد الحياة أم أنها
قتلت أو أبيدت في مذبحة أو مجزرة من المذابح الأخوية والأخرى العدائية, كل ما
اعرفه انه كان لاجئا فلسطينيا, مثله مثل إخوانه الفلسطينيين,كان يغار على
فلسطين من الهواء الحر والنسيم الآتي من حيث لا يدري, كان لا ينام من شدة الهم
والغم وثقل الواقعة والكارثة التي حلت بفلسطين وشعبها.
كان يحلم بمساعدة الانتفاضة وبإيصال الدعم والإسناد والعدة والعتاد وكل ما
يساعد شعبه المنتفض وانتفاضته المقاومة والمستبسلة على الصمود والاستمرار
والديمومة. كان يريد أن يعطي لفلسطين ما تبقى لديه وعنده من أحلام العصافير
الدافئة ومن معاني القيم والالتزام والوفاء في زمن الكماشات التي تكمش بنا
وبأعناقنا بكل قوة, وفي زمن القاطعات والمقصات التي اتخذت من جسدنا مختبرا
لصناعتها الجديدة.
كان يريد لفلسطين أن تعلو في تألقها لتصل ببهائها إلى سماء الله العالية, لتكون
أيضا عالية و أعلى من عروش الجيوش المهزومة أو الصامتة والأخرى العاجزة.
لم يكن يريد من الجوار العربي سوى المساعدة وتقديم يد العون الحقيقية لشعب يذبح
باسم الوحدة العربية وباسم الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية.
بعدما رأى العجز العربي بأم عينيه, وبعدما ضاقت به الحياة وأصبحت الدنيا سوداء
قاتمة وحمراء مشتعلة وظالمة مثلما ذوو القربى, قرر أن يعمل على مسئوليته وبعيدا
عن المحسوبيات والتنظيمات والدعايات, فركب سيارته ومن ثم بغلته, عبر المناطق
التي عرفها وعرفته أيام المقاومة والتلاحم المصيري المشترك, تذكر الشهداء الذين
سقطوا على مقربة من البلاد التي احب ولازال يحب, تذكر أيضا أسرى الدوريات من
الفلسطينيين والعرب وكافة الأمم التي أفرزت مناضلين قاتلوا لأجل حرية فلسطين
وعودة أهل فلسطين إلى فلسطين. وتذكر تضحيات أهل هذه الأرض الطيبة, التي لازالت
تحوي رفات وقبور المئات من الشهداء. وتمسكهم البطولي براية الجهاد والمقاومة.
وتذكر أهله وما رواه الكبار عن سفر اللجوء من فلسطين إلى الجوار العربي, ومع
ذاكرة الزمن البطيئة والأيام التي مرت بلا طعم سوى طعم الهزيمة تلو الهزيمة حتى
انتصار المقاومة على الاحتلال في جنوب لبنان ومن ثم اندلاع الانتفاضة الثانية
في فلسطين.
في هكذا جو وهكذا وضع حمل عفيف الهدايا كما بابا نويل أيام الأعياد, كانت هدايا
الغائبين والمشردين اللاجئين إلى الصابرين في الجليل والى المنتفضين في كل
فلسطين, هدايا من المخيمات التي تصر على التمسك بحق العودة إلى المجاهدين الذين
يجاهدون دفاعا عن سلامة فلسطين ونظافة البيت الفلسطيني ورفضا لمنطق الذل
والهزيمة والاستيطان والاحتلال. حمل الكاتيوشا كأغلى هدية بعدما هزم شارون
القمة العربية وهو في مكتبه يدير جيشه الذي أخذ ينكل ويذبح بالفلسطينيين في
الضفة الغربية.
لم يكن عفيف الحنفي من الذين يحللون الأمور بأعين الكاميرا الأمريكية ولا برؤى
القمم العربية ولا حتى بالنظرة السلطوية كما الحال في بلادنا العربية. كان يريد
مساعدة أهله بأي طريقة كانت, وفعل هذا على الرغم من كافة الحواجز والعوائق
والموانع والسدود والحدود ومعرفته بالعقاب في حال تم اكتشاف أمره.
استطاع الأمن في الدولة الشقيقة الإمساك به بعد حين, لكنه لم يستطع تقديم
الدليل المادي الذي يدينه بنقل الكاتيوشا. لم يعترف بالتهمة الموجهة أليه
واستطاع الصمود لمدة ثلاثة اشهر تحت التعذيب الشديد وفي دهاليز السجون الشقيقة,
ثم افرجوا عنه لعدم وجود إثباتات كافية,فخرج من السجن وفي عقله كما قلبه بقيت
فلسطين أقوى من عفن العرب ومن أقبية التعذيب ودهاليز السجون وأساليب المخابرات
السادية.
وفي الطريق من السجن إلى البيت في المخيم المحاصر أو المعاقب, توفي عفيف الحنفي
جراء نوبة قلبية شديدة وحادة ألمت به.
مات عفيف الحنفي ومعه ماتت حملات التضامن العربية مع الانتفاضة الفلسطينية,
وماتت الشعارات العريضة والكبيرة. ومع موته الذي لم يفعل ضجة ولم يثر أزمة, هذا
الموت الذي كان سببه الشهور الثلاثة التي أمضاها في الدهاليز والأقبية بحثا عن
الدعم المفقود والآخر الممنوع.
استشهد ابن المخيم الفلسطيني,اللاجئ الذي لازال ينتمي لكامل تراب الوطن
الفلسطيني وهو يدافع عن حق الانتفاضة في تلقي الدعم والإسناد من العروبة التي
فقدت حتى قدرتها على الدعم ولو بالكلام عبر المظاهرات والمسيرات والندوات. نم
هانئا يا عفيف القلب واللسان والعقل نم هانئا فجيل الانتفاضة لازال يعاندهم
ولازال يقاتلهم وسوف يبقى يقاومهم حتى زوال الاحتلال وعودة أهل البلاد إلى كامل
التراب الذي أحببت ولازلنا كلنا نحب .