|
إلى الرئيس
الراحل علي عزت بيغوفيتش
: 25 /10 /2003
يعتبر الراحل علي عزت بيغوفيتش أهم زعيم قومي لشعب البوسنة وخاصة لمسلمي
الجمهورية التي دفعت غاليا ثمن استقلالها عن يوغسلافيا السابقة ، وعن الهيمنة
الصربية على ما كان يعرف بدولة تيتو الاشتراكية.
عرف الزعيم بيغوفيتش كيف يقود سفينة التحرر البوسني، وكيف يحمي الأقلية المسلمة
في يوغسلافيا السابقة والبوسنة الحديثة من التذويب والإذابة في محيط طائفي كان
ينظر للبوسنيين بعين الشك والعداء.
قدم شعب البوسنة بقيادة الزعيم علي عزت بيغوفيتش ثمن مطلبه بالاستقلال عن صربيا
المهيمنة على الاتحاد اليوغسلافي الكثير من الضحايا والدماء والدمار والمذابح
والمجازر الجماعية من سربينيتسا وغيرها من المدن حتى العاصمة سراييفو نفسها،
وقد تقاسم كل من الصرب والكروات دور المجرم في كل المذابح والمجازر.
ولازالت ذكرى المجازر الرهيبة والمقابر الجماعية لمسلمي البوسنة حاضرة في
الأذهان، حتى أن العديد من تلك المقابر لازال يكتشف بين الفينة والأخرى في
الأراضي البوسنية، ويتم وضعه كأرشيف ودلائل ضد مجرمي الحرب البلقانية.
ولد علي عزت بيغوفيتش الذي يلقبه شعبه " بطل الحصار " و " أبو الاستقلال " و
الذي يسميه البعض " جد المسلمين " في البوسنة الحديثة ، عام 1925 في
بوساناكروبا شمال غرب البوسنة، ونشأ في مناخ يقال أنه كان معاديا للمسلمين وكان
ينظر إليهم على أنهم دخلاء على أوروبا ودينها.
تلقى الزعيم البوسني تعليمه في مدرسة ثانوية ألمانية، وأسس حينها ناديا مدرسيا
للحوارات الدينية سماه " جمعية الشبان المسلمين" وكان عمره وقتها 16 عاما.
وعندما احتلت يوغسلافيا من قبل القوات الألمانية النازية الغازية سنة 1941
ووقعت تحت حكم الاحتلال حيث تمت الإطاحة بالحكم الملكي، وقد وقفت جمعية الشبان
المسلمين بقيادة الشاب بيغوفيتش ضد الأفكار النازية، ونتيجة لذلك رفض ترخيص
الجمعية التي كان يقودها.
مع انتهاء الحرب العالمية وتحرير أوروبا من الاحتلال الألماني نشأ الاتحاد
اليوغسلافي في نوفمبر 1945 من 6 جمهوريات مستقلة ،كانت البوسنة واحدة منها، في
تلك الفترة كان الزعيم الشاب بدأ دراسة المحاماة بكلية القانون بجامعة سراييفو
وكان معارضا للشيوعية بسبب خلفتيه الدينية الإسلامية التي ترفض الإلحاد،وقد
تعرض بسبب تلك الأفكار أثناء الدراسة للسجن والاعتقال.
لقد كان لعلي عزت بيغوفيتش تأثيره على آلاف المسلمين من خلال المقالات التي كان
يكتبها وينشرها باسم مستعار في مجلة " تاكفين " حيث كان يقرؤها آلاف المسلمين.
وفي أعقاب رحيل الزعيم اليوغسلافي الشهير جوزيف تيتو صاحب القبضة الحديدية ،
تراجعت حدة القوة الشيوعية ، وبدأت تظهر على السطح في يوغوسلافيا بوادر
انشقاقات وانقسامات ، لكنها ظلت كالجمر تحت الرماد حتى انهيار الاتحاد السوفيتي
والمعسكر الاشتراكي وبزوغ فجر التغيير في أوروبا الشرقية.
قبل فترة سقوط المعسكر الاشتراكي وبعيد وفاة تيتو ظهر كتاب " البيان الإسلامي "
لبيغوفيتش مما عرضه للمحاكمة والسجن سنة 1983 بتهمة السعي لإقامة جمهورية
أصولية إسلامية في أوروبا، وحكم عليه في محكمة صورية بالسجن 14 عاما، ثم أطلق
سراحه سنة 1988.
وفي فترة سجنه ظهر كتابه الشهير " الإسلام بين الشرق والغرب " وتمت طباعته خارج
يوغسلافيا سنة 1984، ويعتبر هذا الكتاب مرجعا علميا يستطيع القارئ عبره فهم
الموقع الذي شغله ويشغله الإسلام بين الشرق والغرب، وقد أظهر المؤلف مدى
اعتداله ورجاحة عقله وسلاسة أسلوبه الذي يقوم عبره بطرح الأمور والمواضيع.
عندما خرج الزعيم بيغوفيتش من السجن كانت يوغسلافيا قد بدأت تتفسخ كما حال كافة
دول المنظومة الاشتراكية، وقد وافقت حينها يوغسلافيا على قرار نظام تعدد
الأحزاب، فقام بيغوفيتش بتأسيس حزب العمل الديمقراطي ، بعد تأسيس الحزب ببضعة
شهور أعلنت كل من كرواتيا وسلوفينيا استقلالهما، وأصبحت يوغسلافيا في حالة حرب
أهلية داخلية، وهاجم الجيش اليوغسلافي بقيادة الصرب الجمهوريتان ، وانتهت الحرب
بتدخل الأوربيون لوقف نزيف الدماء.
رأى الزعيم أن الوقت مناسب لتجهيز البوسنة لاستفتاء شعبي يحسم مسألة الاستقلال
عن يوغسلافيا بالرغم من تهديدات الصرب الأقوى عددا وعدة.
لكن بيغوفيتش المؤمن بعدالة قضيته وحرية شعبه ووطنه واصل المشوار غير عابئ
بالتهديد والوعيد الصربي، وفي مارس 1992 بدأ الاستفتاء على استقلال البوسنة،
ونزل الزعيم بنفسه للإدلاء بصوته كاسرا حاجز الخوف عند المسلمين ، مما جعلهم
يتدفقون على صناديق الاقتراع ليصوتوا بنعم للاستقلال بنسبة 62.8% .
كانت نتيجة الاستفتاء تعني للبوسنيين الاستقلال ولكنها بنفس الوقت جلبت لهم
الحرب والدمار وأظهرت الوحشية الصربية والعقلية الإجرامية، والعنصرية الطائفية
التي كانت تملأ قلوب الصرب والكروات، وقد صمتت الدول الأوروبية على حرب الابادة
التي تعرض لها الشعب البوسني ، و تم في نهاية الحرب فرض اتفاق دايتون الظالم
على البوسنيين سنة 1995 ، وقد أعطى الاتفاق المسلمين والكروات 51% من مساحة
البوسنة، والبقية كانت من نصيب الصرب، فهل كانت تلك القسمة مكافئة للصرب
والكروات على جرائمهم ومذابحهم بحق المسلمين من أهل البوسنة؟ وكان الزعيم قد
عقب يومها على اتفاق دايتون بالقول : " هذا ليس أفضل ما نحصل عليه،ولكن : شيء
أحسن من لا شيء".
لقد كان علي عزت بيغوفيتش رمزا للقائد الوطني الملتزم قضايا شعبه ، فلازم
سراييفو وقت حصارها ورفض المغادرة وصمد مع شعبه وقاسمه مصيره المحزن والمفجع
حتى النهاية، ويوم جاء المتطوعون العرب والأسلاميين لمساعدة شعب البوسنة وافق
على طلبهم رغم أنهم يمثلون الخط الجهادي الإسلامي المتشدد ، بينما كان هو
معتدلا جدا و يمثل خطا آخرا لا يلتقي مع نهج التشدد الذي أقيمت على أساسه
الجماعات الإسلامية الجهادية، ويوم طلب الأمريكان منه طردهم رفض ذلك، لأنه رجل
شهم وقائد يحترم عقله ولا يخون الأصدقاء والعهد والأمانة .
بعد توقيع اتفاقيات دايتون استقال من الرئاستين ، رئاسة الدولة والحزب، مبررا
ذلك بحالته الصحية، قبل ذلك كان الزعيم البوسني قد حصل على شخصية العام 2001
للعالم الإسلامي تقديرا لدوره في الدفاع عن الإسلام.
لقد كان بطل الحصار وأبو الاستقلال وجد المسلمين في البوسنة وزعيمهم علي عزت
بيغوفيتش ، رجلا كبيرا وزعيما جليلا في هذا الزمان، ظل وفيا لوطنه وقناعاته
وأخلاقه النبيلة منذ ولادته وحتى وفاته عن عمر ناهز ال78 عاما ، كانت أعواما
حافلة بالعطاء والبذل والاجتهاد. و قد قرأت مرة مقالة له قال فيها عن نفسه ،
وكان يصف نفسه بعد وفاة والدته ويقول :
عندما انتقلت أمي الى رحمة الله كنت لا اكف عن قراءة سورة الفجر وأقف دائما عند
الآية البديعة «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في
عبادي وادخلي جنتي» .. وها هو الزعيم علي عزت بيغوفيتش يرحل الى جوار والدته
ويعود الى ربه راضيا مرضيا.
http://www.nashiri.net/news.php?action=view&id=446&s=ab58d0d664678e5c5df6647180ab4edb
|