بقلم نضال حمد
 

13-03-2005


تيسير علوني مثال حي على اللا عدالة
 

قد لا نحتاج لأن نعمر ما عمر سيدنا نوح حتى نرى التحولات السيئة في العالم الغربي،فقد مرت علينا السنوات الخمس الأخيرة مرور الطوفان، فأغرقت الديمقراطية وابتلعت حقوق الإنسان، وغطت مساحة الحرية والمساواة التي كانت توجد قبل صباح الثلاثاء في 11-09-2001.ان ما جري في العالم منذ عاصفة الثلاثاء العصيبة التي دمرت برجي التجارة العالميين في نيويورك، وأودت بحياة آلاف من المدنيين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا يتواجدون في البرجين إما يسافرون على متن الطائرات المختطفة.لقد جعل ذاك التاريخ من حياة ملايين المهاجرين العرب والمسلمين في بلاد العم سام أشبه بالحياة في معسكرات اعتقال كبيرة وبحرية اسمية تشوبها الفوضى..ولم يقتصر الأمر على أمريكا حيث ان تلك العدوى انتقلت بشكل اقل وبتأثيرات أضعف، إلى بعض الدول الأوروبية وبخاصة حلفاء واشنطن في الحرب على الإرهاب أو فيما يسميه بعضهم صراع الحضارات.

لا بد من التأكيد أنه بعد تلك العملية تغير مجرى الحياة على كوكب الأرض،وأصبحت يد أمريكا الطويلة تتطاول على الجميع، وصارت الألسن الأمريكية تتحدث بصيغة الجمع وتوجه وتوزع الاتهامات لديانة كاملة ولأمة بكل ما فيها من تنوعات فكرية وحضارية وثقافية وعرقية.ولم يقتصر توزيع الاتهامات على الناس العاديين بل تخطاه ليصل لأكبر الرؤوس الحاكمة في الغرب، مثل بوش وبيرلسكوني وازنار وغيرهم...ولأن أمريكا كانت مجروحة بشكل كبير وخطير، كان من السهل على قادتها إطلاق العنان لحملة العداء على الحقوق الفردية والشخصية وحقوق الإنسان في بلد كان يسمى بلد الحريات. حيث أخذت الدوائر الأمنية في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم بشكل أقل في أوروبا وبتفاوت بين دول القارة، تستصدر قوانين جديدة وتستحدث أخرى قديمة،كانت في معظمها تركز على مكافحة الإرهاب. وبما أن تاريخ 11 أيلول جعل من كل مسلم متهم بتلك التهمة حتى تثبت برائته، فأن المتضرر الرئيس من القرارات والقوانين السالفة،هم على الأغلب من المهاجرين العرب والمشرقيين ورعايا الدول الإسلامية.

وبما أن تيسير علوني عربي ومسلم وصحفي يعمل لدى إحدى اكبر محطات التلفزة في العالمين العربي والغربي،وبما أنه ملتزم دينياًوإسلامياً ويعيش في أسبانيا على مقربة من قبور أجداده الأندلسيين ، أسلافنا من العرب والمسلمين في قرطبة و غرناطة واشبلية، كان لا بد له أن يتمسك بالحنين الذي يشده للجذر الحضاري والثقافي الضارب عميقا في تربة الأندلس غير بعيد عن مغرب عقبة بن نافع. هناك تزوج وسكن وعاش الصحفي الناشط والجريء تيسير علوني، وهناك أنجب أطفاله وعاش حياته، لكنه ما لبث أن ترك وكالة الأنباء الأسبانية حيث كان يعمل في قسم الترجمة،ليلتحق بركب فضائية الجزيرة.. سافر تيسير علوني إلى أفغانستان للعمل هناك لحساب محطة الجزيرة الفضائية القطرية، حيث كان له فيما بعد الفضل في تعريف العالم بما يجري من مآسي في أكثر بلدان المعمورة فقراً..من هناك أرسل التغطيات الحية للحرب في أفغانستان،حيثكان الصحفي الوحيد الذي لم يكن تابعا للإعلام الموجه أمريكياً، فقدم تغطية غير أمريكية، لا علاقة لها بالإعلام الموجه حربياً وحسب مصلحة التحالف الذي تقوده أمريكا. وقد عرفناه كلنا وعرفه العالم معنا من خلال تلك الطلة التي اعتدنا عليها عبر الجزيرة خلال أيام الحرب الأمريكية الدولية في أفغانستان طالبان، ثم عرفناه من خلال اشتراكه في تغطية حرب احتلال العراق، وقد شاهدناه وهو يحمل رفيقه الشهيد طارق أيوب بعدما اصابته طائرات امريكا بشكل متعمد.

إن اكبر الصحافيين في العالم كانوا يحسدونه على تمكنه من التغطية الإخبارية من داخل جحيم أفغانستان، ولولا وجوده هناك لما تعرف الرأي العام العالمي على ما ارتكب الحلفاء من بشاعات بحق المدنيين الأفغان وعائلات الأفغان العرب وجماعة طالبان و القاعدة من المحاصرين والأسرى. وقد تكون تلك التغطية سببا في تبييت النية لاعتقاله، خاصة انه الصحفي الأجنبي الوحيد الذي منحته حركة طالبان ومعها تنظيم القاعدة حق تغطية الأخبار من إمارة أفغانستان الطالبانية القاعدية.وقد يمر وقت طويل قبل ان يعرف تيسير علوني نفسه قبلنا وقبل العالم أجمع عن سبب اعتقاله الحقيقي، فالاعتقالات هذه الأيام أصبحت عادة يومية أمريكية في نفس الولايات المتحدة وبريطانيا كذلك، وقد تصبح عادة أوروبية عامة أيضاً، كما هي أمريكية وإسرائيلية في العراق وفلسطين وحيثما وجد المارينز وأعوانهم...

لقد كانت حكومة أزنار الاسبانية حكومة حليفة للأمريكان، وقد عمل رئيسها معهم على طريقة رؤساء وزراء بريطانيا،حيث أنه مثلهم رهن كل شيء بمشيئة رؤساء الإدارة الأمريكية، كما أنه قبل أيضاً مثلهم بدور الخادم المطيع الذي يقدم كل شيء لسيده.لكن إذا كان ذاك الخادم هو الذي أمر باعتقال علوني بغية جرجرته إلى السجون والمحاكم للانتقام منه على دوره الكبير في فضح البشاعات الأمريكية والغربية في أفغانستان أثناء الحرب، فما الذي يجبر حكومة اليسار الحالية "السيدة" على مواصلة اعتقاله بالرغم من حملة التضامن العالمية الكبرى معه. هذا الشيء لا يمكن فهمه، خاصة بعد سقوط حكومة اثنار اليمينة.فهل موقف الحكومة اليسارية الجديدة التي تواصل احتجاز واعتقال تيسير علوني يعتبر موقفاً سليماً وفيه خدمة للأمن القومي الأسباني وللعلاقات العربية الأسبانية،وللحريات الشخصية والصحافية؟؟؟...

إن مهنة الكتابة بالقلم والتصوير بالكاميرا وإرسال التقارير الإخبارية بالصوت العالي والحر أصبحت مهن خطرة، وأصبح الذين يعملون فيهاايضاً في خطر شديد.إذ لم يعد باستطاعة أصحاب الأصوات الحرة والعالية،وزملائهم أصحاب العيون الساهرة خلف عدسات الكاميرات العلنية،لا السريةالعمل بدون مصاعب، وبلا متاعب أضافية، فالعراقيل الجديدة والإضافية التي توضع في وجه الصحافةوالإعلام فرضت نفسها في العالمين،بعدما فرضتها على المظلومين والمضطهدين، تلك السياسة الأمنية المتبعة في العالم بحجة مكافحة الإرهاب. وبدلا من محاسبة الذين يقتلون الإعلاميين والصحافيين في العراق وفلسطين بلا سبب ، تقوم الأجهزة الأمنية بحجة مكافحة الإرهاب باعتقال صحافيين آخرين مثل علوني أيضاً بلا سبب.

وتزداد الأمور تعقيدا والمشاكل خطورة في حال كان المتهم من المهاجرين العرب أو من المسلمين.لقد أصبح استجواب الناس وسؤالهم عن كل شيء شيئاعاديا في كافة الدول الأوروبية،من التي أكثرها حضارة وديمقراطية حتى الأخرى التي تعتبر من أكثرها تخلفاً ولا ديمقراطية.تلك السياسة المتبعة مع المسلمين والمهاجرين العرب في الغرب أصبحت مصدر إزعاج لكل من يقيم في العالم الغربي.وليس اعتقال تيسير علوني سوى خطوة كبيرة في الطريق المظلم والدامس الذي سيؤدي إلى اسقاط التعايش الذي بنته الأمم والشعوب خلال مئات السنين.

رابط المقال في مجلة فلسطين الالكترونية

تيسير علوني مثال حي على اللا عدالة

*

back  /  عودة