المذاق في الظلمة
بقلم نضال حمد
الاحد 1 آب 2004

في ضاحية باريسية معروفة وتحديدا على شارع كينكانبوا قرب مركز يويو وحي هال تم افتتاح مطعم دان لو نوار ( في الظلمة)، ويتخصص المطعم الجديد والفريد من نوعه في تقديم وجبات للمبصرين من قبل خدم من غير المبصرين. أي مبصر يجلس وأعمى يخدمه، ومبصر يأكل في الظلام دون ان يرى طعامه وضرير يرى في الظلام أن الظلمة ليست حكرا عليه فقط لا غير.

تجربة المطعم الناجحة والتي استطاعت جذب الزبائن تعتبر من التجارب النوعية و الفريدة، لأنها تحاول التقريب بين المبصرين وغير المبصرين، وهي بالأساس تجربة إنسانية تبحث عن الحس الإنساني لدى الناس الذين لا يعانون من مشاكل وإعاقات ومعوقات يومية حسية بالذات. ويقال أن السؤال الأكثر ترددا بين رواد المطعم من المبصرين هو التالي: هل عيناك مغلقتان أم مفتوحتان ؟ وكما يعلم القراء انه في العتمة وفي الظلمة لا فرق بين فتح العين أو إغلاقها لأنها لن تساعد صاحبها، لكن للأذن مكانة هامة في هكذا أمكنة.

في باريس يبحثون عن التقريب بين الضرير والمبصر أما في بلادنا فلا احد يبحث عن البصر والبصيرة والمبصرين، فهل الذي يرمي بكل هؤلاء خلف ظهره سوف يهتم بمطعم يجمع بين الضرير والمبصر، أو أي شيء يبحث لهم عن حياة أفضل ويقربهم من المبصرين ويقرب المبصرين منهم؟ في بلادنا العربية عالم ظلمات لا يصح حتى للذين يرون في الظلمة...

في بلادنا العربية العتيدة يبقى الضرير يتخبط على الطرقات ولا يعرف أين سيقع وفي أي مطب أو حفرة على الشوارع وطرقات المدن القديمة والجديدة. أما في الأحياء الفقيرة والمخيمات المعدمة والمهملة فحدث ولا حرج، حيث تكاد تكون حياة هؤلاء من أصعب أنواع الحياة.

تعود بي الذاكرة لسنوات إلى الوراء حيث اذكر انه كان في مخيمنا ضرير يلفه ويدوره بالرغم من الفخاخ الطبيعية أي الحفر والمجاري والقاذورات ومواسير المياه وأسلاك الكهرباء التي تملئ طرقاته الضيقة، عداك عن امكانية ان تمطر السماء بالاضافة لمياه الغسيل والشطف بعض القمامة والقاذورات.. كان هذا الرجل الكفيف انشط من معظم المبصرين في مخيمنا، يقطعه جيئة وذهابا عدة مرات، مستعينا بعصاه البيضاء التي يمسكها بيده لتدق الأرض أمامه كأنها جهاز البحث عن المعادن أو الكشف عن المتفجرات والألغام.

في حالات أخرى كنا نراه يسير برفقة شقراوات أجنبيات من أوروبا وأمريكا، كان مترجما جيدا وصاحب لسان سليط وأدب وثقافة ولغات منها الإنكليزية ، كان واعيا بأمور الدنيا والدين والسياسة وتجارب الأمم الأخرى، كما بالثورات في عصر القرود، وبمأساة العبيد السود والهنود الحمر والسكان الأصليين في استراليا والمحيط، وكان يعرف الكثير عن أبي العلاء المعري شاعر الحيرة الكبير، حتى ظن البعض في مخيمنا انه من أقارب أو انسباء الشاعر. كنا نحسده على الحظوة من الشقراوات اللواتي كن يأخذن بيده لمساعدته على السير في شوارع المخيم التي تغص بالحفر، وكنا نود لو كنا مكانه نتحسس الجلد الأوروبي القادم من وراء البحار كي يساعدنا في مخيماتنا على العيش في ظروف أفضل، فمعرفتنا بالجلود تنحصر بحدود الثروة الطبيعية، بجلود الخرفان والحمير والثيران والبقر وما عندنا من بشر.

كان اسعد الضرير الذي يبصر الدنيا على طريقته ويفكر بها بطريقته يعرف عن بعض سكان المخيم أكثر مما يعرفون عن أنفسهم، حيث انه عمل مترجما للأطباء الذين كانوا يعملون في عيادات المخيم التابعة لإحدى الفصائل الفلسطينية اليسارية، يعني انه كان متعاطفا مع اليسار مع انه كان يمسك عصاه البيضاء بيمينه، في زمن كانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية تمسك العصا من الوسط.

كنت اعرفه من خلال صداقته لعمي، أذكره يوم زارني وأنا على سرير الجراح في الجامعة الأمريكية في بيروت الغربية، كنت يومها عاني من إصابة قاتلة وكان بدوره في الجامعة الأمريكية يدرس آداب بلاد تاتشر وبلير وبلفور وشكسبير، كان وجوده في ساعات معينة بقربي يبعث في الحياة من جديد، فقد كان مسليا ومحدثا لبقا وصاحب معرفة.

في إحدى المرات قرأت على مسامعه خاطرة كنت كتبتها في المستشفى البيروتي بعد الإصابة وأثناء العلاج، بعدما انتهيت من قراءتها لم اسمع منه أي تعليق، استغربت أمره ، سألته ماذا تقول عن خاطرتي؟ أجابني بلهجة جادة وحادة، امسح بها قفاك ... فاجأني برده الجاف والمخيب للآمال، لكنه سرعان ما أضاف : عليك القيام بذلك عدة مرات ثم تصبح كاتبا أو شاعرا أو أديبا محترما.. ونفس هذا الكلام كنت سمعته من شاعر رصيفي صعلوك، مغامر ، استشهد في حصار بيروت، كان يومها الشاعر علي فوذة يستمع لقراءتي، وبعد انتهائي قال نفس الكلام الذي قاله الضرير صاحب اللسان السليط. من نصائحهما استفدت وتعلمت وأصبحت أفضل مما كنت، أصبحت أرى في العتمة وأبصر في الظلمة كما كان ولازال اسعد الضرير، وكما قد يكون الآن حال الشهيد الشاعر علي فوذة في قبره البيروتي المهمل كقبور بقية شهداء المصير المشترك. وها انا أتناول طعامي كيفما اتفق واكتب مقالي بروح النكتة وبقوة الحق والحقيقة، بروحي التي لازالت روحي، وبقلم يعبر عن طموح وانتماء لعوالم الفقر المسلح بالحق والخبز الحافي الذي لبس جوعنا رداءاً.

بين سنوات المخيم وأيام اسعد الضرير الذي أصبح مثلي بعيدا آلاف الأميال عن الشوارع التي تغص بالحفر، وهذا الابتكار الباريسي للضريرين اوليفا فورتنر الحائزة على إجازة في القانون، وتوني بوابليه المتخصص في المعلوماتية، اللذان افتتحا مطعم المذاق في الظلمة لتحسيس الذين لا يحسون بالمعاناة اليومية للذين لا يبصرون. ولبناء جسر التواصل بين المبصرين وفاقدي البصر، عبر وجبات ساخنة وغير ساخنة من إعداد وتقديم فريق طهي وخدم مؤلف من المكفوفين فقط لا غير، فمنذ الدخول الى المطعم المذكور يغرق الزبون في العتمة ويطلب منه نزع ساعته وحقيبته وهاتف المحمول، حيث يسود الظلام تماما، وسرعان ما يأتي احد الخدم من المكفوفين يأخذ بيد الزبون ويقوده إلى مكان جلوسه.

في المطعم المظلم تتبدل الأدوار فعلا فالضرير هو الذي يقود المبصر بعكس الحياة خارج الظلام وفي النور حيث المبصر يقود الضرير. وفي الختام تبقى الإرادة الإنسانية أقوى من تعقيدات الحياة و حب التطور وتحدي الصعاب والواقع امتن من لعنات الزمن و عواقب القضاء والقدر.

 

http://www.diwanalarab.com/article.php3?id_article=1292

Copyright©2004Nidal Hamad

رجوع للصفحة الرئيسية