أخترق الحصار ، أدخل الحب
من خزان الذاكرة حصار بيروت 1982 
بقلم : نضال حمد

سأخرج من الموت لأدخل الحياة من بوابة قلبك، عبر بريق عينيك.. لن أتوقف للحظة واحدة، سوف أتابع مسيري نحوك ومسيرتي نحوها. هي الأرض التي نحب.. هي الأرض التي عشقناها قبل أن نراها، هي فلسطين وأنت بابها..  لن اسمح لنبض قلبي النابض لقلبك بالتوقف بفعل شظية أو رصاصة، سأمتطي الريح حصانا كي أسافر إلى المخيم، سأركب ظهر بقرة بحر سمينة، علها توصلني إلى شاطئ المدينة، سأطير على جناح نورس ليحط بي في عيننا الحلوة..

 سألني النورس ونحن فوق الأرض وتحت السماء،عن سر تسمية المخيم بعين الحلوة؟


قلت له : يقال ان نبع ماء أو عين مياه عذبة كانت في المكان.. وأنني يا مؤنسي في سفرتي أذكر منذ صغري وطفولتي ذلك المكان،ولطالما شربت من النبع العذب.. كنا منذ طفولتنا نلهو عند النبع الذي سميناه النبعة، والنبعة تلك هي عين ماء حلوة،حيث كانت تجلس بقربها يوميا فتاة حلوة، باهرة الجمال ، يقول الكبار انه بعد موت الفتاة صارت مياه العين أقل حلاوة، لكن العين بقيت ولم تمت مع الفتاة، بقيت عينا حلوة، ونبعا حلوا وسمي المخيم نسبة لها مخيم عين الحلوة ...

إن هدأت حركة البوارج الحربية في بحرنا الأبيض المتوسط ، الذي صار اسود متخبط بعدما كان بحرنا الأزرق الهادئ.. بعد ذلك سأبحر على متن زورق صغير بلا مجاديف سوى يداي ، سأتركه يمضي بي مع الأمواج جنوبا، جنوبا، حتى يصل لميناء المدينة .. قرب قلعتها الأثرية حيث كنا نلتقي.. وحيث كنا نستريح مع عراقة التاريخ العربي القديم.. هناك كوني بانتظاري.. غير بعيد عن المخيم وقريبا من المدينة.. عند صخرة الفارس العربي الذي كان يحرس البحر من كلابه والمدينة من الغزاة الأجانب.

ترى ستأخذ الطائرات والبوارج فرصة أو قليلا من الراحة عندما اشد رحالي إليك؟ وكم من الوقت يحتاج العاشق حتى يصل إلى حبه.. الدرب قصير حين نقيسه بالأميال ، والمسافة قريبة لكن الخطر شديد.. والمسافة كما الدرب تصبح بعيدة جدا حين تقاس بمقاييس اليوم السابع لسلامة رب الجليل..

الأمواج هادئة لكن البحر مزروع بالحيوانات المعدنية القاتلة.. هي مجازفة، مغامرة سأخوضها حتى النهاية.. ليست المرة الأولى التي أخوض فيها مغامرات قاتلة كهذه.. بطبيعتي ومنذ صغري ونشأتي في أزقة مخيمنا اعتدت على خوض المغامرات، شققت طريقي بساعدي، كنت أقوم بما انوي فعله بالرغم من غضب الوالد.. ألم تصل قدماي إلى عقر دارهم.. هناك حيث ترك صديقي ساقه اليمنى قبل أن يستشهد رفيقنا السوري وقبل ان يترك أخانا العراقي ساقه اليسرى. في تلك البلاد التي تعجن الزعتر والزيتون والعنب والتين مع البرتقال والليمون واللوز والجوز خبزا، رأيت زيتون البلاد وتينها وتفاحها وما تيسر من صور فاكهة أهل الجنة، مازالت الصور حاضرة..

كنت أسير في أودية العفاريت الآدمية والشراك الحربية، كأنني ذئب الجبال الشيشاني أو فرس الجهاد العربي،كأنني من سادة الوديان، سلاحي الشهامة والأيمان والانتماء لذاكرة المكان. أصوات الأنفجارات تصم الآذان ، تعكر صفوي واستفرادي بأفكاري وذكرياتي.. عندما سقطت عمارة العمليات كما سميناها في زمن الجمهوريات الثورية.. عمارة عادية ، بناية من ثمانية طوابق أو أكثر.. كانت تقف في مكان غير بعيدة عن العمارة التي فجرتها أشباح الحرب الأهلية في بلاد الأرز.. تحت أنقاضها دفن العشرات ، وهناك الآلاف ممن دفنوا تحت أنقاض مباني كثيرة مشابهة في الوطن الفينيقي ، الكنعاني ، العربي ، اللبناني ، الذي أراده البعض وطنا صغيرا كما فكرتهم...

كنت أفكر بمدرسة المخيم، بزملائي على مقاعد الدراسة ، بأولاد وبنات الحارة ، بحبيبتي التي كنت أحبها من غير ان تعلم أنني أهيم في عشقها.. بمن كن يحبني ، يهمن في عشقي وأنا مثل حبيبتي التي تجهل هيامي، كنت في غير وارد،جاهل لما يدور في قلوبهن ولما يدور حولي... كنت أفكر بزمن ولدتني ، جهلي، وبما اسميه حبي الثاني بعد أن طار بالزواج التقليدي العربي حبي الأول .. طار كي يستقر، هكذا فسر الكبار في السن عادات أهل الشرق، يطير الحب العذري بالزواج القسري، بإرادة الأهل لا بموافقة القلب..

هزني الدويّ الذي أحدثه انفجار الصواريخ على مقربة مني.. رأيت السيارات تشتعل والمباني الصغيرة تتهاوى كعلب البسكويت ، كالأهرام المشيدة من الورق وعلب الكرتون.. العمارات الضخمة وقفت مثقوبة الجدران المتبقية ، كأنها قطع كبيرة وضخمة من الجبن السويسري.. صارت الأرض التي شهدت الهزة الأرضية بفعل القنابل حفرة كبيرة تتسع لعشرات الجثث.. الجرحى على الطرقات يئنون من موت الرحمة في الحياة.. من جراح واشتعالات وإصابات.. إنها الحرب ما أقذر عفاريتها الكبار وما أتعس جنودها الصغار.

تحضرني الآن بقرة البحر التي حاولت حملي للميناء ، فشقت عباب البحر واحترقت الحصار البري ، ويحضرني طائر النورس الذي طار بي من العاصمة المحترقة إلى المخيم الممسوح بفعل الطيور المعدنية والحيوانات الفولاذية.. بفعل طائرات الظلام. كانت حرية النورس وحركته أقزى من الذين احتلوا السماء من فوق الخلق على الأرض..

ترى من مات بالإضافة لعبد ،حاتم ،شحادة وصاحب المقهى أبو جميل .. آه يا علي فوذة ،اسمح لي ان استعير كلماتك واقوم بتغييرها وفق وجعي : آه من لا يتذكر عين الحلوة .. من ينسى مقهى أبو جميل .... ترى من لم يمت لكنه فقد في الحرب التي لا ترحم أحدا. كلنا ضحايا الخريطة ، ضحايا التخطيط الخارجي.. لا مبادئ لدى القاتل ولا مبادئ لذا الذين يسيسون معركتنا من أجل اشارة نصر مكسورة الأصابع على كف مثقوبة الراحة..

في المعركة على الجندي الغازي ان يقتل كي يقتل و يعيش، وعلى الفدائي المقاوم ان يقاتل كي يحيا وينتصر لا كي يقتل.. في الحرب يموت الإنسان في الجندي الغازي ، يذبل قلبه وتصبح الشمس أقل حرارة من موت الآخرين، الموت الأبيض بقنابله الحارقة .. طفلة بعمر الزهر ، عنقود عنب من جنان الله المعلقة . قتلت بدون ذنب ودفنت على عجل .. كتب على شاهد قبرها بخط عربي واضح الطفلة الشهيدة بسمة عبدالله بسمات..

حملة سلامة الجليل توضح نوايا الغزاة ، تظهرها للعلن ، تبسطها على مد النظر، ولا يتجاهلها سوى عديمي وقصيري النظر.. يجب مسح وشطب الوجود الفلسطيني في لبنان.. يجب إعادة إنشاء لبنان على الطريقة الإسرائيلية وبما يخدم المصالح الصهيونية. يجب ولكن هل سينجحوا في القضاء علينا.. هل هنا سنموت كلنا غرباء عن أمكنتنا، بعيدا عن أزقتنا، في العاصمة.. وماذا نقول لمقبرة المخيم.. للقبور الشاهدة على شهادتنا.. هل ضاقت بنا المقابر ولم تعتد تتسع لنا القبور حتى ندفن في الغربة.. لا سنقاوم ولندفن تحت أنقاض أي مكان ، فما نفع الشاة بعد ذبحها...

ما هذه الكوابيس المرعبة؟ أينتهي كل شيء بهذه السهولة.. أين الصمود والتصدي والرفض والتحدي والأخوة والقومية والميثاق المشترك, أين فرسان القادسية والجاهلية وحطين وأين صلاح الدين؟؟؟ أين أمناء الأمة وسلاحهم وثرواتهم و نفطهم وسخطهم؟؟؟.. لا احد إِلانا في مواجهة الغزو فالعدو أمامنا والبحر وراءنا يا ابن زياد..

هل كلنا مشاريع موت لمرايا نرى فيها وجوهنا شهيدة؟ هل نحن مشاريع تجريبية للموت القادم بقنابل عنقودية أو أقلام حبر ولعب أطفال مفخخة؟ لا يهم ان كنا او اصبحنا شهداء أو قتلى في الملحمة المذبحة .. الهم أين نحن وأين هم من المذبحة ، المجزرة ، الكسارة التي تكسر رؤوسنا، والمطحنة التي تطحن عظامنا.. لا أحد غيرنا في هذه اللعبة التي تكبرنا مئات المرات.

حبيبتي هل هي حية أم أنها ماتت.. حرة أم أسيرة.. جريحة أم معافية ؟؟؟ لا أحد يدري ، لا أحد يعرف أين كانوا أو أين أصبحوا، كل شيء يبدو غريبا، صدامي، ثقيل الوقع .. لم أنتبه لما يدور على الشاطئ .. هناك معركة طاحنة.. طاحونة لحم وعظام، يمتزج فيها الرمل باللحم والدم النازف بالماء المالح.. هناك ضحايا ، هناك قتلى وجرحى.. من بينهم بقرة البحر التي حملتني ، وكذلك النورس الذي طار بي .. هناك دمار وخراب وغبار ورؤية غير واضحة.. حتى ان زوقي الصغير الذي فقدت مجاديفه تم إغراقه بعد أن مزقته الشظايا .

أدخل إلى الحب عاري الجسد ، ممزق البدن، منكسر القلب ، مكسور ومبتور الأعضاء.. كيف أموت وأنا في ريعان العمر.. ولما أموت ولم أتذوق بعد جسد حبيبي.. لم ألمسه ، لم أضع يدي عليه، لم أجرب ريه بماء الحب ودمع الحياة.. لقد عشته دون ان أمسه، ففي مراياه عشت حب عذري زينته العشق.. وظللت بعدما كنت أرتقب الموعد الذي تمنحني فيه حبيبتي عبق جسدها وتضمني إلى صدرها ، تحتضنني ، تقبلني وتؤكد التصاقها بي حبا وانشغال..
لكنها الحرب اللعينة غيرت كل الخطط وأفشلت كافة المشاريع وأطفأت اشتعالنا أللهيبي في لحظة مطر رصاصي ، في يوم قنابل تدميري. ..

تذكرتها حين قدمت لي فنجان القهوة في منزل جدتها ..
- سألتها : كيف حالك ؟
ردت : ماشي الحال ، عايشين من قلّة العرب والموت ..
- ما هي أخبار صديقي ؟
قالت لا أخبار .. منذ أردنا استعادة سلامة الجليل والخليل..
واستدركت فتابعت، لقد انقطعت أخباره منذ التحق بالمجال الخارجي.
كنت أعرفه جيدا لأننا كنا في صف واحد في المدرسة الابتدائية.. ترك هو المدرسة وألتحق بالقواعد منذ الصغر.. كان شبلا صغيرا.. لكنه أكد في المواجهات والمعارك أنه أسد من مخيم ينجب اسودا ومحاربين.. كان مقاتلا مغوارا.

أردت أن أقول لها أنني التقيت به في الجنوب .. في ليلة موت ورصاص وقنابل.. كنا في دورية مشتركة في وادٍ يصل الجنوب في لبنان بشمال البلاد التي نحب.. كانت هناك محاولة إنزال .. لم تتم بفعل يقظتنا.. كان كما عرفته صامتا ، لا يرغب بالحديث ، قليل الكلام ، لا يحب الثرثرة.. لكنه عنيف كنمر ، كاسر كنسر وجريء كما عرفته دائما..

أحضرت صينية نحاسية ، وعليها فنجاني قهوة وركوة ، كانت قهوتها متوسطة لم تكن حلوة ولم تكن مرة.. انها المرة الأولى التي اشرب فيها القهوة بحضورها .. هذه قهوتي المفضلة ، ترى كيف عرفت أنني أحب القهوة متوسطة ، سكر معقول وهال غير كثير ورغوة زيادة..؟ سكان العاصمة هنا يفضلونها على الريحة .. أي مرّة.. بعد تلك القهوة لم نلتق ..

مرت أسابيع من الغزو ، نحن الآن محاصرون من كل صوب في غرب العاصمة ، البحر خلفنا والموت أمامنا.. السماء لهم والبحر لهم والجبال . ومعهم كافة أنواع النفايات المحلية، عملاء ومأجورين من حولهم ..

الصمت حولنا باستثناء دوي القنابل وهدير الطائرات وأزيز الرصاص واحتراق المدينة ، وبداية التركيز على الصمود والمواجهة والمحافظة على التموين والطعام والماء.. فالطائرات تصطاد طالبي الماء من المدنيين والمحاربين.أصبحت كل هذه الأشياء يوميات نعتاش معها ونعيشها لحظة بلحظة.. تزداد أعداد الموتى والقتلى بشكل كبير ,تتكاثر أعداد الشهداء الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم.. في مخيمنا استشهد أصدقاء وأصحاب وزملاء ورفقاء وأقارب.. في وادي الجرمق قرب قلعة ارنون، استشهد صديقي عبد الستار ومعه رفيقنا أبو علي الحمصي.. المعركة تشتد والحصار يتركز ويشتد أيضا... إما ننتصر ومنا من سيموت واقفاً أو نركع مستسلمين ..

أنا هنا وحبيبي لا أدري أين ..لا أعرف عنه أي شيء .. وأهلي ترى ما هي أخبار أمي وأبي وأخي وأخواتي وكل أقاربي؟؟ لا أخبار في هذا المدى المغلق بالدخان والغبار ورائحة الموت البارودي.. أي خبر، أي خبر .. لا أخبار عنهم ، كل شيء مجهول ، كلنا مجاهيل .. لا خبر ولا علم، ولا احد يدري كيف ستنتهي هذه الحرب وكيف سينتهي هذا الحصار اللعين.


يتبع


www.safsaf.org