حكايات "  آتي " ...

 

   نضال حمد

يعتبر اسم "آتي" أحد أكثر الأسماء تداولا ومعرفة بين اللاجئين الفلسطينيين من سكان مخيم عين الحلوة جنوب لبنان. كما أن "آتي" القادم دائما والذاهب دوما هو صاحب العبارة الشهيرة المدونة أعلاه والتي اخترناها لتكون عنوانا لحكايتنا هذه. وحكايتنا عن "آتي" أفندي أو الشيخ "آتي" كما يلقبه البعض،ستكون من عالم نعيشه طل صباح ومساء، من وحي الحياة في المخيم، ومن طلعة الشمس صباحا وانتشار أشعتها الذهبية على شعر البنات الذاهبات الى مدارسهن بمرايلهن الملونة. هناك حيث يقف آتي على الشارع الضيق يضيق عليهن الطريق ويرفه عنهن بصرعاته وخيلاته.

  آتي سيكون هنا معنا،بكل نوادره الواقعية والحقيقية المعروفة لدى معظم سكان المخيم. وآتي الذي يعتبر مسرحا كوميديا متحركا أصبح علما من أعلام مخيم عين الحلوة،فطلّته كما طلعته مميزة.ونستطيع القول انه للمخيم كما كل مهرج عايشه الناس وعرفوه. آتي يشتهر بقلب الجمل المفيدة رأسا على عقب، وتحويلها إلى جمل غير مفيدة. كما هو الحال مع" راجع لقدام وواصل" والتي كان آتي يقصد بها" واصل لقدام وراجع..

ولد آتي في مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا في جنوب لبنان، وهو اكبر مخيم فلسطيني يعيش فيه حوالي مائة ألف لاجئ جلهم من الجليل ومدن وبلدات الساحل الفلسطيني. منذ ولادته كان يعاني من بعض الأزمات النفسية الخفيفة التي كان بالإمكان تخطيها و تجاوزها لولا التخلف والمحيط البدائي. ولو أن ظروف عائلته وحياتهم كانت أفضل أو في مكان أخر من العالم وليس في مخيمات التشرد والحرمان والفقر والبؤس والذاكرة العصية على النسيان، حيث أن الإنسان الكامل المتكامل يصبح بعد حين عاجز عن فهم دورة الحياة في الكلم المربع الواحد، الذي يتسع لمائة ألف إنسان حضري وبدوي وفلاح ،اضطرتهم النكبة والتشرد من فلسطين وطنهم المحتل، للعيش معا في مكان واحد،وتحت إشراف هيئة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.. لولا ذلك لكان آتي تعافى مما أتاه وأتى على عقله.

 

 كبر الطفل آتي كما كبرنا كلنا نحن أبناء حارته في أزقة المخيم وبين زواريبه وفي حاراته الضيقة،هناك على مقربة من بيارات الليمون والحمضيات غير بعيد عن قلعة صيدا البحرية، وعن قلعتها الأخرى البرية. في مدارس بنتها وكالات غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين دخل الولد "آتي" المدرسة مثله مثل غيره من أولاد المخيم. لم تكن المدرسة تناسبه،لكنه بالتأكيد جرب وحاول.. لم يفلح آتي كما أنه لم ينجح،ولم يستطع تكملة الصف الأول ابتدائي الذي قضا فيه ثلاثة أعوام دراسية كاملة لكن بدون نتيجة.عادة تكون الصفوف في مدارس الأنروا مكتظة بالتلاميذ.أذكر أنه في صفنا كان العدد ثمانية و خمسون تلميذا من الذكور. كنا نجلس  اثنان على المقعد واحد قرب الآخر. أما الفتيات فكانت لهن مدرستهن الخاصة بهن،حيث كان يفصل بيننا وبينهن جدار من الطوب،عالي بعض الشيء،لكنا رغم علوه كنا نتسلقه في بعض الأحيان لنسترق النظر على الفتيات من علٍِ، كذلك كنا " نبصبص عليهن" من الحفر الموجودة في ذاك السور.وآتي كان في الصف المجاور لصفنا يفعل أكثر مما نفعله نحن عند السور.

 بعد أن مضت السنوات الثلاث الأولى من عمر آتي في المدرسة الابتدائية،ترك آتي مدرسته بعدما عجز العلم ومعه الهيئة التعليمية في المدرسة عن جعله يتبدل. وأصبح منذ ذلك اليوم يجوب زواريب وأزقة المخيم الضيقة كأنه حارسه،أو كأنه "شحادة" الشهير ، ناقل الموتى، حفار القبور، سائق السيارة التي تنقلهم مع توابيتهم من المخيم إلى المقبرة المجاورة. كان آتي يحمل على كتفه صندوقا صغيرا فارغا من بقايا صناديق جبن الغزال الفنلندي، وبالمناسبة فقد كنا نأكل جبن الغزال بشهية،وكنا نضعه في رغيف خبز مع خيار وزيتون وبندورة واحيانا زعتر،ثم نلتهمه مع فنجان شاي ساخن من صنع أمهاتنا أو من صنعنا نحن الأولاد. وكان آتي بعد التهام طعامه يستعمل الصندوق كتابوت لتشييع القطط. فيضع الصندوق على كتفه ويميل برأسه ورقبته ناحيته واضعا أذنه مباشرة فوق رأس الضحية التي في الصندوق كانت الضحايا قططا وفئران وجرذان تموت في حارات المخيم.بعد ذلك يبدأ بقراءة بيان النعي ويحدد موعد التشييع والجنازة ومكان الانطلاق والدفن. ولا ينسى أن يتلو على أرواح الضحايا من القطط بعضا من آيات الذكر الحكيم. كان يقلب الحارة إلى مقبرة، ويقرأ أشياء غريبة عجيبة،الذي لا يعرفه يظنها آيات قرآنية، مع أنها كانت خزعبلات من صنعه ومن بنات أفكاره.. كنا نحن الأولاد من جيله أو أصغر أو أكبر منه قليلا عندما نسمع صوته نهرول إلى الزقاق أو الزاروب الضيق الذي يمر منه، نسرع  لرؤية الجنازة ، وفي بعض الأوقات كنا نسير خلفه كأننا في جنازة فعلية،إلى أن يأتي أحد الكبار ويفرقنا بصوته أو بسوطه.

معروف عن آتي أنه ليس من المخبلين العدائيين،كما انه لا يقوم بأعمال عدوانية مثل الاعتداء على الناس بالضرب أو ما شابه ذلك،لكنه يقوم بأعمال انتقامية إذا تعرض له أحدهم. وأعماله الانتقامية تقتصر عادة على قيامه برشق الحجارة أو الشتم بكلمات بذيئة وحادة، أو بالاعتداء على الممتلكات الخاصة مثل السيارات والمحلات التجارية. وغايته من ذلك تكون ابتزاز أصحابها كي يدفعوا له بعض المال، أو كي يعطوه سجائره المفضلة المارلبورو الأمريكي.كما أنه يفرق جيدا بين المارلبورو الأمريكي وغيره مثل المصنوع في دول أوروبا الشرقية أو الدول العربية. في إحدى المرات تصادف أنني كنت عائدا من السفر وإذ بآتي يأتيني في زيارة مفاجئة.جاء آتي كعادته يريد السجائر و المال أو كلاهما معا. وان لم يحصل عليهما يكتفي بما يناله من عطايا ولا يحتج كثيراضريبة آتي أصبحت لازمة مخيمية كما أنها صارت عرفا متعارفا عليه في عين الحلوة والجوار. بعد السلام والقبل الكثيرة والحارة التي أغرقني بها الشيخ  "آتي عنبر"، جلس قليلا يسأل عن أحوال الدنيا وتلك البلاد الأوروبية التي أعيش فيها. وقد أضحكنا آتي طويلا لأنه لم يكن يعرف كيف ينطق أسم تلك البلاد.وإن نطقه فهو يفعل ذلك بطريقة مضحكة جدا. لذا فضل بعد الغلطة الأولى أن لا يدخل في عالم نطق الأسماء.

 بعد قليل حضرت القهوة العربية الأصيلة والتي كانت تحفل بالهال تكريما للضيوف. رشف آتي من قهوته ثم عدل جلسته ووجه نظره إلى علبة سجائري الغريبة، والتي لم يكن قد رأى مثلها سابقا، وبالتأكيد لم يجربها من قبل. مع العلم أنه أكبر خبير سجائر وأفضل حقل تجارب للتدخين في المخيم. مد يده وأخذ سيجارة من علبتي،وبعد أن تفحصها جيدا طلب مني الاذن بتدخينها. قلت لا مانع يا ابن خالتي، تفضل وخذ العلبة كاملة فعندي منها الكثير. سعد آتي بالكرم الذي أبديته وطالبني أيضا بدفع العيدية أو بالهدية. ناولته مبلغا متواضعا من المال، لم يعجبه كثيرا لكنه دسه في جيبه دونما تعليق،حيث انه أعتبره  أفضل من لاشيء. وقد عمل آتي بالمثل الشعبي القائل "الكحل أحسن من العمى".. بعد أن ارتاح آتي قليلا ، أشعل سيجارته ثم سحب نفسا عميقا منها، كان اخذ السيجارة من علبتي وهي علبة سجائر بولندية من نوع "كارو" حمراء صغيرة، تعتبر من أفضل أنواع السجائر في جمهورية بولندا الشعبية سابقا وجمهورية بولندا بدون شعبية لاحقا. نظرت إلى وجه آتي الذي تغيرت معالمه فجأة ، كان كمن يختنق من شدة السعال،فقد أصابته نوبة سعال "اشتراكية – بولندية" أحدثتها تلك السيجارة الصغيرة. غضب آتي ثم نهض من مكانه وبعصبية أطفأ سيجارته، ثم استل من جيب سترته علبة سجائر مارلبورو، أخرج منها سيجارة واشعلها، ثم نفث دخانها باتجاهي،وقال لي وهو يتابع نفث دخان السيجارة الأمريكية. هذه هي السجائر يا أبن خالتي.. خذ هذه السيجارة وجرب..لأي بلاء تدخن تلك السجائر اللعينة. ترك علبته الأمريكية أمامي على الطاولة،كانت فيها سيجارة واحدة، ثم ودعني وأنصرف بعدما ترك الجميع يضحكون مما قاله لي وكذلك من كرمه غير المتوقع. فآتي لا يقدم سجائره لأي مخلوق كائن من كان، لأنه بكل بساطة يأخذ ولا يعطي.

لآتي مواقف معروفة ومثيرة،كما له لغته الخاصة التي تحفل بالجمل المشهودة والشهيرة،نقص عليكم بعضها :

 - حصل أن تعارك آتي مع واحدة من نساء الحارة فقال لها بعصبية " سيبي على بيتك واحدة ضابة" وكان يعني بذلك " أدخلي منزلك" والجملة المستعملة في المخيم هي "أنضبي على بيتك واحدة سايبة". وهذا يعني "أذهبي" إلى بيتك واحدة فالتة أو سائبة.

- في إحدى المرات كان آتي يشارك كعادته بجنازة طفلة توفيت ، وأصبح من المتعارف عليه في المخيم والجوار أن لآتي مستحقات من أي فرح أو مأتم وهي السجائر مع المال. تم دفن الفتاة ولم يحصل آتي من أهلها على أي شيء. فما كان منه ألا أن قام بانتشال الجثة من تحت التراب ولم يعدها إلى قبرها إلا بعد أن تقاضى مبلغا من المال...

 - وفي موقعة أخرى تم القبض على آتي وهو" يتلصلص ويبصبص" على امرأة كانت تقوم بالاستحمام في حمام منزلها في المنطقة. فقد كانت المرأة تستحم وآتي يختلس النظر من شق في الجدار، وحصل بعد أن قامت المرأة بصب الشامبو وفرك رأسها أن أضاعت الليفة التي تفرك بها جسدها. فقالت سائلة نفسها " أين الليفة؟" فما كان من آتي إلا أن رد هو تلقائيا و قال لها : الليفة هناك على سخان الماء.. وهنا تم القبض عليه بالجرم المشهود.. هذه أمثلة على مآثر آتي الجنونية.

من المستحيل أن يعيش المرء بعيدا عن تلك الذكريات على الرغم من انقضاء أكثر من نصف العمر في المنافي الاختيارية والأخرى غير الاختيارية. أن آتي وغيره من الآتين والذين ذهبوا،هم ناسنا الذين نحب والذين نود لو أن الدنيا تفتح لهم أبوابها كما فتحتها للذين يعتبرون من عقلاء الأمة.

 

 مواضيع مشابهة : أذهب إلى : وداع البُرْلِيّ 

 الحقوق محفوظة لنضال حمد

Copyright©2004Nidal Hamad