حق العودة
مؤتمر فيينا يعيد رسم الطريق الصحيح إلى فلسطين ..
نضال حمد – اوسلو
15-05-2005
كانت فيينا قبل أيام معدودة مسرحا للقاءات فلسطينية فلسطينية تحت شعار التمسك بحق العودة ورفض التنازل عنه أو تفويض أي كان القيام بذلك.وجاءت الدعوة للمؤتمر المذكور عبر مركز العودة الفلسطيني ومقره العاصمة البريطانية لندن وبالتنسيق مع رابطة فلسطين بالنمسا. وقد شاركت في أعمال المؤتمر المذكور وفود فلسطينية قدمت من كافة أنحاء أوروبا، وكذلك رموز فلسطينية دينية وسياسية وثقافية وتربوية ورسمية وغير رسمية قدمت من الشتات الفلسطيني في بلاد العرب و من داخل فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر.
عقد المؤتمر يوم السابع من أيار / مايو الجاري وذلك بمناسبة ذكرى النكبة الفلسطينية عام 1948.وعلى مدار يوم كامل من النقاشات شارك فيها مئات الأشخاص من الحضور والوفود والضيوف، حيث كان تجاوب الجاليات والمؤسسات والهيئات الفلسطينية في أوروبا كبيرا، ولم تكن مواقف الأفراد والأشخاص والناشطين الذين قدموا من كافة أنحاء أوروبا أقل حضورا من الآخرين، بل كانت حاضرة بقوة وفرضت نفسها في البيان الختامي الذي صدر عن المؤتمر.
حضور ملموس للأكاديميين والمثقفين الفلسطينيين
شهد المؤتمر حضورا ملموساً للأكاديميين والمثقفين الفلسطينيين الذين ساهموا في بلورة التصور النهائي وأعطوا الحضور دفعة إلى الأمام. ومن بين المشاركين في المؤتمر الشيخ تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين المحتلة ، والارشميندنت الأب عطالله حنا الذي سُمعت كلمته عبر الأثير بسبب منعه من الوصول إلى المؤتمر ومغادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما شارك فيه المفكر الفلسطيني منير شفيق بالإضافة للأستاذ عبد الله الحوراني رئيس اللجنة السياسية في المجلس الوطني الفلسطيني،والدكتور رائد نعيرات رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح والأستاذة حياة المسيمي النائب في البرلمان الأردني عن مدينة الزرقاء ، بالإضافة لماجد الزير مدير مركز العودة ولعدد من الضيوف العرب والأجانب الذين تحدثوا في الجلسة الافتتاحية ومنهم رئيس برلمان فيينا يوهان هاتزل وعضو البرلمان ذاته عمر الراوي، والكاتب والناشط النمساوي المناهض للعولمة الاقتصادية ليو غابرييل،المناصر للقضية الفلسطينية، والذي تصادف جلوسه في المؤتمر بالقرب مني حيث كنا تبادلنا الحديث قليلا عن فلسطين وسير أعمال المؤتمر. وألقت الناشطة اليهودية النمساوية، ساندرا غايتس، كلمة معبرة باركت فيها انتفاضة الشعب الفلسطيني، حيث رأت فيها تعبيراً قوياً عن الرّوح الديمقراطية الحقة، واستنكرت الوصف الذي يعتبر الدولة العبرية بأنها دولة ديمقراطية وأنها متفردة في ذلك على صعيد الشرق الأوسط.كما كانت هناك كلمة لرئيس الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الفلسطينية، وزير خارجية فلسطين ورئيس حركة فتح السيد فاروق القدومي، وقد ألقاها نيابة عنه سفير المنظمة في رومانيا.
رشاد أبو شاور يضحك و يبكي الحضور
هذا وكان أيضا من المشاركين وضيوف المؤتمر الرسميين الأديب والروائي الفلسطيني المميز رشاد أبوشاور رئيس اللجنة التحضيرية لتجمع الأدباء والكتاب الفلسطينيين والذي استطاع أن يبكي ويضحك الحضور من خلال كلماته التي اخترقت القلوب والعقول، فقد تحدث ابوشاور عن الثقافة وحق العودة بلسان مبدع فلسطيني لازال يحمل القلم بيد وراية العودة بيد أخرى. استمع الحضور لحكاية الطفل رشاد وجدته فاطمة ووالده محمود وقريتهم ذكرين في قضاء الخليل ، وقد قام أبو الطيب بسرد حكاية جدته فاطمة التي كانت أوصت والده محمود بان يشتري "بوكسة" صندوق بندورة ويقوم بفتح قبرها ولملمة عظامها التي لن تكون ذات رائحة كريهة وحملها إلى قريتهم ذكرين ووضعها في القبر العائلي "الفستية" مع عظام والدها وأمها وعمتها، وأوصته أيضا أن لا ينسى القيام بخلط العظام حتى تسلم على بعضها البعض. وكانت الجدة فاطمة تهدف بذلك العودة إلى ارض الآباء والأجداد. كلمات رشاد أبو شاور كانت تستقبل بالدموع ، دموع العودة ودموع التمسك بحق العودة موتا و حياة، شتاتا ولجوء ...
مشاركة وفود من واحد وعشرين مؤسسة وهيئة وجالية
شهد المؤتمر مشاركة وفود من واحد وعشرين مؤسسة وهيئة وجالية تمثل التجمعات الفلسطينية في الأقطار العربية، وقد التئم شملهم في المؤتمر تحت شعار “فلسطين أرض وشعب، وحدة واحدة لا تتجزأ: لا للجدار العنصري في فلسطين”... وقد أخذ كل وفد منهم حقه في الحديث وإبداء الرأي وكانت الكلمات تبث مباشرة عبر وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية وعبر الانترنت أيضاً. وهنا لا بد أن أتوجه بالاعتذار من مراسل فضائية تلفزيون العالم الذي كان يريد إجراء حوار صحفي معي بصفتي رئيس الجالية الفلسطينية في النرويج،ولكني لم أتمكن من انتظاره في المكان المخصص للحوار وذلك بسبب عارض صحي تعرضت له تلك الليلة. وأقول له الآن خيرها بغيرها وان لم يكن لقاؤنا في مؤتمر العودة القادم فليكن بعد العودة إلى فلسطين أو أي جزء يتحرر منها.
مؤتمر فيينا يحمل الرقم ثلاثة بعد لندن وبرلين
تجدر الإشارة إلى أن مؤتمر فيينا الذي يحمل الرقم ثلاثة هو امتداد لمؤتمرين سابقين جرى عقدهما في لندن وبرلين في السنتين الماضيتين. بحيث أخذ طابعا مرجعيا وتنامى على المستوى الشعبي الفلسطيني في هذه القارة، وذلك من اجل تعزيز دوره التنسيقي بين مؤسسات الفلسطينيين ومنظماتهم وجمعياتهم في عموم أوروبا. وقد خرج المؤتمر ببيان ختامي شامل وجامع جاء في 16 بنداً أكدت على العمل الفلسطيني المشترك في أوروبا ضمن إطار حق العودة. واعتبر أن نجاح مؤتمر فيينا يعتبر نصرا للقضية الفلسطينية وأنها لازالت حية ونابضة في قلوب أبناءها في أوروبا وكل مكان. وحذر المؤتمرون من الجدار العازل وطالبوا بتفعيل ومتابعة قرارات محكمة لاهاي الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة. وأكدوا تمسكهم بحق العودة إلى ديارهم التي هجروا منها عام 1948. كما رفضوا التصريحات والمبادرات والحملات التي تستهدف النيل من حق العودة ودعوا القيادة الفلسطينية للتمسك بالثوابت الفلسطينية وعلى رأسها حق العودة. ودعوا جميع المؤسسات الفلسطينية والهيئات العاملة لحق العودة والقضية الفلسطينية بشكل عام إلى تنسيق جهودها وتوحيد خططها لمواجهة التحديات والمخاطر التي تحيق بحق العودة في هذه المرحلة الخطرة.ودعوا أيضا كافة الفلسطينيين إلى المشاركة الفاعلة والانخراط في الفعاليات المختلفة التي تؤكد حق العودة. ووجهوا التحية إلى كل شعب فلسطين وبالذات الأهل داخل فلسطين 48 . كما أعرِبوا عن قلقهم البالغ جراء التهديدات المتعاظمة التي تحدق بمدينة القدس، عاصمة فلسطين وقلبها النابض، جراء مساعي تهويدها وطمس هويتها العربية الفلسطينية، سواء عبر الضم أو طرد السكان أو عبر صفقات البيع المشبوهة.وأكدوا على أنّ المقاومة حق مشروع للشعوب الخاضعة تحت الاحتلال، وأنّ من حق الشعب الفلسطيني بالتالي أن يقاوم الاحتلال الجاثمَ على أرضِهِ ودياره ومقدساته، وأنه ينبغي أن يلقَى في ذلك دعم المجتمع الدولي وجميع المناصرين للحق والحرية في هذا العالم. وفيما يخص منظمة التحرير الفلسطينية رأى المُؤتَمِرون أنّ تفعيلها وتعزيز دورها كإطار جامع وممثل للشعب الفلسطيني هو مطلب أساسي وتشتدّ الحاجة إليه في هذه المرحلة بالذات، شريطة اتخاذ الإجراءات الإصلاحية والخطوات الديمقراطية اللازمة لضمان مشاركة القوى الوطنية الفلسطينية كافة. ورأوا أيضا ضرورة و أهمية السعي إلى إجراء انتخابات للوجود الفلسطيني حيثما كان، وأشاروا في هذا السياق بصفة خاصة إلى ضرورة إجراء انتخابات للفلسطينيين في أوروبا، تفرز تمثيلاً فاعلاً لهم ضمن الإطار الفلسطيني الذي يتفق عليه الجميع دون استثناء، وتجعلهم أكثر قدرة على القيام بدورهم في خدمة وطنهم وقضيتهم في المرحلة الراهنة والمقبلة. ووجهوا التقدير والتحية لأنصار وأصدقاء ومناصري فلسطين في أوروبا والعالم. وطالِبوا الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا والبلدان الأوروبية، بحكوماتها وبرلماناتها ومؤسساتها العامة، بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وتمكينه من استعادة حقوقه غير القابلة للتصرف، وقطع الطريق على أي دعم مقدّم للاحتلال الجاثم على هذا الشعب. ويؤكِّد الفلسطينيون في أوروبا هويتهم الوطنية الفلسطينية وأنهم جزء من المجتمعات الأوروبية وأنهم حريصون أيضاً على السلم الاجتماعي في البلاد الأوروبية. كما يؤكِّدون أنّ وقوفهم الواضح إلى جانب قضيتهم العادلة ودفاعهم عنها بالسبل المشروعة هو حق تضمنه القوانين المحلية والمواثيق الدولية. وشددوا في الختام على أهمية الحفاظ على الأجيال الفلسطينية في الشتات وتوريثها القضية بشكل يضمن الحفاظ على الثوابت الفلسطينية. ولم يفتهم التأكيد على أن توصيات ورش العمل الثلاث التي عقدت ضمن فعاليات المؤتمر وهي: تطوير العلاقة مع المجتمعات الأوروبية رسميا وشعبيا.. الفلسطينيون في أوروبا جزء فاعل من الشعب الفلسطيني: سياسيا إعلاميا شعبيا... و الفلسطينيون في أوروبا ضرورات التواصل ومسؤوليات النهوض. تعتبر جزءا من البيان الختامي للمؤتمر.
مؤتمر فيينا ومشروع سيفيتاس
من المؤسف أن نجد بعض الشخصيات والقوى العاملة ضمن إطار حق العودة تكتب في الصحافة وتظهر في وسائل الإعلام متحدثة عن حق العودة واللاجئين والنشاطات المقامة في أوروبا والعالم في هذا الشهر، ولكنها بنفس الوقت لم تقرب مؤتمر فيينا ولم تتطرق له حتى بحرف واحد، وكأن المؤتمرات الثلاث التي قام بها مركز العودة وشاركت فيها عشرات الجاليات والمؤسسات والهيئات الفلسطينية العاملة في أوروبا والعالم ليست ضمن نشاطات وفعاليات حق العودة. ومن المؤسف إن القائمين على مشروع "سيفيتاس" الخاص باللاجئين الفلسطينيين، والمثير للجدل، قد نشر احدهم مقالة بعنوان "الديمقراطية والحقوق هي للاجئين الفلسطينيين أيضاً" لم تتحدث عن مؤتمر فيينا بل أكثر من ذلك تجاهلته وغيبته عن سابق إصرار بعدما تحدثت عن مؤتمرات أقل قيمة وفاعلية ومستوى من مؤتمر فيينا. وكنت اقرأ تلك المقالة في طريق عودتي بالطائرة التي أقلتني من بودابست إلى اوسلو بعد انتهاء أعمال مؤتمر فيينا. وقد حزنت على المستوى الذي وصل إليه بعض أكاديميي شعبنا، فتلك المقالة وما فيها من لغة غريبة واستهتار بمؤتمر حضره أكثر من ألفين فلسطيني يمثلون عشرات أو مئات آلاف الفلسطينيين في العالمين العربي والغربي تجعلنا نفكر طويلا بجدوى التعامل مع مثل هؤلاء. وبعد قراءة المقالة قلت لنفسي إذا كانت تلك هي الطريقة التي يتبعها الأكاديميون في العمل والتعامل،طريقة التجاهل والتغييب فكيف يمكن لهم التحدث عن مشاريع عمل مشتركة من اجل اللاجئين.
إذا كانت كندا تريد مهاجرين فلتوطن يهود الجمهوريات السوفيتية لا الفلسطينيين
هنا تبرز قضايا حيوية قديمة و جديدة وهي أن أي مشروع يلتف حول حق العودة، وهذا قد ينطبق على مشروع "سيفيتاس" في حال تأكد انه يمس بحق العودة وقدسيته، يجب إن يقاوم ويواجه لإفشاله وإسقاطه ودفنه في مهده.فقضية حق العودة غير قابلة للاستفتاء أو التفتيت أو الاستبدال، وإذا كانت كندا مثلا وهي القائمة على مشروع سيفيتاس بحاجة لسكان جدد فلتسكن الهنود والسود والصفر والحمر والبيض ومن تريد من أهل الأرض، وقبل أي إنسان آخر فلتسكن اليهود من أوروبا وإثيوبيا والأرجنتين وفرنسا والهند والسند...خاصة يهود الاتحاد السوفيتي سابقاً لأنهم اقرب إليها ثقافياً واجتماعياً،وتستطيع كندا تقديم خدمة للإنسانية باستقبالهم إذ هي تجعل إمكانية عودة الفلسطينيين إلى بيوتهم المسلوبة واردة وممكنة، وتخفف عن كاهل أرضنا الاستيطان والسلب والنهب والاستعمار.
تحذير للاجئين الفلسطينيين
يتوجب على الفلسطينيين إن يحذروا من المشاريع التي تقوم بها مؤسسات أمريكية وكندية وأوروبية لا هم لها سوى إيجاد طريقة لتوطينهم وتهجيرهم من جديد بعيدا عن بلادهم فلسطين ومخيماتهم التي تجاور وطنهم المحتل. ونعتبر أن من مهام مؤتمر فيينا مجابهة تلك المؤامرات والعمل على إفشالها وقبرها في مهدها، لأن حق الشعب الفلسطيني في العودة ليس قابلا للتصرف أو التفريط أو الاختبارات والاجتهادات، فهو حق فردي وشرعي وممكن وقانوني ومقدس يتوجب علينا حمايته، والتأكيد على شرعيته وعدم شرعية من يفكر بالتنازل عنه بالإنابة أو التزوير أو بالترهيب والترغيب.