Café Hawelka   مقهى هافيلكا في فيينا

 

 

نضال حمد

 

22-05-2005

 

يقع مقهى هافيلكا في زقاق ضيق صغير يتفرع من وسط السوق التجاري العريق في الحي الأول من العاصمة النمساوية فيينا وبالتحديد في شارع دوريثي إرغاسي وهو أحد الأزقة التي تربطه بشارع غرابين الرئيسي، والذي تعود تسميته تلك لمرحلة الوباء الطاعوني الذي ضرب فيينا في فترة سابقة حيث كان الناس يموتون من الوباء في الشوارع وعلى الطرقات، ثم كان قرار دفنهم في الشارع المذكور حيث سمي فيما بعد شارع القبور أو المقبرة.

 

 كما ان مقهى هافيلكا يوجد في مكان غير بعيد عن مقهى أوروبا المعروف ، حيث يطيب لكل سائح الراحة هناك في شارع المقبرة سابقا والمقاهي حالياً، وذلك بعد عناء التسكع والزيارات والتأمل في عراقة وسط فيينا وتاريخه الممتد إلى ما لا نهاية.. والفرق بين أوروبا وهافيلكا أي بين المقهيين كبير جداً، حيث أن مقهى أوروبا يقع كما أسلفنا في الشارع الرئيسي وسط السوق التجاري الكبير في شتيفان بلاس، وهو مقهى تجاري يعتمد على الزوار من السائحين والمتسكعين في شوارع وأسواق العاصمة، همه الأساسي تجاري، وقد جلسنا هناك واحتسينا القهوة أنا والزميل الأديب والروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور برفقة الصديق سعيد الخضراء المقيم في فيينا وقد كان يشرح لنا عن خبايا المدينة وأسرار الشوارع والآثار الباقية... ولمقهى هافيلكا همه الأول وهو الهم الثقافي لأنه مقهى ذو سمعة ثقافية وفنية،ويعتبر تجمعاً  للكتاب والأدباء والصحافيين ذوي الميول اليسارية. يبدو من الخارج بسيطا، ولا تلحظ ما يميزه سوى اسمه المكتوب بخط اسود كبير على لوحة بيضاء. وقد قادني إليه الصديق الدكتور غسان قرة الذي يحتفل هذا اليوم وهذه اللحظات بتخرجه طبيبا من جامعة فيينا العريقة. لكن للأسف الشديد لا زلت أجهل ولا أعرف كيف هو المقهى من الداخل، إذ انه لم يسعفني الحظ في دخوله لأنه كان مقفلا يوم كنت في فيينا في زيارتي الثانية خلال الأسبوع الثاني من شهر أيار / مايو الجاري. أما في الزيارة الأولى لفيينا في مارس آذار الماضي فقد كنت مازلت أجهل مكانه وسيرته.

 

بالعودة قليلا لمقهى أوروبا يقال أن أصحابه من الطائفة اليهودية التي تنتشر بشكل جيد في فيينا حيث أنها تقطن الحيين الأول والثالث. وقد شهدت فيينا في العام الماضي معركة قانونية وإعلامية كبيرة على خلفية قيام بلدية فيينا بتسمية ميدان في العاصمة قرب القنصلية الأمريكية بميدان تيدور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية. وانتهت المعركة بتسمية الميدان كما أرادت البلدية.. فهل كانت بلدية فيينا تجهل معاني التسمية بالنسبة لشعب اقتلع من أرضه وشرد وطرد من وطنه وأقيمت ميادين وساحات وشوراع تحمل نفس اسم هرتزل فوق ركامها وبيوتها وحطامها ومقابرها ومساجدها ومدارسها ومصانعها، لا نظن ذلك .. ومن أسباب  نجاح المشروع عدم التوافق بين المسلمين والعرب والفلسطينيين  وانصارهم من اليساريين النمساويين المعارضين للتسمية. مما جعل الأداء الفلسطيني و العربي الإسلامي يصطدم بالمواقف المشتتة وبألا مواقف من قبل البعض، فكانت الحملة الاحتجاجية غير موفقة مما انجح مشروع تسمية الميدان كما كان معدا له. وكل هذا حدث في مكان غير بعيد كثيرا عن مقهى هافيلكا حيث يتجمع أدباء وكتاب اليسار النمساوي الذي بدوره أيد التسمية.

 

يقال أيضا عن مقهى أوروبا القريب من مقهى هافيلكا انه كان في فترة سابقة مقرا لدائرة الهجرة الصهيونية التي كانت تزود الحركة الصهيونية في فلسطين بالقوة البشرية والعلمية والحربية وبالخبرات والطاقات عبر  إرسالها المستوطنين والمهاجرين اليهود من أوروبا والعالم إلى بلادنا فلسطين التي كانت واقعة تحت وصاية الانتداب البريطاني، تلك البلاد التي سلبت ونهبت واغتصبت بتواطؤ البريطانيين والعالمين.. هي بلادنا المحتلة فلسطين... على كل حال موضوع مقهى أوروبا وإذا كان في السابق وبالفعل مركزا لدائرة الهجرة الصهيونية يبقى بالنسبة لي بدون سند ووثائق تؤكد ذلك...فهي مجرد أقاويل سمعتها من بعض العرب المقيمين في فيينا ومن بعض النمساويين، ولا نعتقد أن التأكد منها بالأمر الصعب أو المستحيل.

 

تأسس مقهى هافيلكا سنة 1939 لصاحبيه ليوبولد هافيلكا المولود في 11 نيسان / ابريل 1911 في مدينة ميستلباخ  في النمسا، وزوجته يوسيفينة هافيلكا وهي من مواليد 12-10-1913 في مدينة كيرشيدروف النمساوية. ويقال ان مقهى هافيلكا الشهير يعتبر واحدا من أواخر مقاهي وسط أوروبا التي حافظت على تراثها كمقهى للمثقفين والفنانين. وبالرغم من انتهاء العصر الذهبي لثقافة المقاهي، وأيضاً بالرغم من التغيير الخارجي الذي طرأ على شكل المقهى، إلا أن مقهى هافيلكا لم يتغير ومازال المقهى المفضل لعددٍ كبير من الأدباء والفنانين، حيث لم تزل السيدة هافيلكا ترحب يوميا بزواره وتعمل على راحتهم وتلبية طلباتهم. وكم كنا نتمنى أن يسعفنا الحظ بدخول المقهى بالرغم من عدائنا المزمن والاستراتيجي للسجائر والتدخين. لكن شاءت الأقدار أن نعود من فيينا تاركين خط عودة لها قد نتبعه في يوم من الأيام.

 

شهد مقهى هافيلكا عصورا وأزمنة ثقافية مختلفة وعرف وجوها أدبية وفنية كان ولازال لها حضورها في الحياة الثقافية والأدبية والفنية النمساوية والأوروبية. ومن هؤلاء الرواد : الشعراء ه. س ارتمان وفريدريش أخليتنير وغريهارد روهم. ومن الممثلين هيلموت كوالتينغير و اوسكار فيرنير، كما عايشه من الموسيقيين المعروفين  نيكولاس هارنونكورت وجورج دانزر وأندريه هيللر. وكذلك المصور فرانز هوبمان. كما هناك مجموعة من الأدباء والمثقفين الذين كانوا يرتادون المقهى بعد خروج قوات الحلفاء من النمسا سنة 1955 ومنهم : فريدريش توربيرغ،هايميتو فون دوديرير، هيلدا شبيل و هانس فيغيل. كما ارتاده في الستينات مجموعة من الفنانين النمساويين ومنهم كذلك : فريدنسريش هونديرتواسير، ارنست فوخست،رودولف هاوسنر،هوبرت أراتيم و ولفغانغ هوتير.

 

 

انتهى

 

back  /  عودة

جميع الحقوق محفوظة لنضال حمد © 2005