غريتا دوينسبرغ واللوبي اليهودي
 

بقلم : نضال حمد

السيدة غريتا دوينسيرغ زوجة رئيس البنك المركزي الأوروبي ،السيد فيم دوينسبرغ ،لا تخفي تأييدها للحقوق الشرعية والوطنية العادلة للشعب الفلسطيني، كما تؤكد إدانتها للممارسات الإسرائيلية التي لا تنم للإنسانية بصلة. وقد عبرت عن مواقفها تلك من خلال مشاركتها في التظاهرات والتجمعات التي عمت هولندا احتجاجا على التجاوزات والممارسات العنيفة التي اتبعتها ولازالت تتبعها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة.

وكانت غريتا دوينسبرغ استجابت لنداء لجان التضامن مع الشعب الفلسطيني في هولندا، ورفعت علم فلسطين على شرفة منزلها، تعبيرا منها عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني في معاناته اليومية بفعل سياسة القمع والتنكيل التي يتبعها جيش الاحتلال الإسرائيلي. وقد قامت حينها قيامة اللوبي اليهودي في هولندا وأوروبا وسرعان ما انضمت الى جوقة المحتجين، الفرقة المركزية اليهودية الأمريكية، ممثلة باللوبي اليهودي الأمريكي، طويل الذراع والباع في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ونكبة اليهود فيها، التي أوصلتهم في نهاية المطاف إلى إقامة وطنهم القومي في فلسطين، بناء على مخططات الحركة الصهيونية ووعد بلفور وزير خارجية البلاط الملكي البريطاني.

رغم تلك الحملة الشعواء التي تريد كسر إرادة السيدة القوية، وبالرغم من الضغوطات الهائلة التي تمارس عليها وعلى زوجها، الذي بدوره قد يخسر مركزه ووظيفته في الاتحاد الأوروبي، ألا أن السيدة غريتا لازالت متمسكة بموقفها. وهي تواصل التعبير عن رأيها وموقفها مما يجري في فلسطين بكل جرأة وموضوعية. فالسيدة غريتا تعبر عن قناعتها بضرورة التنديد بالسياسة القمعية والممارسات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية المحتلة، ذلك من أجل السلام الذي لن يكتمل بالقوة ولن يتحقق بالإكراه. لأنه لا يمكن لشعب يقبع تحت الاحتلال وتمارس بحقه كافة أشكال القمع والتفرقة العنصرية والسياسات التعذيبية والتنكيلية، أن يبقى بلا حرية وبلا إنصاف وعدل ومساواة، كما لا يمكن للاحتلال أن يدوم ويستمر بلا محاسبة في عالمنا اليوم..

السيدة غريتا أرادت عبر تمسكها بمواقفها الشجاعة، والإنسانية بالدرجة الأولى، أن تقول للعالم أننا نحن الذين بقينا طوال 60 عاما نتبنى المسألة اليهودية، ونحاول التكفير عما حل باليهود من عذاب ومذابح ومعاناة على أيدي النازية، مطالبون الآن أن نحدد موقفنا بوضوح مما يجري من ويلات ومذابح ومآسي في المناطق الفلسطينية، من الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني، ومن سياسة الاحتلال الإسرائيلي العنصري.

أرادت أن تقول من أوروبا ما عجزت عن قوله قيادات القارة الأوروبية، فالحقيقة واحدة وواضحة كما وجوهنا في المرآة، والوضوح الذي أمامنا في قضية فلسطين لا يحتمل المجاملة والتجميل. هناك احتلال وهناك بشر تحت الاحتلال، فأما أن نكون مع الاحتلال وأما نقول الحقيقة، مع علمنا مدى صعوبة قول الحقيقة والمجاهرة بها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، التي صورت للأوروبيين على أساس أنها جزيرة مسالمة في محيط معادٍ وسادي.

لكن السيدة غريتا تجاهر بموقفها وتفرد قناعتها عصية على الريح وصخرة إنسانية قوية تقف بوجه الهجمة الصهيونية، غير آبهة بالإرهاب الفكري الذي تقوده اللوبيات اليهودية في العالمين الأوروبي والأمريكي، لأنها واثقة الخطى وواثقة الهدف، إنسانية في مواقفها وشجاعة في قناعتها ومبدئية بانحيازها لمعسكر الضحية ورفضها منطق معسكر الجلاد. أن ما تبوح به علنا وجهرا غريتا دوينسبرغ، يصعب قوله في بلاد تخضع لرقابة صارمة من قبل اللوبي اليهودي. لكن الحق يدق مضاجع الحقانيين في عالم اليوم، والسيدة غريتا من أصحاب الضمائر الحية والمواقف الحقيقية. لذا ستكون معركة اللوبي اليهودي معها معركة معقدة وصعبة، إذ لا يمكن للشر أن ينتصر على الخير والظلم على الحق في قضية حق وخير وعدالة تدافع عنها السيدة غريتا ومعها ملايين الأحرار والشرفاء في العالم.

أن الحملة المنظمة على الذين يعارضون سياسة إسرائيل واحتلالها للأراضي الفلسطينية، تدعونا للتوقف عندها قليلا، فمركز "سيمون فيزنتال" الصهيوني، دعا الحكومة الهولندية لإلغاء جواز السفر الدبلوماسي الذي تحمله السيدة دوينسبرغ بعد قولها لأحدى الصحف الهولندية "إن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية أسوأ من الاحتلال النازي لهولندا". هذا المركز يتصرف كمحاكم التفتيش الأوروبية المعهودة سابقا.. يتصرف وكأنه وزارة عدل في أي بلد أوروبي، ويقف بالمرصاد لكل من يؤشر على تجاوزات إسرائيل وعنصرية حكامها وجنودها ومستوطنيها..

بعد هذا التصريح الجريئ الذي يعبر عن حقيقة واقعة وواقعية، لا نستغرب أن تثور الجمعيات والمنظمات اليهودية للهجوم على غريتا وزوجها ،المرشح ليكون ضحية جديدة من ضحايا التدخلات الصهيونية في الحياة الخاصة والعامة للشخصيات العالمية. فالسيدة غريتا وضعت إصبعها على الجرح وحددت بوضوح طبيعة الاحتلال الإسرائيلي وممارساته.

وهي لم تهن ذاكرة ضحايا النازيين كما قال الحاخام اليهودي مارفين هير، مؤسس مركز" فيزنتال"، لكنها ذكرت العالم واليهود بأن الشعب الفلسطيني يعيش في هولوكوست جديد وأن للنازية أشباها وأشباحا بهيئة بشر، لا يزالون يسيطرون على أراضي الغير بالقوة ويمارسون السياسات المغايرة وغير الأخلاقية أو الإنسانية في تلك الأراضي. هي أحيت ذكرى وماضي وحاضر ضحايا البشاعة الإسرائيلية في فلسطين، ومستقبل تلك البلاد وسكانها الأصليين.

والسيدة غريتا عندما تضع النقاط على الحروف وتؤشر بإبهامها نحو المسئول عن الجريمة اليومية التي تحدث في الأراضي الفلسطينية، لا تعادي اليهود ولا تجاري الفلسطينيين، بل تقول الحقيقة وتطالب بإنقاذ الضمير العالمي من رجس الأحتلالات والسياسات العنصرية والقمعية، وتطالب بعدم التأقلم والانسجام والاعتياد على سياسة هدم البيوت التي تتبعها السلطات الإسرائيلية، والتي أصبحت أمرا عاديا، وهو بحسب قولها ما لم يصل إليه النازيون إثناء احتلال بلدها هولندا

 

 نشر  في موقع  مركز المشهد الفلسطيني المختص في الأبحاث في الشئون الإسرائيلية

 الحقوق محفوظة لنضال حمد

Copyrightę2004Nidal Hamad

hnidalm@chello.no

تصفحوا سجل الزوار gbook

عودة  /Back