أجازه صيفية في المخيمات الفلسطينية
بقلم : نضال حمد*
في عين الحلوة حلاوة المخيم ومرارة اللجوء ووجع الضلوع وما خلف الضلوع.. ومرح فيه قليل من الفرح وكثير من التأمل والتفكير بالإضافة لصمت القبور وهدير الحياة على مسامع الموتى وفي رؤوس الأحياء..
هناك في أزقة القهر والبؤس والأمان المفقود والحرمان المعشش على الدروب وفي الزواريب لا زالت الحياة قائمة والدورة الدموية في المخيم على حالها، بالرغم من ارتفاع نسبة الدهون في الدم الفلسطيني الذي لا يأبه بكل تلك الأشياء ، فيواصل مواجهة المصاعب والمتاعب بالتدفق سريعا وإسناد القلب وتزويده بسائل الحياة، بإكسيرها الذي يعطي الناس في المخيم، الأمل في تحسن حالهم وتبدل أوضاعهم تلك، التي ليست الدول العربية المستضيفة بريئة مما آلت إليه. فالوضع في المخيمات الوضع الصعب والشديد التعقيد الذي يذكرنا بغيتوهات البؤس والحرمان التي عجت بها أوروبا ابان الحرب العالمية الثانية. تلك الدول المستضيفة وبالذات لبنان كانت ولازالت تصرف جزءاً كبيراً من أموالها ووقتها للتفكير بالطريقة أو الأسلوب الذي قد تستطيع من خلاله ابعاد الفلسطينيين أو التخفيف من اعدادهم، وذلك من خلال شطبهم من سجلات القيد التي تمنحهم صفة اللاجئ المقيم. اللاجئ لمولود هناك نتيجة اضطرار عائلته للإقامة في تلك الدول،هذا بعدما ضاعت البلاد وتاه العباد من أهل فلسطين بعد النكبة الفلسطينية الكبرى والتي كانت خيانة الدول والحكومات من أسبابها الأساسية والرئيسية.
كأن مجموعة المعارك والحروب الجانبية والطائفية والانقلابية التي زج بها الفلسطيني بإرادته أو رغما عنه، لم تكن كافية لوقف حملة الذل والمهانة التي تمارس بحق الفلسطينيين في بلاد العروبة اللاهثة خلف السلام الأمريكي والزاحفة نحو الرضا الأمريكي الحقيقي.فكيف للذين طردوا الاحتلال وهزموه وأذلوه أن يقبلوا باستمرار حالة الحصار حول المخيمات وبالقرارات التي أقل ما يقال فيها وعنها أنها قرارات عنصرية لا تليق بوطن المقاومة،وبحملات الدعم والإسناد التي عمت ولازالت تعم البلاد دعما وإسنادا للانتفاضة المجيدة. كيف للفلسطيني أن يدفع رسوم تعليم أبناءه في الجامعات بعدما أصبح يعامل كغريب وأجنبي يتوجب عليه دفع مبالغ ضخمة كأقساط للجامعة بينما الطالب المواطن يدفع قسطا مخففا ومعقولا. وكيف للفلسطيني الذي يموت أن يورث أبناءه بعدما حرمه قانون رفض التملك للفلسطينيين من أن يتملك ما يملك ومن أن يورث عائلته تلك الأملاك التي أكتسبها بدمه وماله وعرقه وأمواله.. فعلا لقد ضاقت بنا الحياة في بلاد ترفض منحنا حرية العيش والحياة كباقي أبناء البلاد.. أهو غباء القيمين على تلك الدول والحكومات أم انها سياسة موجهة هدفها بالنهاية تيئيس الفلسطيني وإجباره على الهجرة أو الرحيل،كي ترتاح البلاد العربية من همه ومن واجب استضافته إلى أن تحل قضية فلسطين وبالأخص قضية اللاجئين الفلسطينيين؟
في تلك البلاد يرى ويسمع المرء حكايات وقصص عن أوضاع الفلسطينيين لا تليق بالمضيف ولا بالبلاد التي لازالت ترفض الالتحاق بركب الاستسلام الرسمي العربي. كيف يمكن سجن إنسان مختل عقليا بتهمة التآمر على الدولة وأمن الدولة؟
لقد سجن المدعو " آتي" وهو أحد المختلين عقليا في أحد مخيمات الشتات على خلفية أمنية،مع أن هذا الرجل لا يعرف من الحياة سوى الاستجداء والتسول والمشاركة في الأفراح والأتراح للحصول على بعض المال أو السجائر. وهذا ينطبق على آخرين تم حجزهم واعتقالهم لمدد متفاوتة. قد يكونوا في المعتقل أو في السجن وجدوا في "آتي" خاصة مسرحا كوميديا أو "سلبة من سلبات" المصروعين والمجانين والمختلين عقليا فأنزلوه في سجنهم كضيف يروح عن السجان والمساجين أو أنهم فعلا أصبحوا بلا قيم وبلا رحمة إلى حد حبس "آتي" وغيره من مجانين ومختلي العقول من ابناء المخيمات.
بعد أن أنعم الله علينا بالجنسية النرويجية التي أصبحت لنا نحن أبناء المخيمات الفلسطينية سابقا كالحصانة الدبلوماسية حاليا. أصبح من الطبيعي والممكن أن نسافر ونتحرك في كل العالم الغربي والشرقي دون عوائق وحواجز وتأشيرات دخول وما شابه ذلك من متطلبات. أما معظم الدول العربية العتيدة والتي لازالت تعارض مواكبة الدول الأخرى ومعاملة مواطنيها بالمثل من خلال تسهيل السفر وحرية التنقل والسياحة والعمل والإقامة فيما بين أبناء الأمة الواحدة والوطن الكبير الواحد الذي استطاعت قوى الشر والعداء والاستعلاء والاستعمار والتفرقة أن تفرق بينه. حتى صارت محافظاته دويلات مستقلة ومدنه عواصم لتلك الدويلات،فتعززت وأقيمت الحواجز والحدود بين العربي والعربي.. المحزن أنه مثلا : لا يمكنك كلبناني أن تزور الأردن إلا بالحصول على تأشيرة دخول مسبقا.وهذا الأمر ليس بالأمر اليسير لأن السياسة التي جعلت التأشيرة أمرا حتميا وضروريا هي نفس السياسة التي تمنع العربي من التحرك في وطنه الكبير بحرية وبلا عوائق. هذا الأمر ينطبق على كافة البلاد العربية تقريبا ويطبق على كل أبناء العروبة من فلسطين المستباحة إلى جزر القمر الحديثة.
وكما أسلفت سابقا حملت نعمتي الجديدة والثمينة التي لا تقدر بثمن بالنسبة لفلسطيني لاجئ مثلي كانت دائما مشكلة الحركة والسفر وجواز السفر من أهم المشاكل التي تواجهه وتواجه أبناء جلدته من اللاجئين الفلسطينيين. أذكر أنني تعرضت في السابق لمضايقات عربية وأجنبية أثناء سفري بين الدول والبلاد التي تسنى لي السفر اليها قبل وبعد الخروج الفلسطيني من بيروت سنة 1982. ففي كل سفراتي إلى الدولة العربية الشقيقة والتي قررت تشجيع السياحة وتسهيل دخول وخروج الأجانب والمغتربين تلقيت نفس السؤال من الموظف الذي يعمل في قسم الدخول والمغادرة :
ما هو أصلك؟
في المرة الأولى قلت بلا تفكير لبناني.. فجاء رده أهلا وسهلا بك في وطنك لبنان..
أما في المرة الثانية، كان ردي مختلفا تماما,،إذ عندما سألني الموظف الآخر نفس سؤال زميله في السفرة الماضية، قلت له أصلي فلسطيني.. لم يعلق على الكلام ولم يسألني أي سؤال آخر لكنه دون ملاحظاته في أوراقه ثم سلمني جواز سفري ورحب بي في لبنان.
أما في المرة الأخيرة التي سافرت فيها إلى لبنان الذي أحب،نعم أحب لبنان لأنني ولدت هناك وكبرت هناك وسال دمي هناك دفاعا عن لبنان وفي مواجهة دبابات الصهاينة التي حاولت احتلال بيروت بمساعدة من ادعوا يومها أنهم يدافعون عن محبتهم للبنان.في تلك المرة لم أخف انزعاجي من السؤال حول أصلي وقررت أن أرد على السؤال بطريقة محيرة، فقلت أنا أصلي عربي... نظر الموظف في عيناي طويلا ثم قال: أعرف أنك من أصل عربي لكن من أي بلد عربي؟
قلت من هذا البلد؟ قال في هذا البلد هناك أبناء البلد وهناك آخرون. قلت له أنا من الآخرين،أي من طين فلسطين وتراب لبنان ورمل الشام والحجاز، دمي أحمر وقلبي أكبر من أن أقول أنني نرويجي.. لكن ما دامت الأمور تسير بهذه الطريقة وعكس الحقيقة،سوف أخبرك أنني هنا نرويجي أما في النرويج فأنا أشعر بعروبتي أكثر من أي عربي حاكما كان أو رجلا عاديا. بعد هذه المحاضرة السريعة جدا والمحبوكة بقوة وبقهر وغضب وتسليم بالأمر الواقع،استلمت جواز سفري ومضيت نحو قاعة المغادرة وأنا أفكر بالوطن العربي الكبير وبجيل صلاح الدين وبالوحدة العربية التي أصبحت أبعد من أي وقت مضى وبعيدة المنال..
جلست في مقعد قرب الزجاج الكبير الذي يطل على ساحة المطار ومدرجاته الممتدة طويلا.. تذكرت معركة مطار بيروت وخلدة في الحصار ورفاقي الشهداء والجرحى. تذكرت صديقي علي الذي أصيب في تلك المعركة ومنذ ذلك اليوم وهو يتحمل ثقل الإصابة ويعيش بجهة واحدة من جسده بعدما كانت الإصابة قد شلت النصف الآخر من الجسد القوي والمتين. ترى كيف سيعاملونك يا علي؟ هل سيحترمون فيك العطاء لأجل المطار؟ نعم سيفعلون ذلك لكنك لن تمر دون الإجابة عن السؤال..
من كان في السابق يحلم أنه سيحمل جنسية نرويجية أو سويدية أو كندية أو بولندية أوألمانية أوغيرها؟ لا أحد.. كنا نرفض مجرد التفكير بالهوية الأخرى. كنا نتمسك ببطاقة الهوية إلى أن ضاقت بنا بلاد الأمة العربية ،والى أن حللوا ذبحنا على الهوية.. الآن نحن أجانب في العالمين لكننا فلسطينيون في كل مكان وزمان،فلسطينيون أينما كنا وحيثما حططنا وبلا تردد. لأننا أصبحنا سفراء الوطن والقضية والمأساة، يتملكنا الهم الفلسطيني ونحيا مأساة شعبنا في كل صباح ومساء.
لم نكن في السابق نتحدث عن حق العودة ولم يكن معظمنا يعرف نص قرار الأمم المتحدة رقم 194حول حق العودة والتعويض وبأنه حق و ملك شخصي لكل لاجئ ولذريته. الآن أصبحنا نعرف القرار ونصه وماهيته وقانونيته وشرعيته وضرورته،وكذلك نتمسك به كمن يتمسك بحياته خوفا من الموت. الآن نحن من يقف على خط المواجهة الأول دفاعا عن حق العودة ومن أجل العودة. وهل يهود العالم الذين يجلبون من كافة أصقاع الدنيا هم أصحاب حق في السكن على أرضنا وفي سلبنا حقنا؟ لا أبدا لأنهم لصوص أرض وإرهابيين من كل الأصناف والأشكال تجمعهم خرافات وخزعبلات صهيونية توراتية تلموذية لا تمت للواقع والحقيقة بصلة.
على الفلسطيني أن يعي أنه مستهدف حتى ولو أستسلم،وفي هذا لنا عبرة ومثال أهل أوسلو الذين التزموا سلام أمريكا وإسرائيل فارتضوا بالفتات ورغم هذا لم تقبلهم أمريكا ورفضتهم إسرائيل. لذا على شعبنا أن يتمسك بحقوقه تمسك الجسد بالروح والروح بالحياة.. وعلينا أن لا نستسلم لليأس لأن مسيرتنا تتطلب الصبر والعزم والمثابرة وتخطي الأزمات والانتصار على الويلات وتجميع العرب والعروبة على الرغم من القهر والمذلة والهوان وتخلي العرب عن واجباتهم تجاه العروبة وقضيتهم المركزية.
نضال حمد